arrow down

الطغيان السياسي والمخرج من الفتنة

خطبة لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

1- العاقبة لهذا الدين 2- أهمية التفاؤل 3- ابتلاء الأمة بحكامها

4- بعض الضوابط 5- سبب ضعف الشعوب 6- المخرج من هذه الفتن.

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدع ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله!

فإن شأن هذه الأمة يؤول إلى خير بإذن الله عز وجل، وبهذا نطق به كتاب الله عز وجل ونطقت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9].

فهذا الدين في هذه الأمة سيظهر على جميع الأديان مهما حاول الأعداء أن يقفوا في طريق هذا الدين وفي طريق الدعوة وفي طريقة تغيير أوضاع المسلمين إلى أحسن حال؛ فإنهم لا يستطيعون.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن خاتمة هذه الأمة يؤول إلى خير، ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم حين ذكر النبوة، وأنها تمضي ويرفعها الله عز وجل، ثم ذكر الخلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها ثم يأتي الملك العاض ثم يرفع وقد رفع، ثم يأتي الملك الجبري وهو هذا الزمان الذي نعيشه وسيرتفع ثم قال: «بعد ذلك ثم تأتي خلافة على منهاج النبوة»، ولم يذكر بعدها حكماً آخر.

فمآل هذه الأمة إلى خير، ويجب على كل إنسان أن يكون متفائلاً وأن لا يتشاءم بأي حال من الأحوال؛ فالتفاؤل منهاج نبوي وسلوك نبوي، والتفاؤل كذلك مما يشرح الصدر ويفرح القلب ويعطي للإنسان سكينة ودفعة للعمل بالأسباب لأنها تؤدي إلى النجاح وتؤدي إلى الخير بإذن الله عز وجل.

حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل بالأسماء، يوم غزى صلى الله عليه وسلم فوجد رجلاً في الطريق وهو سائر فقال له: «ما اسمك؟ قال: اسمي سهل، فقال: سهل أمركم».

وفعلاً هذا التفاؤل دائماً يؤول إلى الخير.

فإياك والتشاؤم فالتشاؤم يعود عليك بالضيق ويعود عليك بالضجر.

فالتفاؤل إذاً منهاج نبوي، والتفاؤل مآله إلى خير، وإحسان الظن بالله عز وجل لا بد منه، وأقدار الله كلها خير.

يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»(1).

ها نحن نرى أن رياح التغير هبت وخاصة على عالمنا العربي.. هبت رياح التغير على هذه المنطقة لم يا ترى هذه الهبة؟

هذه الرياح التي تجري في عالمنا العربي ألها خصوصيتها؟

نعم لها خصوصيتها، ومنها: ما ذكرنا أن الله تعالى يغير هذه الأحوال.

رجوع هذه الأمة وصحوة هذه الأمة ورجوعها إلى دين الله عز وجل وتمسكها بدينها، بروز هذه الصحوة ومعالم هذه الصحوة وهذه الأمة، وبزوغ شمس هذه الصحوة منذ وقت ليس بالقريب أمر يمشي وفق قضاء الله وقدره، حاول الأعداء أن يكمموا الأفواه، حاولوا أن يقتلوا الأخلاق وأن يقتلوا الفضيلة أو يبثوا الرذيلة وأن يسهلوا السبل من أجل أن يحولوا هذه الأمة عن دينها؛ فلم تزدد هذه الأمة إلا ثباتاً على الدين، حاولوا إخراج الشباب من ذكور وإناث من المساجد، حاولوا أن يحولوهم عن العلم والتعليم فازدادت هذه الأمة صلابة وتمسكاً بعقيدتها وثوابتها، وهذا ما أقض مضاجع الأعداء ومما وضع حاجزاً وسداً منيعاً أمامهم وأنهم يحاولون إلى آخر رمق من حياتهم أن يحولوا هذه الأمة وأن يغيروا مسارها، ولكنهم لا يستطيعون بإذن الله عز وجل.

ها أنت ترى أن أمراً ما يحدث في أمريكا مما يسيء إلى الإسلام والمسلمين فتهب الأمة كلها برمتها، وها أنت تسمع من يسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنمارك أو في هولندا أو في غيرها فتجد هذه الأمة تهب من أجل نصرة نبيها صلى الله عليه وسلم.

مما ضرب مثلاً قوياً للعالم كله أنه لا يمكن اجتثاث هذا الدين بل ستزداد هذه الأمة تمسكاً ورجوعاً إلى الله تعالى مهما ضيق على هذه الأمة فإنها تزداد صلابة. وهذا من علامات سريان وقوة هذا الدين.

