arrow down

خطبة بعنوان

( أولادنا وحفظ القرآن الكريم )

الخطبة الأولى :

أما بعد ؛

نداءان وجههما الله لعباده المؤمنين :

النداء الأول :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .

قال البخاري  رحمه الله :" وَقَالَ مُجَاهِدٌ ( قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ) : أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَدِّبُوهُمْ" .

النداء الثاني : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  )  [الأنفال: ٢٧] .

وخيانتها بعدم أدائها والقيام بها على وجهها،  "والخيانة تعمُّ الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية" .

ومن خيانتها إهمال تربية الصغير .. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم  :«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»  .

قال النووي رحمه الله :" قال العلماء : الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه ، وما هو تحت نظره ، ففيه أنَّ كلَّ من كان تحت نظره شيءٌ فهو مطالب بالعدل فيه ، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته " .

وقال عليه الصلاة والسلام  :«مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» .

أنا لست أريد أن أتحدث عن تربية الأولاد ، فذلك كائن في خطبة قادمة بإذن الله .. ولكني أريد أن أبعث برسالة إلى الآباء الأكارم والأمهات الفضليات أقول فيها : إن من إحسان التربية ومن القيام بهذه الأمانة أن نسعى لتحفيظ أولادنا كتاب الله .

وهذا ذكرٌ لبعض ما يدل على فضل حفظ القرآن الكريم  :

من ذلك :

1.أنّ حفظ القرآن سنة مشى عليها من أمرنا الله بالتأسي به ، سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

2.حامل القرآن أحق الناس بإمامة الصلاة : ففي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم :«يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» وهذه من السنن التي يُخشى من اندثارها ، فإنك تجد في كثير من المساجد الأمر على خلاف ذلك ، يؤم المصلين فيها من لا يحفظون من قصار المفصل إلا أقصره ، وتجد خلفه من يحفظ القرآن بثلاث روايات فأكثر ، فأين نحن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

3.ومن جمع القرآن حفظاً كان مكثراً من تلاوته ، وتلاوة الحرف بعشر حسنات كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم .

4.والحافظ قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيره  .. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ ، وَقَالَ :«أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ .

5.والقرآن يشفع لأهله : من حفظه ومن قرأه .. قال صلى الله عليه وسلم :« اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ »  .

6.وحفظ القرآن يعصم العبد من النار ، فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قال : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : «لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ»  .

7.إكرام حافظ القرآن الكريم إجلال لله ، تخيل : شخص إذا أكرمته كنت معظماً لله ، فما ظنك بهذا الشخص؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» ، والغلو : التشدد وتتبع ما تشابه منه ، والجفاء عكسه ، فهو ترك العمل به .

8.وأكبر ثمرة دخول الجنة ، وصعود درجاتها العالية . قال صلى الله عليه وسلم :« َإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ ، الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا ، فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذِهِ ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ ، وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا ، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا» . وفي حديث آخر نعت لتاج الوقار :«الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها» .

9.ولأجل كل هذا كان حافظ القرآن الذي يقوم به ممن يُحسد على هذه النعمة ، والحسد هنا بمعنى أن تتمنى ما عند أخيك من الخير ولا تتمنى زواله، وهو الغبطة ، قال صلى الله عليه وسلم :« لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ» .

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ...

الخطبة الثانية  :

أما بعد ؛

فهذه توجيهات نافعات بإذن الله تعين على تحفيظ الطفل كتاب الله :

1/  إشراكه في المركز (الخلاوي)  الصيفية .

ولكن لابد من مراعاة أمرين :

أولهما : التأكُّد من استقامة من يقوم عليها .

قال سفيان الثوري رحمه الله : " إن مع المرأة شيطاناً ، ومع الحدث شيطانين" .

وهذا أمر لا ينبغي التهاون فيه ، قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (9/184)–بعد ذكره لمفاسد اللواط-  :" قال الوليد بن عبد الملك: " لولا أنَّ الله ذكر قومَ لوط في القرآن ما ظننت أن ذكراً يفعل هذا بذكرٍ" ثم قال  -معلقاً على هذا الأثر- :" قلت: فنفى عن نفسه هذه الخصلةَ القبيحة الشنيعة، والفاحشةَ المذمومة، التي عذب الله أهلها بأنواعِ العقوبات، وأحلَّ بهم أنواعاً من المَثُلات، التي لم يعاقب بها أحداً من الأمم السالفات، وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها كثير من الناس إلا من عصم الله منهم، فإنَّ في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد؛ ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه، ولأن يُقتل المفعول به خير من أن يُؤتى في دبره، فإنه يَفسد فساداً لا يُرجى له بعدَه صلاحٌ أبداً، إلا أن يشاء الله . فعلى الرجل –اسمع أيها الأب الكريم- يقول ابن كثير : فعلى الرجل حفظ ولده في حال صِغَره، وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطةَ هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول الله   فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "  .

