arrow down

راحة المؤمن

خطبة لفضيلة د. عبدالوهاب بن محمد الحميقاني (عضو رابطة علماء المسلمين)

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

أما بعد:

عباد الله! لا شيء أعظم ولا أجل ولا أكبر من الله جل في علاه، ولا حديث ولا كلام أطيب من الكلام عن الله سبحانه، فبذكره تعالى تطمئن القلوب، وتهتز الأسماع، وتطرب النفوس، وتقشعر الأبدان، وبعبوديته سبحانه يسعد العبد في الدارين في الأولى والأخرى.

ومحبة الله عز وجل والشوق إليه، أعظم أصول الإيمان على الإطلاق، بل محبة الله عز وجل أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، فلا تتحقق عبودية المرء لله عز وجل إلا مع محبته سبحانه، وما خلا قلب من محبة الله إلا وقع في النصب والنكد وسوء الحال والمنقلب، فلا عيش يطيب ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم في الدنيا والآخرة إلا بمحبة الله عز وجل.

كيف لا يحب الإنسان ربه وخالقه وإلهه؟! الذي خلق الذي رزق، الذي أعطى، الذي أحيا، الذي يميت، كيف لا يحب الله وهو القادر على كل شيء؟!

من نظر في آيات الله المسطورة في القرآن وأمعن النظر في صفات الله وأسمائه وأفعاله وتقديره جزم قلبه بمحبة الله عز وجل، إذا نظر في عطائه ومنعه في قبضه وبسطه، في عدله وفضله، في بطشه ورحمته، في قوته وقهره في كل فعل من أفعاله، في كل صفة من صفاته، يقاد القلب بها محبة لله عز وجل.

كيف لا يحب المرء ربه وقد جعل الله له في كل شيء آية تدل على وحدانيته وتدل على عظمته، وتدل على ربوبيته وتدل على ألوهيته.

الناظر في الكون انظر أيه الإنسان انظر في نفسك، انظر في سمعك، انظر في بصرك، انظر في دمك، انظر في جسدك، انظر في أعظائك، {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21].

انظر من حولك، انظر في السماء وما فيها وفي الأرض وما فيها، في البر وما فيه، في البحر وما فيه، كل ذلك آيات شاهدة بوحدانية الله.

تأمل سطور الكائنات فإنها *** من الملأ الأعلى إليك رسائل

لقد خط فيها لو تأملت خطها *** ألا كل شيء ما خلا الله باطل

كل شيء في هذا الكون آية من آيات الله التي تدل على وحدانيته، لكن لمن أمعن النظر، ولمن أعمل الفكر، ولمن دقق البصر، ولمن قلبه في مخلوقات الله، يصل إلى هذه النتيحة، أما أعمى البصر والبصيرة، أما منكوس الفطرة ومنكوس العقل من يمشي مكباً على وجهه في هذه الحياة، فلا يتدبر هذه الآيات، ولا تشعره بعظمة الله عز وجل، وهو من شر دواب الله التي خلقها، {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22].

أما العاقل المبصر السميع الذي ينظر في آيات الله وفي ما خلق الله فإن عقله وبصره وسمعه يقوده إلى محبة الله عز وجل.

انظر في مخلوقات الله، من بنى السماء وأرسى الجبال؟ من دحى الأرض وبسطها وأنبت الزرع؟ من أنزل المطر والماء وفجر العيون؟ من يغدق العطاء؟ من يجيب الدعاء؟ من يكشف الكربات؟ من يستر العورات؟ من يؤمن الروعات؟ من يعلم الجاهل؟ من يغني الفقير؟ من يرشد الضال؟ من يرزق كل حي؟ ومن خلق كل شيء؟ ومن أحاط بكل شيء علماً؟ ومن أحصى كل شيء عدداً؟ ومن وسع كل شيء رحمة؟ إنه الله جل في علاه.

{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59].

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60].

{أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النمل:61].

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62].

عباد الله! انظر في مخلوقات الله، انظر في رزقك الذي تأكل في مائك الذي تشرب، في نفسك الذي يجري، في دمك الذي يجري في عروقك، من قال لشعرة الحاجب انبتي إلى حد معين وقف؟ ومن قال لشعرة الرأس انبت من غير حد؟ وهي تأكل من طعام واحد ومغروسة في جسد واحد، وفي جلد واحد، وتغذى من دم واحد، إنه الله الذي قدر فهدى.

