arrow down

سلاح الكلمة

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العلمين القائل: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾، والصلاة والسلام على خاتم رسله محمد بن عبدالله القائل: (وهل يُكبُّ الناس على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وغيره.

وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله في كل شؤوننا عموماً وفيما نقول ونكتب ونفتي خصوصاً قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾.

وانظروا عباد الله كيف ربط الله بين الأمر بتقواه والقول السديد بحيث يُفهم أن من أعظم أوجه التقوى أن يقول الإنسان قولاً سديداً أي نافعاً غير ضار لا في ذاته ولا في شيء من ملابساته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه.

ثم إن الله عز وجل أتبع هاتين الآيتين بآيتين أخريين هما الآيتان المنوهتان بعظم الأمانة مما يفهم منه كذلك أن الكلام أمانة بل من أعظم الأمانات التي يجب على المسلم حفظها وعدم إضاعتها أو جعلها تابعة للأهواء والنزوات أو للمطامع والشهوات فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾.

عباد الله:

لأجل مكانة الكلمة وخطورتها وعظيم أثرها نفعاً وضراً كثر الحديث عن الكلام وتفنن المتحدثون في وصفه ووصف الآثار المترتبة عليه قال الإمام الماوردي رحمه الله: (اعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر ويخبر بمكنونات السرائر لا يمكن استرجاع بوادره ولا يُقدر على رد شوارده فحق على العاقل أن يحترز من زلـله بالإمساك عنه أو بالإقلال منه) ثم ذكر للكلام شروطاً أولها (أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع، أو في دفع ضرر. ذلك أن مالا داعي له هذيان ومالا سبب له هُجر ومن سامح نفسه في الكلام بالإذعان ولم يراعِ صحة دواعيه، وإصابة معانيه كان قوله مرذولاً ورأيه معلولاً).

عباد الله:

وخطورة الكلام وبعد أثره شامل جميع المجالات التي يتكلم فيها الناس بدءًا بحديث الرجل مع زوجته وأولاده وجلسائه ومروراً بكلام الإعلاميين في جميع وسائل الإعلام ووصولاً إلى العلماء في فتاواهم وخطبهم ودروسهم ومؤلفاتهم وبالجملة فهو يشمل جميع طبقات الناس ومختلف شرائحهم ولذلك جاءت كثير من النصوص الشرعية المنوهة بمكانة الكلام والمحذرة من خطورته شاملة عامة تخاطب جميع الناس.

ومن تلك النصوص العامة قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه مالك والترمذي والنسائي وغيرهم عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه.

وكلما كان المتكلم ممن يبلغ قوله مدى بعيداً ويؤثر على الناس كانت مسؤوليته أكبر والخطورة عليه ومنه أشد.

وان من أشد الناس تأثيراً على العقول والقلوب وعلى السلوك والأخلاق وعلى تشكيل وعي الناس وتوجهاتهم طائفتان هما العلماء والإعلاميون، فالإعلاميون بجميع شرائحهم وسائر وسائلهم يقفون موقفاً خطيراً ويحملون سلاحاً يبني أو يهدم ويعمّر أو يدمر ويستطيعون بواسطته أن يُشعلوا الفتنة أو أن يحققوا الأمن والطمأنينة والسلام وأن ينشروا الخير أو يشيعوا الفاحشة والسوء وحسبي أن أذكرهم ببعض النصوص وخير الكلام ما قلّ ودلّ:-

• يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا... ﴾ هذه الآية توجب التثبت وتبين أن في الاستعجال في قبول الأخبار وبناء الأحكام عليها خطورة كبيرة ﴿ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾، إذا جرحتم من لا يستحق أو رفعتم من لا يستحق أو غير ذلك من الكلام المخالف للواقع.

• ويقول تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ وتعني هذه الآية أنه حتى لو صح أصل الخبر فإنه يجب النظر فيما يترتب عليه وما يؤدي إليه وما يحدث بسبب نشره أو يتوقع أن يحدث كل ذلك تجب مراعاته قبل نشر الخبر. هذا عندما يكون أصله صدقاً أما إذا كان كذباً فهناك عقاب آخر. ففي حديث الرؤيا الطويل الذي رواه البخاري يقول صلى الله عليه وسلم: (فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به ما فعل بالجانب الأول...الخ ثم قال في تعبير الرؤيا هو الذي يعذب هذا العذاب هو الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق) كان الناس يستشكلون كيف تبلغ الكذبة في يوم واحد وفي وقت قصير تبلغ الآفاق أما اليوم فقد جاءت الفضائيات والمواقع الالكترونية والشبكة العنكبوتية عند ذلك أصبح هذا واقعاً فالرجل يتكلم بالكلمة في أي مكان يمكن أن تصل إلى الآفاق في لحظات ميسورة فكيف إذا كانت هذه الكلمة كذباً يضلل بها على الناس.