إن هذا الدين يحمل عوامل قوته في مواجهته لأعدائه، فكلما ازداد الأعداء عداوة لهذا الدين كلما ازداد انتشاراً، وكلما ازداد أبناء هذا الأمة تمسكاً بهذا الدين. لقد تكالب الأعداء بالأمس على أمة الإسلام وجاءوا بحدهم وحديدهم جاءوا كلهم إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب ليقضوا على هذه الثلة المؤمنة وليطفئوا نور الله عز وجل فباءوا بالفشل حتى إن هذا الهجوم الغاشم على الدين كان مفتاحاً للنصر بإذن الله عز وجل حين أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا؛ نخن نسير إليهم»(2).

من الآن فصاعداً نحن الذين نغزوهم في عقر دورهم، وبالفعل ما كادت تتحرك أي كتيبة من الكتائب المعادية لهذا الدين حتى يضربها المسلمون في عقر دارها ولم يتركوها تدخل إلى قرب حدود مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أن تدخل إلى المدينة، وكل غزوات بعد غزوة الأحزاب كلها كانت ابتداء من المسلمين، وكلها كانت خارجة حدود الدولة الإسلامية بل كانت الدولة تتوسع يوما بعد يوم بإذن الله عز وجل.

ما تعانيه أمتنا أيها الإخوة على مرأى ومسمع من الناس ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا إنها ابتليت بأناس من الحكام ومن حولهم أصحاب وجهين اثنين:

الوجه الأول: أنهم استنسخوا شيئاً من الاستبداد والطغيان الفرعوني لدرجة أنهم لا يستحيون أن ينطقوا بنفس كلامه وبالمنطق نفسه الذي نطق به فرعون سواء كان بلسان الحال أو بلسان المقال {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29].

وهكذا جمعوا ثلة من الناس حولهم، هذه الثلة تنظر إلى مزاج هذا الحاكم فتضفي عليه ما يتوافق مع مزاجه، وإذا انتفض الشعب أوهبت الشعوب تنادي بالحرية وتنادي بشيء من العدالة وغير ذلك نطقوا بنفس المنطق الفرعوني وقالوا: كما قال الله عنهم: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء:54-55].

هذا هو منطق الإعلام الفرعوني، وهو نفسه منطق الإعلام اليوم سمعنا هذا في تونس، سمعنا هذا في مصر، سمعنا هذا ليبيا، ونسمعه اليوم في سوريا، وهكذا نسمع هذا الكلام في البلدان التي انتفضت فيها الشعوب يتردد من الإعلام الذي يحاول أن يؤله هؤلاء الناس، ويصفقون له في كل ما يفعله، ما استطاع أحد منهم في يوم من الأيام أن يقول له لقد أخطأت في هذا وأنا أريد من أي إنسان أن يأتيني بأي تصريح من وزير وما شاكل ذلك قبل هذه الأحداث يقول لحاكمه لقد أخطأت في هذا القرار، ما سمعنا إلا التصفيق وما سمعنا إلا عبارات التبجيل.

الوجه الثاني: أن هؤلاء الناس رهنوا البلاد لأعداء الله عز وجل، وأرادوا أن يحكموا شعوبهم وأبناء جلدتهم بالمنطق الغربي وبالرأي الغربي وبما يراه الغرب ويتخفى الغرب وراء هذه الأنظمة التي استجلبت واستوردت لبلاد المسلمين بمسمى الديمقراطية، والغرب نفسه يعلم أن لا ديمقراطية في دول العالم الثالث، ومنها العالم العربي، ولكنه يتخفى وراء هذا الستار ويلمع هذه الأنظمة من أجل أن ينفذ أجندته من وراء ومن خلف هذه الحجب، وجعل أيدٍ تنفذ هذه المخططات وتحفظ له تلك المصالح التي يبتغيها من وراء هذه الدول، فإذا نفذت مصالحه مسح يده وتخلى عن هذه الأنظمة تماما كما فعل على سبيل المثال بزين العابدين بن على يوم أن بقي في السماء يحلق ساعات ما تقبلته أي دولة من الدول التي كانت تلمعه أو التي كانت تصفق له.