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس:31].

{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس:32].

{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس:33].

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس:34].

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس:35].

{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس:36].

انظر في فقرك إلى الله وفي حاجتك اللازمة والمسمرة إلى الله، إذا اشتد المرض، وإذا شح الرزق، وإذا فقد الولد، وإذا غابت الصحة والعافية، وإذا ضاقت الدروب، وإذا طارت الحيل، وإذا قل المعين، وإذا طال الطريق، وإذا جثم الظلم، وإذا حلت الكارثة، وإذا ادلهم الخطب، وإذا تمالأ الأعداء، إلى نلجأ وإلى من نركن؟ نلجأ إلى الله ونركن ونؤي إلى الركن الشديد، وندعو السميع المجيب، الذي يجيبنا بعد أن ندعوه مخلصين له الدين، يا الله يا الله يا الله! فيأتي بالفرج القريب، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ} في السماء في الأرض في أنفسكم في كل مكان {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل:53].

النعم منه واللجوء والرجوع إليه، فأنت فقير محتاج إليه في كل لحظة من لحظات حياتك، أليس هذا الإله يستحق منا العبادة والمحبة والخضوع والخنوع؟

سبحان الله! كل ما في هذا الكون عابد لله، إلا بعض الإنس والجن، كل ما في هذه الكون خاضع لله، السماوات وما فيها الأرض وما فيها، البر وما فيه البحر وما فيه، الكون كله عاليه ودانيه، ناطقة وصامته، أحياؤه وجماداته، كله ناطق بعظمة الله، شاهد على وحدانية الله، مسبح بحمد الله، خاضع ساجد لله، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18].

فهل أحببت ربك يا عبد الله؟ محبة الله بين الحقيقة والدعوى في قلوب الناس، إذا سألت مسلماً هل تحب الله؟ استهجن واستنكر السؤال، مقرراً أنه يحب ربه، وأن قلبه قد انعقد على محبته، ولكي يستبين الفرق بين المدعي لمحبة الله وللمحب لله عز وجل فناك فروق وهنالك علامات، وهناك أمارات، وهناك دلائل تميز المحب الصادق من المحب الدعي، فروق كثيرة، لكن أهم هذه الفروق ومآلها إلى فرقين أساسيين ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، قائلاً: "فاتباع شريعة الله والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من ادعى المحبة".

فاتباع شريعة الله والقيام بالجهاد في سبيل الله هاتان ركيزتان فارقتان بين المحب الصادق لله والمحب الكاذب الدعي في دعواه.

ابتاع شريعة الله أنت تزعم أنك تحب الله، فلا بد أن تتبع شريعته وشريعة الله هي الاستجابة لأمر الله وأمر الرسول، واجتناب نهي الله ونهي الرسول، فإذا كنت صادقاً في محبة الله استجبت أمره، واستحبت لأمر رسوله ووقفت عند حدوده، وانتهيت عن محارمه عما حرم عما حرم رسوله صلى الله عليه وسلم، أما أن تدعي محبة الله فيأتي أمر الله ويأتي القرآن وينزل من الله على رسوله فيبلغنا ويأمرك أن تفعل كذا وألا تفعل كذا، ويخاطبك النبي صلى الله عليه وسلم في سنته افعل كذا وانته عن كذا فتسمع هذه الأوامر وتسمع تلك الزواجر فلا تلقي لها بالاً، ولا تفتح لها قلباً، ولا تقيد لها جوارحك، ثم بعد ذلك تزعم أنك تحب الله!! لا والله.

من أحب الله استجاب لأمره، واستجاب لأمر رسوله، ووقف عند حدوده ومحارمه، فيا عبد الله! إذا أمعنت النظر في آيات الله المنشورة في الكون، في آيات الله المسطورة في القرآن، أمعنت فيها النظر، وأعملت فيها الفكر، واستخدمت واستعملت العقل، كل ذلك سيقودك إلى محبة الله، وإلى الخضوع له، وإلى الانقياد لأوامره، وإلى القيام بشرعه، وإلى الجهاد في سبيله.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

ثم أما بعد:

عباد الله! فتش في قلبك فإذا وجدت أن القلب قد انعقد على محبة شيء سوى الله محبة تساوي محبة الله فلست من المؤمنين، لست من المؤمنين بل أنت من المشركين، إذا وجد في القلب محبة لشيء سوى الله تساوي –فضلاً أن تزيد- تساوي محبة الله فلست من المؤمنين بل أنت من المشركين.

