arrow down

واجبات الحاكم في الإسلام

خطبة لفضيلة د. محمد بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس؛ أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لا ربَّ لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأمر وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل البريات، وختم الله به النبوات، وأخرج به من الظلمات؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلوات طيبات مباركات. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وعظموا شرعه وحرماته، وقفوا عند حدوده، فقد قال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29]. ثم أما بعد:

عباد الله!

إن مقصود جميع الولايات في الإسلام: أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون العبادة لله وحده لا شريك له؛ لذلك خلق الله الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، قال تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56-58].

وإن على الحاكم واجبات كبيرة تجاه ذلك، ولا يستطيع القيام بها على وجهها الأكمل إلا من أعانه الله تبارك وتعالى ووفقه، وهي أمانة من أعظم الأمانات، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسئول عن رعيته».

وروى مسلم في صحيحه، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذ بحقها، وأدى الذي عليه فيها».

وقال صلى الله عليه وسلم: «من استرعاه الله رعية ولم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة».

عباد الله!

إن من أعظم واجبات الحاكم: حفظ دين الله تبارك وتعالى، فالحاكم مسئول مسئولية تامة عن حفظ الدين عما يسوءه ويخدش فيه.. بل يجب عليه نشره، وتعليمه الرعية، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرسل والمعلمين إلى الناس ليعلموهم دينهم، فبعث مصعب بن عمير إلى أهل المدينة بعد أن أسلموا، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى أهل اليمن، وكذا بعث معاذاً وأبي موسى الأشعري إلى اليمن أيضاً، وكذا كان خلفاؤه من بعده صلى الله عليه وسلم يبعثون من يعلم الناس، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما بعثت عمالي عليكم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم".

ومن حفظ الدين: منع انتشار الأفكار والعقائد التي تخالف الإسلام؛ فعلى الحاكم أن يمنع انتشار هذه العقائد الباطلة والمنحرفة من عقائد وثنية وإلحادية، وأن يمنع أهل الأفكار العلمانية والليبرالية من نشر آرائهم المخالفة لدين الله تبارك وتعالى.

ومن الأمور التي يجب عليه أيضاً المحافظة عليها: أخلاق الأمة، ومنع ما يلوثها من أخلاق باطلة باسم الحريات، والديمقراطية، والدولة المدنية، فالإسلام -أيها المؤمنون- جاء كاملاً لا يحتاج إلى نظرية أو فكرة أو غير ذلك، فهو دين العدالة، وإعطاء الناس حقوقهم، وقد استغل العلمانيون والليبراليون والمنافقون هذه الأفكار وهذه النظريات لنشر أفكارهم الهدامة التي تخالف دين الله تبارك وتعالى.

أيها المؤمنون!

من الواجبات على الحاكم: إقامة شرع الله، والحكم بما أنزل الله تبارك وتعالى، يقول المولى جل وعلا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف:40]، فالله هو الحاكم المهيمن، وكل ما في الوجود تحت هيمنته وتدبيره تبارك وتعالى، فالحاكمية المطلقة له وحده لا شريك له، والشريعة الإسلامية شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وهي شاملة لجميع جوانب الحياة، ولقد حذر الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم من عدم تحكيم الشريعة، فقال عز من قائل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء:60].

وقال تبارك وتعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47].. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45].. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44].

وقال تبارك وتعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:48-50].

عباد الله!

ومن إقامة الشرع ودين الله تعالى: إقامة الحدود؛ فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم» [رواه ابن ماجه بسند حسن].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وحاشاها رضي الله تعالى عنها.

وروى النسائي وابن ماجه -بسند حسن-: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حد يعمل به في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق، والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله؛ فحصل الرزق والنصر من الله".

أيها المؤمنون!

ومن واجبات الحاكم: إقامة الواجبات التي فرضها الله تبارك وتعالى، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الواجبات، قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41].

عباد الله!

روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة».

ومن الواجبات: إقامة العدل، ورفع الظلم، قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58].

وقال تبارك وتعالى لداود عليه السلام: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس من والي أمة قلت أو كثرت لا يعدل فيها إلا أكبه الله تبارك وتعالى على وجهه في النار يوم القيامة» [رواه أحمد].

وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلول لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور».

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».

فيجب على الحاكم -عباد الله- أن يبتعد عن الظلم مهما كان؛ فإن الظلم سبب في إزالة الدول، وسبب في إزالة الحكام.

أسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وآله وسلم أجمعين. ثم أما بعد:

عباد الله!

من الواجبات أيضاً على الحاكم: اختيار الأكفاء في المناصب والوظائف، قال الله تبارك وتعالى عن ابنة الرجل الصالح: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26].

وقال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران:118].

وروى البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله تبارك وتعالى».

وروى أبو داود والنسائي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء؛ إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه».

ومن الواجبات على الحاكم: جمع الكلمة وعدم الفرقة، قال تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]، فالوحدة وجمع الكلمة مطلب شرعي، لكنها لا تكون إلا على الكتاب والسنة.. لا تكون إلا على شرع الله، ونبذ جميع الشعارات الأخرى التي تخالف ذلك، وكذا نبذ الأحزاب والتكتلات الضيقة التي ما جنت الأمة بسببها إلا العداوات، وما جنت الأمة بسببها إلا الفرقة، وما جنت الأمة بسببها إلا القتل والقتال والتناحر، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]، وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46].

أيها المؤمنون!

إنا قادمون على الحوار الوطني الذي تدعو إليه جميع التكتلات والدولة أيضاً.

إن الحوار الوطني لا بد أن يكون على الثوابت التي لا خلاف فيها بيننا كأمة مسلمة، وألا ندعو إلى أي شيء يخالف ذلك، فالحوار الوطني إذا كان على غير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه فاشل ولا يمكن أن يقوم؛ ذلك أن كتاب الله وسنة رسوله بها جمع الله شتات الأمة بعد أن كانوا متفرقين متناحرين متقاتلين، وكذا –والله- لن تجتمع الأمة إلا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحتى لا تكون الجهود مبعثرة والأموال سائبة في هذا الحوار؛ لا بد أن نتخذ أصولاً وثوابت نبني عليها الحوار الوطني حتى تتآلف القلوب، فنترك أحزابنا وتنظيماتنا المخالفة لشرع الله تبارك وتعالى، ونُقْبل جميعاً إخوة متحابين لا متنافرين ولا متقاطعين.. بل متحدين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أيها المؤمنون!

ومن الواجب على الحاكم: حفظ سيادة البلاد من أن تنتهك من أعداء الله تبارك وتعالى، وحفظ المسلمين من أن يقتلوا بأيدي أعداء الله جل وعلا، يقول الله: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ} [هود:113].

لا يجوز مظاهرة الكفار على المسلمين بأي مسمى من المسميات، كمسمى الإرهاب الذي تأتي به الطائرات الأمريكية، وتفتح لها أجواء البلاد لتلاحق أبناء المسلمين وتقصفهم، أين السيادة.. أين الحماية لأبناء المسلمين؟! ولا يعني ذلك أن من أخطأ لا يؤدب، لكن المسلمون يأخذ بيد بعضهم بعضاً، ولا يجعلون أعداءهم يسلطون عليهم، فوالله إن الحكام السابقين قد ركضتهم أمريكا بأرجلها ونبذتهم، وسيأتي دور اللاحقين وسيركضون من بَعْدِهم وسينبذون، وستكون العاقبة للمؤمنين؛ فأمريكا وأوروبا وغيرها من أعداء الله تبارك وتعالى لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120].

عباد الله!

ومن الواجبات: نشر الأمن بين الناس، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى دين الله، وبتحكيم شرع الله.

فإن الأمة لو اختلفت، ووقع بينها النزاع -كما هو الواقع في بلادنا، وكما نعيشه وتعيشه أمتنا في بلادنا- لا نجاة لنا ولها إلا بالرجوع إلى كتاب الله تبارك وتعالى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نشر الأمن في الأمة، وكان الصحابة رضي الله عنهم مستضعفون في مكة، كان يقول لخبيب رضي الله تعالى عنه: «والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه»، عندما ينتشر العدل والحق ودين الله يأمن الناس على أموالهم، ويأمن أهل البلاد جميعا.

عباد الله!