هذا الطغيان نتج عن أمرين:

الأمر الأول: السلطة التي تتمثل بالملأ وبالنخبة التي حول هؤلاء الحكام وكذلك بالجنود الذين نشئوهم من أجل حماية العروش ومن أجل حماية الكراسي لا من أجل حماية الأوطان في الوقت الذي تدك فيه حماة في سوريا عن بكرة أبيها وتدمر بيوتها ومآذنها في تلك المأساة وتقصف من الجو في نفس الوقت تحتل الجولان، وبدلا من أن تتوجه هذه الجيوش الجرارة لمحاربة العدو اليهودي حاربت أبناء البلد، واليوم كذلك نفسه الحدود مع اليهود محاطة بالجنود ولا يستطيع أحد أن يتسلل إليها، ولا تزال الجولان محتلة وها هي تلك السلطات تدك أبناء جلدتها وأبناء بلدها بالدبابات وبالمدافع بحجج واهية، أول من يكذبها هم أنفسهم، وإنما خرج الشعب يريد شيئاً من هواء الحرية العليل يستنشقه، ويريد كذلك العدالة والمساواة.

إن العقود التي تجري بين الشعوب وحكامها أيها الإخوة الكرام ليست ملكاً وليست تملكاً وإنما هو عقد عمل بين الشعب من جهة وبين الحاكم من جهة أخرى، ولا بد للعقود من أن تتوفر فيها الشروط، ومن هذه الشروط:

الأهلية: فأهلية الحاكم إذا لم تكن موجودة فلا عقد، وأهلية الشعوب إن لم تكن موجودة فلا عقد أساساً.

ولا بد أن تتوفر أركان العقد التي هي العاقدان (الحاكم والمحكوم).

وكذلك الأمر المعقود عليه، وهو أن يكون وكيلاً عنه في تسيير الأمور وفي إقامة الدين وفي سياسة الدنيا به.

فإذا أختل شرط من هذه الشروط كيف يكون عقداً.

إذا كان هنالك على سبيل المثال تزوير في الانتخابات سواء كان في الانتخابات البرلمانية أو المجالس المحلية أو في الانتخابات الرئاسية وما شاكل ذلك، فأين صحة هذه العقود؟ أين الحرية المزعومة أن الشعوب تأخذ حقها، وأنها تختار كما تشاء؟

إن من الضوابط والأصول التي يجب أن تتوافر في مثل هذه النوازل والفتن أن يكون الإنسان ملماً بالقواعد الكلية والقواعد الشرعية التي ترجع إليها الفروع حتى لا يقع في الكذب، وحتى لا يقع في الظلم.

إن من حق الشعوب أن تختار حكامها كما تشاء ليس هنالك تأبيد في الحكم، وإنما هو عقد بين الأمة وبين حاكمها.

لها أن تقول له: بيننا وبينك أربع سنوات ثم تتنازل أو ثمان سنوات ثم تتنازل فقط، وتدوير الوظائف العامة والهامة أمر كان معروفا في الإسلام، لعلكم تذكرون كيف قام سلمان الفارسي رحمة الله ورضوانه عليه يوم قسم عمر رضي الله عنه ما جاءه من غنائم فقسم على الناس الثياب من ثوب ثوب، يعني إما يصلح رداء وإما يصلح إزاراً، فطلع عمر يوم الجمعة يخطب في الناس فإذا عليه إزار ورداء، فقال عمر:" أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، قال: سلمان لا سمع لك ولا طاعة، وقال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لقد وزعت على الناس ثوباً ثوباً وعليك حلة فمن أين لك هذا؟"

هل يستطيع أحد اليوم من الوزراء، فضلاً من المدراء أصحاب الوظائف الدنيا، فضلاً عن الشعوب أن تقول لوزير أو تقول لحكامها من أين لكم هذا الثراء؟

لقد عرف العالم بأسره مسلمه وكافره تلك الأموال التي رصدت والتي وردت إلى حسابات كثير من هؤلاء الحكام الذين فضحوا في هذا الآونة المتأخرة مئات المليارات من الدولارات ومرتباتهم ربما لا تتجاوز أحيانا الألف أو الألف والخمسمائة دولار.

من أين هذه الأموال؟

وما خفي كان أعظم. هل كان يستطيع شخص يقول: من أين لكم هذا؟ قبل هذه الثورات.

لا أحد يستطيع أن يقول من أين لك هذا؟

فقال عمر رضي الله عنه:" أين عبد الله فلم ينطق أحد، قال: يا عبد الله بن عمر قم؟ فقام، فقال: أخبرهم من أين لي هذا الثوب الثاني، قال: إنه ثوبي يا أمير المؤمنين لما رأيتك طويلاً ورأيت أن الثوب الواحد لا يكفيك أعطيتك ثوبي، قال: مه يا سلمان، قال: أما الآن فلك السمع والطاعة".

هذه مبادئ سار عليها الإسلام، وسار عليها المسلمون، وسار عليها الحكام العادلون.