فلا بد أن تكون المحبة في القلب، المحبة الكبرى والعظمى هي لله عز وجل؛ لأن الله يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165].

المشركون يحبون طواغيتهم كما يحبون الله على أحد تفسيري الآية، فعدهم الله ممن اتخذوا الأنداد فعدهم الله من المشركين، فلا بد أن تكون المحبة الكبرى والحيز الأكبر من المحبة في القلب لا بد أن يكون لله ولرسول الله، ولدين الله، ولما والى الله، يقول الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] هذا فعل أهل الشرك أما فعل أهل الإيمان {الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] محبتهم أعظم وأكبر من محبة المشركين لطواغيتهم أو من محبة المشركين لله مع شركائهم، أهل الإيمان يحبون الله أعظم من محبة المشركين لطواغيتهم ودينهم.

لكن يا عبد الله! عرفت الفوارق بين أدعياء المحبة وأهل المحبة، وهناك للمحبة أصول، أصول ثلاثة، أهل محبة الله لمحبتهم أصول ثلاثة، إذا وجدت في المرء فقد تحققت المحبة، وإذا انعدمت أو انعدم بعضها فقد انعدمت المحبة أو انعدم بعضها بقدر انعدم من أصولها، أصول محبة الله كما قررها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة ثلاثة:

إخلاص العمل لله.

والمتابعة لرسول الله.

والجهاد في سبيل الله.

ثلاثة، أن تكون مخلصاًً لله في عبادتك وعملك وأن تكون في عبادتك وعملك موافقاً لشرع الله، متابعاً لرسول الله، ثم تكتفي بذلك؟ لا، بل لا بد أن تقوم بنصرة دين الله، بنصرة الدين الذي أنزله الله وبلغه رسول الله وهو الجهاد في سبيل الله، نصرته بالجهاد، جهاداً باللسان، جهاداً بالمال، جهاداً بالنفس، كما قال صلى الله عليه وسلم عند أبي داود: «جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم وأنفسكم».

هذه الثلاثة الأصول، فإذا وجدت فيك فاعلم أنك من أهل محبة الله وأوليائه، وإذا انعدم بعضها فاعلم أن بعض أصول المحبة قد انعدم فيك، ولربما آل بك الأمر إلى ذهاب المحبة والعياذ بالله.

لكن اليوم بعض الناس ما اكتفى أن الأصول هذه ما انعقدت في قلبه بل أراد أن يهدمها من قلوب الناس، أراد أن يهدم هذه الأصول أصول المحبة من نفوس المؤمنين، فيخذل ويتهم ويرجف ويزعم ويقول ويهرطق زاعماً محبة الدين، وقد لبس عليه الشيطان، وأعمى بصيرته، وأغفل قلبه فلم يهتد إلى الصواب.

أصول محبة الله ثلاثة، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] هؤلاء القوم أهل محبة الله، هم من أحبوا الله وأحبهم الله، صفاتهم أصول محبتهم {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة:54].

فإذا وجدت فيك أصول المحبة فاحمد الله واستزد من ذلك واثبت على ذلك، لمه؟

لأن من أحبه الله رضي عنه، وناله ثواب الله، ومن ناله رضى الله وثوابه أمن من عقابه وسخطه، ولذلك كما قال بعض أهل العلم قال: "ليس الشأن أن تحب الله، لكن الشأن أن يحبك الله" أن تكون من أحباب الله، هذا هو الأمر الأعظم، وهو الأمر الأكبر، أن تكون ممن أحبهم الله.

وسئل بعض العلماء: ما الدليل من القرآن على أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ إذا أحبك صرت من أحبابه لن يعذبك، ما الدليل في القرآن على أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟

قال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة:18] إذا كنتم من أحبابه فلم أوقع عليكم العذاب؛ لأن الله لا يعذب من أحب.