• ويأتي في سياق الخطاب الذي يعني الإعلاميين والذي ينطبق على بعض منهم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ إذ تبرع ذلك البعض بالدعوة إلى مساوئ الأخلاق ونشرها وترويجها والدفاع عنها وتزيينها للناس فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. هذا عدا أولئك الإعلاميين الذين يعكسون الحقائق ويُلبسون الحق بالباطل ويدافعون عن الظلمة والطغاة وهؤلاء مع ما ينتظرهم من الإثم في الآخرة سيلقون جزاءهم العاجل في الدنيا قبل الآخرة وقد حصل لإخوانهم الذين سبقوهم بالسقوط والتناقض وسقوط من يدافعون عنهم والسعيد من وُعظ بغيره.

وأحب أن أنوّه أنه حتى إذا كان من تتولاه وتقف إلى جانبه محقاً فلا يجوز أن تنصر ما معه من حق بالكذب أو تقليب الحقائق أو أي محرم من محرمات القول و الفعل.

وأما العلماء الذين رفعهم الله درجات وجعلهم ورثة الأنبياء فإن كلامهم مسؤولية لا تعدلها مسؤولية وفيه نفع لا يبلغ مداه نفع إن استقاموا فيه على الحق كما أن فيه خطورة وإثم وعقاب في الدنيا والآخرة لا يكاد يبلغه غيره.

ولا يسعفني الوقت بذكر فضائل العلماء المستقيمين على الحق فهي كثيرة ولكني أنبه إلى العقوبة التي تلحق من انحرف منهم وقال ما يعلم أنه باطل لغرض من الدنيا حقير أيّاً كان ذلك الغرض وخير ما ينبه به على ذلك ما ضربه الله من مثل للذي آتاه آياته فانسلخ منها حيث قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.

ومن خطورة مواقفهم أنهم شركاء فيما يدعون إليه ويدلون عليه مع من يعمل بذلك من خير أو شر أو إثم أو وزر قال صلى الله عليه وسلم:( من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) رواه مسلم وغيره.

وليعلم العلماء والإعلاميون وسائر من يتحدثون في الأمور العامة هذه الأيام أنهم في زمن فتنة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن وقع اللسان فيها أشد من وقع السنان لئلا يخوض الإنسان فيها بلسانه أو ضاربا فيها بيده أو ماشياً إليها فليحسب حسابه كل من يريد أن ينتصب أمام كاميرات الفضائيات والصحف وأمام عامة الناس وليعلم أن لكلمته خطورة ربما تكون أخطر من الصواريخ والمدافع التي تسلبهم أرواحهم وتمزق أشلائهم فلنتق الله في كلامنا وفي فتوانا وفي سائر أمورنا...

الخطبة الثانية

عباد الله:

العلماء واجبهم الأول بيان الحق واضحاً جلياً دون لبس ودون مراعاة لأحد أو أن تأخذهم في الله لومة لائم ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ فإن فعلوا فلهم أعظم الأجر وأرفع الدرجات وربما بلغ أحدهم بذلك منزلة سيد الشهداء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى سلطان ظالم فأمره ونهاه فقتله" فهذا العالم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقول كلمة الحق لا يهاب فيها ولا يخاف لومة لائم ولا يخاف القتل بسببها مع حمزة بن عبد المطلب في منزلة سيد الشهداء وإن حادوا عن ذلك الطريق وكتموا ما يعلمون من الحق حاقت بهم اللعنة والعذاب قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾.

وهذا صنف من المخذولين لهم أسوأ الآثار على مجتمعاتهم، وليس كل من أخطأ من العلماء وتسبب في الانحراف لدى الأمة من هذا الصنف، فهناك من يفعلون ما يفعلون عن سوء تقدير أو خطأ في اجتهاد أو غفلة وقلة وعي ولكن هناك صنف آخر أقل جرماً ولكنهم أشد أثراً على الأمة أولئك هم الذين لا يٌتهمون في دينهم ولا بأنهم يريدون الباطل ولكن مشكلتهم ضعف التدبير وسلامة الصدور وعدم إدراك ما عليه الناس والسياسيون بوجه أخص........ إن كثيراً من السياسيين اليوم شعارهم (إن آتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) يبحثون عما يؤيدون به ما يريدون عما يحقق لهم ما تمليه أهواؤهم فإن وجدوه من قبل العلماء أخذوه ونشروه ومجدوا العلماء بسببه وإن كانت الأخرى طوي ذلك الحديث ولم ينشر وقلب للعلماء ظهر المجنّ. وأيضاً هؤلاء السياسيون منهم من هو كمن وصفهم الله عز وجل بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾؛ فعاتبهم الله، فقال: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ ﴾.

عباد الله:

إن من أخطر آفات الكلام أن تضعه عند من يحمله على غير ما تريده أنت.