وهذه عقود بين الحاكم وشعبه له الحق أن يقول له في كل عام ائتنا بذمتك المالية؟

فإذا وجد خللاً قال: من أين لك هذه الزيادة؟

إن مرتبك كذا وكذا كم تصرف لنعطيك أعلى حد لهذه الصرفيات؛ فمن أين لك هذا الزيادة؟

لكن هكذا استخفت الشعوب ولمعت هذه الرموز، لدرجة أن الناس ألَّهو هؤلاء الناس، حتى لما استجلبوا لهم القوانين الوضعية التي تصادم شريعة الله عز وجل ما وجدوا غير السمع والطاعة.

أيها الإخوة!

في حال الاستخفاف لم تستطع الشعوب أن تتكلم أبدا بل إنهم -عياذا بالله تعالى- اتخذوهم أربابا من دون الله عز وجل، وتركوهم يشرعون كيفما يشاءون فأفسدوا البلاد والعباد، أفسدوا الأخلاق أفسدوا الشباب أفسدوا التعليم أفسدوا في كل مجال والشعوب لا تستطيع أن تتكلم أبدا ذلك لأمرين:

الأمر الأول: أنها استخفت واستعبدت وصارت كالعبيد لا تستطيع أن تتلكم ولا تستطيع أن تنطق ببنت شفة.

الأمر الثاني: أنها ألَّهت حكامها بطاعتهم فيما يشرعون.

ولهذا نطق المصريون بكل جراءة وقالوا: "سقط عهد الفراعنة" وصدقوا إن عهد آخر فرعون بإذن الله تعالى سقط يوم أن سقط حسني مبارك.

ذلك الطاغية الذي عاث في الأرض فساداً والذي طال فساده إلى جميع الدول العربية، ومنها أن أكبر فتنة زرعها بين الفلسطينيين حلت بأيام قليلة في حكومة انتقالية، وحصل التآلف بين فصائل الشعب الفلسطينية بوقت قصير، ما يدل على أنه كان وراء الأكمة كان ما وراءها.

وما الجدار الفولاذي بين مصر وغزة إلا نوع من هذا الحصار ونوع من هذا الظلم والطغيان والفرعنة.

يوم تلا صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] قام عدي بن حاتم فقال:« يا رسول الله -وقد كان نصرانياً ثم أسلم- قال: والله ما عبدناهم وما سجدنا لهم وما ركعنا لهم، فكيف تقول هذا القول؟ قال صلى الله عليه وسلم: يا عدي! أما كانوا يحلون الحرام فتستحلونه ويحرمون الحلال فتحرمونه قال: أما هذا فنعم، قال صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم».

إن الرضا بتبديل الشريعة نوع من أنوع اتخاذ هذا الحاكم أو أولئك الأعضاء في البرلمانات أو مجالس الشعب أرباباً من دون الله عز وجل، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21].

والأصل في هذه الأمة أن تحكم فيها شريعة الله عز وجل، ولذلك دخلت في الأنفاق المظلمة كما قال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»(3).

هكذا أدخلونا في هذا النفق المظلم، ووصلنا إلى مكان مسدود من الذي يخرجنا من هذا المكان المسدود؟ لذلك ما وجدوا الحلول إطلاقاً تأتي من هنا وتأتي من هناك فتسد الأبواب لأنهم سدوا باب الله عز وجل الذي جعله مخرجاً من الفتن.

تخلوا عن الله عز وجل فتخلى الله عنهم.. رموا شريعة الله عز وجل فلم يبال الله عز وجل بهم في أي وادٍ هلكوا.

هكذا أيها الإخوة!

هذه الأمة لا يصلح أن يدس في جسمها الأجسام الغريبة والفيروسات القاتلة الممرضة، ومنها هذه القوانين التي يتغنى بها كثير من الناس، إن هذه الديمقراطيات الغربية لا تصلح لأبناء هذه الأمة.

لكن في العالم الغربي نرى فيه شيء من الاستقرار، والسبب أنهم ليسوا أصحاب أديان، ولأنهم ارتضوا بهذه القوانين، ولأنهم احترموا هذا القوانين مع عوجها ومع مصادمتها للفطرة، لكنها حققت لهم شيئاً من الاستقرار، شيئاً من الأمن، أعطتهم مساحة كبيرة من الحريات الشرعية وغير الشرعية، ونحن نريد أن نقلدهم للأسف الشديد، مثل ذلك الحيوان الذي أراد أن يقلد حيواناً آخر في مشيته فلم يستطع أن يقلده ونسي مشيته فصار حائراً لا يعرف كيف يخرج من هذه المشكلة.