فيا عبد الله! إذا وجدت أصول المحبة فيك وتحققت فقد نجوت من العذاب، وإذا انعدمت، فقد انعدمت وفقدت محبة الله أو نقصت، وإذا انعدمت أو نقصت محبتك لله فلن تنال محبة الله لك.

فيا عباد الله! انظروا في الكتاب المنشور في الكون، وفي الكتاب المسطور في القرآن، في القرآن الكريم، انظروا في آيات الله وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وفي خلقه، وفي تدبيره وفي تقديره، كل ذلك مع النظر في مخلوقاته وما بث في هذا الكون، كل ذلك يقودك إلى محبة الله، وهي الركن الركين في العبودية، فلا عبودية بدون محبة.

ولهذه المحبة أصول ثلاثة: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله، والجهاد في سبيل الله، هذه هي أصول المحبة لله عز وجل، فإذا تحققت فيك فلا تبال بمن تلكم وبمن اعترض، وبمن قال، وبمن تشدق، ما دام أنك أخلصت القصد لله، واتبعت رسول الله، وقمت بأمر الدين، مجاهداً في سبيل الله، شعارك{قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]، فإذا رضي الله عنك نلت ثوابه وحنته، وأمنت من عقابه وسخطه.

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير إذ أمركم الله بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

عباد الله! حكمت المحكمة الأمريكية يوم أمس على الشيخ محمد المؤيد بالسجن لمدة خمس وسبعين سنة، ظلماً وجوراً، بزعم دعمه للمجاهدين في القاعدة وحماس، ولا نستغرب هذا الحكم من أعداء الله على المسلمين، وعلى من نصر الجهاد والمجاهدين، فهذا ديدينهم وهذا شأنهم؛ لأنهم يحبوا دينهم ويحبوا طواغيتهم، فهل نعمل لديننا وننصر عباد الله وأولياء الله؛ لأننا نحب الله كما نصروا دينهم وثقافتهم ومخططاتهم، فندعو للشيخ ندعو للشيخ بالتثبيت في السجود وفي السحر، وفي أوقات الإجابة، ندعو له ولسائر المجاهدين والمسلمين المستضعفين المعتقلين في سجون الأمريكان، وفي سجون سائر الكافرين والمنافقين، ندعو الله أن يفرج عنهم، ندعو الله أن يكشف الكربة عنهم.

اللهم إنا نسألك يا رب العالمين، للهم إنا نسألك يا رب العالمين، يا قوي يا عزيز يا من أنت على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك أن تفرج عن جميع المسجونين من المسلمين والمؤمنين.

اللهم ثبتهم على الإيمان والدين، اللهم حفظ لهم دينهم وأعراضهم يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل عسر يسراً، ومن كل بلاء عافية يا رب العالمين.

اللهم عليك بأمريكا ومن شايعها ومن ناصرها يا رب العالمين.

اللهم أرنا فيها عجائب قدرتك يا قوي يا عزيز، اللهم دمر كيانها، وزلزل عرشها، وشتت جمعها، واجعلها عبرة للمعتبرين، ومكن عبادك المجاهدين منها يا رب العالمين.

اللهم اجعل للمجاهدين يا رب العالمين فرجاً قريباً ونصراً يا رب العالمين، اللهم انصرهم في العراق وفي فلسطين، وفي الشيشان، وفي أفغانستان وفي كشمير، في الفلبين وفي كل أرض يا رب العالمين.

اللهم كن لهم مؤيداً وحافظاً نصيراً يا رب العالمين، اللهم اربط على قلوبهم وثبت أقدامهم وسدد رميهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً، يعز فيه أولياؤك، ويذل فيه أعداؤك، ويحكم فيه شرعك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك حبك وحب العمل الذي يقربنا إليك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك حبك وحب العمل الذي يقربنا إليك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك حبك وحب العمل الذي يقربنا إليك يا رب العالمين.

اللهم لا تدع للحاضرين ولا لأهليهم في هذا المقام ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته ولا غائباً إلا حفظته ورددته، ولا ميتاً إلا رحمته يا رب العالمين، ولا حاجة من حوائج الدنيا لهم فيها نفع ولك فيها رضى إلا يسرتها يا رب العالمين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين المسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، وادعوه يستجب لكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.