وهذه ليست دعوةً لإشاعة التهم والشكوك ، ولكنها دعوة للتيقظ ونبذِ الغفلة والثقة المفرَطة .

ثانيهما : ينبغي متابعة الولد ، في كل يوم سله عن المقدار الجديد الذي حفظه ، فإذا مكث في سورة قصيرة يومين وثلاثة أيام فهذا دليل على أنّ القائمين على أمر هذه (الخلوى) ليسوا على قدر من الجدية، فينبغي البحث عن غيرها .

ولو أنّ الوالد تفرغ لتحفيظ ولده فهذا هو الأولى ، إن تيسر له ذلك .

2/ ابدأ مع ولدك بالأسهل ، الفاتحة ، جزء عمَّ ، وهكذا . وهكذا في أحكام التجويد ابدأ معه بأحكام النون والميم ، ولا تنتقل من حكم إلى حكمٍ آخرَ في التجويد إلا بعد إتقان الحكم الأول ، ويعرف الإتقان بالأسئلة المباغتة أثناء التسميع .

3/ لابد من احتساب الأجر لئلا يدبَّ الكسل إليك .

وإنّ مما يحمل على ذلك أن تعلم أنّ كل حرف يقرؤه ولدك لك به مثلُ أجره ، لأنك من سعى في تحفيظه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» .

4/ المقدار اليومي المناسب لكل طفل يختلف باختلاف الأطفال وقدراتهم ، قد يكون نصف صفحة ، وقد يكون صفحة ، وقد يزيد على ذلك .

فاختبر قدرة ولدك ثم ابدأ معه على ضوء النتيجة التي توصلت إليها .

5/ أفضل الأوقات لتحفيظ الطفل وغيره في الصباح الباكر .

6/ لابد من ربط كل وجه بما قبله لئلا ينقطعَ بالولد الطريق عند نهاية كل صفحة .

7/ زد للطفل في مقدار الغنة والمدود . اجعل له الغنة أكثر من حركتين ، مثال ذلك : ) من الجنة والناس( مقدار الغنة هنا في النون حركتان ، ولكن إذا أقرأته فاقرأ على هذا النحو ( من الجنة والناس) زد على الحركتين . وكذلك في مقدار المدود ، نحو المد في قوله تعالى ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ ) هذه أربع حركات ، زد في مقدار المد إلى ست حركات (  فطاف عليها طائف )، وهذه أشار إليها ابن الجزري رحمه الله ، وفائدة ذلك أنّ الطفل إذا زيد له في المد فإنه سيقرأ بالمد المقرر عند التسميع ، أما لو قرئ له بالمد المقرر فسوف لن يكون مدٌّ في قراءته .

8/ لابد من الاهتمام بمراجعة المحفوظ أولاً بأول ، وإذا كثر المحفوظ وخيف من التشويش عليه فلا بأس من إيقاف الحفظ للتركيز على مراجعة القديم .

9/ التشجيع بالمكافآت ، كلما أكمل الولد حفظ جزء أو أقل كافئه على ذلك بما هو محبَّب إليه .

ويحضرني هنا أنّ الشيخ الحصري رحمه الله كان يستعمل هذا الأسلوب مع بناته ، فوجده نافعاً مثمراً .

10/ إسماع الطفل ما حفظه من القراء المشهورين ليجمع بين صحة النطق وحسن التلاوة .

11/ لابد أن يكون له يوم في الأسبوع للراحة فقط لا حفظ فيه ولا مراجعة.

12/ الثناء سبيل من سبل التشجيع .

13/ لابد من أن يكتب الصبي ما حفظه، فهذا مما يرسخ الحفظ  .

14/ إشباع رغبة الطفل في الجوانب الأخرى كالترفيه واللعب والخروج به إلى النزهة وإشراكِه في نادٍ للسباحة أو الألعاب القتالية كالجودو والكونفو والكراتيه والتايكندو ، على أن نحرص على تخليصها من تحية الركوع لغير الله . وهذا مما يطرد عنه السآمة والملل ويعينه بذلك على الحفظ .

15/ غلب جانب الترغيب دائماً على جانب الترهيب .

أسأل الله أن يبارك في ذرياتنا ، وأن يحفظ أعراضنا …

خطبة لفضيلة

د. مهران ماهر عثمان

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 5 / شعبان / 1437هـ

12 / مايو / 2016م