العالم قد يقول كلاماً صحيحاً ولكن هذا الكلام ليس فيه احتراز فيجده الذي يتتبع العثرات ويبحث إلى ما يقوي رأيه وهواه فينشره على وجه يؤيد ذلك ويجعله على عكس ما يريده العالم وقد تنبه لذلك عبدالرحمن بن عوف إلى ذلك حين أراد عمر أن يخطب في أمر من أمور السياسة وأمور الإمارة والإمامة والخلافة في منى– وهو أكبر جمع تشهده جزيرة العرب- ظانّاً أن الناس سيحملون كلامه على ما يريد فسمع بذلك عبدالرحمن بن عوف فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين سمعت أنك ستقول كذا وكذا، قال نعم قال يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الذين يشهدون مجلسك ويكونون أقرب إليك هم جفاة الناس وجهالهم فيسمعون كلامك فيحملونه على غير محمله فيذهبون به ويتفرقون في الآفاق ثم يترتب على ذلك – بمعنى كلامه- مفاسد وفتن عظيمة ولكن دعهم وإذا رجعت إلى المدينة وصرت بين المهاجرين والأنصار فقل ما شئت فإنهم أهل الفقه والفهم أو كما قال رضي الله عنه والقصة في صحيح البخاري. فانظروا إلى هذا الفقه العظيم من عبدالرحمن بن عوف ومن تأييد واستجابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لذلك باعتبار أن هذا هو الحق فلا يقال كل كلام في كل مكان ولا يطرح كل كلام على أي أحد بل لابد أن يتوخى ويبحث عن الموضع الصحيح الذي يقال فيه ذلك الكلام.

الحجاج وما أدراك ما الحجاج الذي يعشق القتل ويضرب ويبطش سأل أنس بن مالك رضي الله عنه وقد كبر وبلغ من السن مبلغاً كبيراً سأله ما هي أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقصّ له قصة العرنيين وفي القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمل أعينهم- أي كواها- وقطع أيديهم وأرجلهم بما فعلوا هم بالرعاة ولأنهم محاربون لله ولرسوله فأخذها الحجاج وصار بعد ذلك يفعل ما يفعل بمخالفيه فيقتل ويقطع الأيدي والأرجل ويقول هذا قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس أخذوا لقاحاً من الإبل كيف بمن يتنقّصنا ويبغي علينا ويفعل ويفعل، ومن هنا فقد لام عمر بن عبدالعزيز أنساً على تحديثه بهذا الحديث للحجاج، وكذلك الحسن البصري لامه وبين له أن هذا الظالم سيتخذه ذريعة إلى تعميق ظلمه وتكثير فتكه بالمسلمين، بل هو رضي الله عنه قد ندم على هذا التحديث، إذاً حتى ولو كان الكلام حقاً فإنه أحياناً يوضع في غير موضعه ويٌستغل استغلالاً سيئاً، يتمنى من تكلم به أنه لم يتكلم به ولكن ماذا ينفعه الندم بعد أن يصبح سلاحاً في يد ظالم يظلم به الناس ويفتك بهم، إنه فقط يكون كذلك الطيار الذي قذف القنبلة الذرية على اليابان فلما رأى آثارها لم يتحمل فأصابته الحالة النفسية وأصبح بعد ذلك مجنوناً أو شبه مجنون وهل ينفعه ذلك بعد أن فعل ما فعل؟ لا ينفعه.

إذا أيها الإخوة البيان الذي صدر بالأمس نحن لا نشكك في نوايا ومقاصد وضمائر أولئك العلماء فكثير منهم فيهم شيء من الخير وكثير منهم لا يدرون ما هي عواقب كلامهم لكن الواقع والمحصلة أن ذلك البيان يفتح باب الفتنة ويزيد من الشر ويعطي البرهان الشرعي لمن يستخدمه في غير محله، بل من يستخدمه بعكس ما يريد العلماء.

إن الواجب كان على الجميع أن يُحذر من التمادي في الدماء والاستخفاف بالقتل وأن يدعو الجميع إلى نبذ العنف وأن ينبذ الجميع كل سبب يؤدي إلى ذلك هذا هو العقل.

وندعو إلى أخذ المبادرة التي تخرج الناس من دوامة هذا العنف وتخرج البلاد مما وقع بها من أضرار، أما أن نؤلب هذا الطرف أو نقوي حجته على الآخر أو نقوي الطرف الآخر كذلك على خصمه فهذا ليس هو موقف العلماء.

ولا شك أنه لم يعد هناك مجال لأن يعود الرئيس حاكماً وهو قد سلم بهذا لكن يجب أن يبادر هو ويبادر الفرقاء إلى إخراجه وتنحيته بشكل يؤدي الغرض ويشجع الجميع على ذلك.

أسأل الله عز وجل أن يوفق ويسدد ويهدي وأن يخرج بلادنا من محنتها،وأسأل الله ألا يبدلنا عن ظالم بظالم أظلم منه.