إن المخرج هو العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من كان يطالب بالحرية ففي كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن يطالب بالعدل ففي شريعة الله العدل، من كان يطالب برفع الظلم فشرع الله ينهى عن الظلم من كان يطالب برقابة الحاكم من قبل المحكوم فهذا شرع الله عز وجل، كل ما ينادي به الناس اليوم في الشارع وفي كل مكان حله موجود في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الغرب اليوم أيها الإخوة يتدارس فيما بينه مدى إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال الاقتصاد.. ألمانيا فرنسا أمريكا اليابان تتدارس في إمكانية تطبيق النظام الإسلامي في هذا المجال؛ لأنهم روا أن النظام الإسلامي يكفل الحرية في المجال المالي، يكفل أن المال يبقى متداولاً بين جميع الفئات وتبقى العدالة لا أن المال يذهب إلى الفئة الحاكمة فحسب أو يذهب لكي يكون دولة بين الأغنياء من الناس، أما في هذا آية لنا لنرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله علية وسلم؟!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفي، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فهنالك من القضايا التي عمل بها المسلمون الأولون ولا تتصادم مع شريعة الله عز وجل، وإن كان ثمة أصوات أحياناً قد تظهر فتكون نشازاً، ربما منها على سبيل المثال قضية: مدي شرعية أن يجعل الشعب لحاكمه مدة معلومة في حكمه ولا يجوز له الترشح مرة أخرى بعدها. بعض الناس يري أن هذا تقليد للغرب، ولكن هذه قضية إجرائية إدارية محضة لا تتصادم مع الشرع أبداً وهو عقد بين الحاكم والمحكوم، بل تضبط الأمور والقضايا الإدارية والإجرائية يجوز لنا أن نعمل بها وأن نأخذ بها من أي طرف كان سواء جاءت من الروس أو من الهند أو من الفرنسيين أو من الأمريكان يجوز لنا أن نأخذ بذلك فهي قضية إجرائية محضة، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بخطة سلمان الفارسي في حفر الخندق فقال سلمان رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم:"إنا كنا في فارس إذا داهمنا العدو فعلنا الخنادق"، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وحفر الخندق.

هذه خطط إجرائية ولا مانع أن يكون ذلك، وهذا أدعى إلى كف استبداد وطغيان وعبث الحاكم المسئول، ليس هنالك شيء اسمه أن يبقى الحاكم ويأتي من بعده أبناؤه وأبناء أبنائه، فتحديد المدة الزمنية قضية إجرائية.

أمر آخر هو: قضية الانتخاب الحر النزيه. هذا ما تعاني منه الشعوب في مصر تبين للعام كله أن ما جرى من الانتخابات الرئاسية والمجالس النيابية والمحلية أنها كانت تجري بالتزوير، بدليل أن الناس يوم خرجوا من أجل أن يغيروا أو يستفتوا في تغير الدستور أظهر الشارع خلاف ذلك.

يوم أن جعل عمر رضي الله عنه الخلافة بعده في ستة ثم آلت إلى اثنين عثمان وعلي، وذلك بعد أن تنازل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فخرج عبد الرحمن بن عوف من أجل أن يستشير الناس من أحب الناس إليكم عثمان أم علي حتى استفتيت النساء في البيوت، بل حتى الصبيان، وبقي ثلاثة أيام كان من يدخل المدينة يسأل من أحب إليك في الحكم فلان أم فلان؟

هذا ماذا نسميه؟

هذا يسمى انتخاب.

نعم تطور هذا الأمر وصار هنالك أجهزة كمبيوتر تسجل أرقام صناديق اقتراع لجان تفرز الأصوات إعلان عن النتائج لكن هنا كانت شفافية من الدرجة العليا.

أما اليوم فما هنالك شفافية بل هناك تزوير مئات الصناديق تدخل بآلاف الأصوات المزورة وأصوات في القوائم الانتخابية هي محفوظة في الكمبيوترات مزورة ويمنع التسجيل مرة أخرى لعدة سنوات مع أن مئات الآلاف من أبناء الشعوب تشب وتصل إلى السن القانوني ويحق لها أن تسجل، لكن من أجل أن تضمن هذه الأنظمة الغالبية العظمى بذلك التزوير الموجود فالانتخابات بطريقة حرة ونزيهة هذا حق من حقوق الشعوب أن تكون هذه الحقوق في غاية وفي قمة من الحرية والنزاهة والشفافية، إن حصل هذا سيحصل الاستقرار لأي بلد يسير في هذا الطريق ويسير في هذا المضمار. هذه قضايا كلها إدارية وإجرائية لا تتصادم مع شريعة الله عز وجل.

والحمد لله رب العالمين
__________________________

(1) البخاري 6/2694.
(2) البخاري 4/1509.
(3) البخاري 6/2669 حديث رقم 6889.