نجد هذه الأيام في بلادنا -بسبب اختلاف الكلمة، وبسبب الفرقة- نجد القطع للطرقات، ونجد القتل والقتال هنا وهناك، وقطع للكهرباء، وقطع لمصالح الناس؛ فلا يستطيع الإنسان أن يسافر يميناً وشمالاً لقصد نفسه وغرضه وما يحتاجه، ما هو السبب؟ هو الفرقة أيها الأحبة، ولو رجعنا وتلاحمنا وتآلفنا واعتصمنا بحبل الله جميعاً؛ فإنه لن يكون ذلك.

قطع للطرقات.. إخافة للناس.. قتل وقتال.. ما يفعله الحوثيون من اعتداءات على المواطنين في صعدة، وقتلهم للمسلمين، وما يفعلونه من اعتداءات في حجة وفي غيرها من المناطق، ولا رادع لهم ولا منكر؛ حتى أنك لا تسمع النكير لا في إذاعة ولا في تلفاز ولا في غير ذلك من قنوات الحكومة، وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن من في هذه البلاد ليسوا تحت حكمها وسيطرتها.

أيها المؤمنون!

من الخوف أيضاً ما يحدث في أبين، وهو خطأ والله.. خطأ أن يقتل المسلمَ الجندي المواطن، ويكون بيننا القتل والقتال، ويكون بيننا التشريد والسفك للدماء؛ لأن كل أولئك المتقاتلين هم أبناء دين واحد، وأبناء وطن واحد؛ فلا يجوز أن يرفع ويشهر السلاح أحد على الآخر.

ويجب على الحكومة أن تتدرج في كيفية التعامل مع هؤلاء الذين رفعوا السلاح.

فأولاً: الحوار: فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما خرج الخوارج عليه لم يقاتلهم حتى رفعوا السلاح، وأرسل أولاً إليهم ابن عباس ليناقشهم، وينظر ما عندهم من الشبه؛ فرجع كثير منهم، فحقن بذلك دماء أولئك الذين رجعوا.

ثانياً: أن من رجع منهم لا يطارد ولا يلاحق: فإننا نجد من رجع منهم عن رأيه وألقى السلاح أنه لا يجد مأمناً لا في بيته، ولا في مدينته، ولا في قريته، فإذا رجع إلى بلدته ووضع السلاح، وعاد مواطناً من المواطنين تجد الأمن السياسي أو الأمن القومي أو غيرهما من الأجهزة الأمنية يلاحقونه من بيت إلى بيت، ومن مدينة إلى مدينة؛ حتى يجعلونه يرفع السلاح من جديد، ووالله ما رفع هذا وغيره السلاح إلا بهذا السبب غالباً.

تدخل إلى المسئولين وتقول لهم اتقوا الله.. هنالك مساجين لهم سنين طوال، فلا تكاد تجد مجيباً، وكأن الأمر لا يعنيهم، وإذا كان الواحد معتقلاً هذه السنوات ماذا ننتظر منه؟! هل سيخرج من السجن وهو لا يريد أن يرد الصاع صاعين لمن اعتدى عليه؟! إن ما يوجد من ضغط وكبت يؤدي إلى أن يفكر الإنسان بمسألة الانتقام، فعشر سنين قضاها من عمره بلا سبب ولا ذنب وهو مأسور أو طريد أو محارب.. كل ذلك يولد لديه الشعور بالانتقام.

إذاً: بالحوار، وعدم المطاردة، وعدم الملاحقة يرجع الكثير -إن شاء الله- وأعظم شيء أن نحكم شرع الله تبارك وتعالى فيما بيننا، حتى ولو كان رئيساً أو مرؤوساً.. حاكماً أو محكوماً؛ فالجميع يجب أن يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فبها النجاة، وبها الفوز والفلاح، أما مطاردات وملاحقات وقتل وقتال فلا فائدة فيها، وسنتحول إلى حرب ملاحقات ويلاحق بعضنا بعضاً، وما وجد في العراق قد يوجد في بلادنا، وما وجد في الصومال قد يوجد في بلادنا، لكن لنتآلف، ولنتقارب، ولنتعاطف، وليرحم بعضنا بعضاً.

الدعاء..