arrow down

غدير خم في روايات أهل السنة والشيعة

خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والسالكين طريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران:102].

معاشر المسلمين!

جيل الصحابة رضوان الله عليهم خير جيل وجد على ظهر هذه الأرض، فهم الذين وضعوا أنفسهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكي يعلمهم ويوجههم ويصوغهم، فتلقوا تلك التربية النبوية الكريمة حتى خلت نفوسهم من حظها.

ومن بين الصحب الكرام صحابي جليل أحبه الله وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الإمام إذا عُد الأئمة، وهو البطل إذا عُد الأبطال، وهو الشجاع إذا عد الشجعان، هو الشهيد الذي قتل غدراً، ولو أراد قاتله مواجهته ما استطاع، إنه أمير المؤمنين أبو الحسنين علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه بالمؤاخاة، ولد قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته، وهو أول من أسلم بعد خديجة، وهو صغير كان يلقب بحيدرة، وكناه النبي عليه الصلاة والسلام أبا تراب، أحد العشرة المبشرين بالجنة، زوجه النبي عليه الصلاة والسلام بابنته فاطمة الزهراء، وهو أبو السبطين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، اجتمع لعلي رضي الله عنه من الفضائل الجمة ما لم يجتمع لغيره، وهو القائل رضي الله عنه:

محمد نبيي أخي وصهري *** وحمزة سيد الشهداء عمي

وجعفر الذي يمسي ويضحي *** يطير مع الملائكة ابن أمي

وبنت محمد سكني وعرسي *** مشوب لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها *** فأيكم له سهم كسهمي

هذا هو علي رضي الله عنه وأرضاه؛ فضائله جمة لا تحصى، عهد إليه النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»، هو وزوجه وابناه أصحاب الكساء الذين طهرهم الله تبارك وتعالى تطهيراً، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم وطهرهم تطهيراً»، شهد مع النبي عليه الصلاة والسلام المشاهد كلها، وكان يقاتل عن يمين النبي عليه الصلاة والسلام وعن يساره، ومن بين يديه ومن خلفه، ما تخلف عن مشهد من المشاهد إلا تبوك بأمرٍ من النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له حينها النبي عليه الصلاة والسلام: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي».

أحبتي في الله!

فضائل علي رضي الله تبارك وتعالى كثيرة، وقد قال فيه عليه الصلاة والسلام وهو بمعنى قوله: «لا يحبك إلا مؤمن»، «من كنت مولاه فعلي مولاه»، قالها النبي عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه وهي بمعنى المودة، وما عنى النبي عليه الصلاة والسلام ما تبادر إلى ذهن الرافضة والشيعة أنه قال: أنت الخليفة من بعدي، وما يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى لأحد بالنص الجلي لا لعلي رضي الله عنه، ولا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولا لأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

تبادر إلى أذهانهم الساذجة أنه أراد بذلك الخلافة، وما أراد ذلك صلى الله عليه وسلم؛ فتجرئوا على الخليفتين، وعلى عثمان رضي الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالولاية في الحديث بمعنى المودة والمحبة، فالمؤمنون يحبون علياً رضي الله عنه وأرضاه وهو يحبهم، كما أن الله تعالى يحب علياً، وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، قال عليه الصلاة والسلام: «لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم».

هذا هو الذي فهمه علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفهمه أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما نازع علي أبا بكر رضي الله عنه الخلافة، وما قال لأبي بكر ما روته الرافضة في هذا الباب من أقاويل كاذبة من أن علياً رضي الله عنه أرادها فاختبأ في بيته، وبايع وهو كاره.. كل ذلك كذب وزور، ذاك الشجاع البطل لو يعلم أن له فيها حقاً ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركها، بل قال لمعاوية رضي الله عنه عن بيعة أبي بكر وخلافته: "بايعه كما بايعه الأولون من المهاجرين والأنصار"، ولما بويع لأبي بكر في السقيفة صعد على المنبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال: أين علي؟ فجيء بعلي فقال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويا ختن رسول الله - أي زوج ابنته - أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ قال: لا والله يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبايعه. وهذا في أول البيعة، ثم بايعه مرة أخرى مع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هذا الحديث صحيح ثابت محفوظ عن علي رضي الله عنه، حتى أن صاحب الصحيح الإمام مسلم جاء بهذه الرواية إلى صاحب الصحيح الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة وقال: انظر إلى هذا الحديث الصحيح فإنه يساوي بدنة، قال ابن خزيمة رحمه الله: بل يساوي بدرة مال، والبدرة من المال هي الصرة فيها مائة دينار، فهي أعظم من عشرات من الإبل. هكذا يقول الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى.

يؤيد ذلك أيضاً: أن علياً كان في أول أيام خلافة أبي بكر يخرج إلى المسجد ويصلي مع أبي بكر بصلاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما صلى خلف أبي بكر في مرض النبي صلى الله عليه وسلم، روى البخاري في الصحيح: أن أبا بكر وعلي خرجا من صلاة العصر، وعند أحمد قال بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بليال يخرج أبو بكر وعلي يد أحدهما في يد الآخر على رغم أنوف الرافضة، فيرى الحسن بن علي يلعب مع الصبيان، فيقول أبو بكر رضي الله عنه للحسن: "بأبي شبيه بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس شبيهاً بعلي"، ويضحك علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وقال علي رضي الله عنه لابن الكوار لما سمع دعوى أن أبا بكر غصب الخلافة منه: "والله ما عهد إلينا النبي عليه الصلاة والسلام بشيء، وإنه لكبير الإسلام، وإمام المسلمين"، أي أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وانظروا إلى فقه علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: "لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم قتلاً"، أي: ما كان موته مقتولاً عليه الصلاة والسلام، "وما مات عليه الصلاة والسلام فجأة، إنما مكث في مرضه وهو يقول لما يؤذن بالصلاة عليه الصلاة والسلام: «مروا أبا بكر فليصلي بالناس»، هذا الفقه.

يقول علي رضي الله عنه: "لو كنت أنا الخليفة لقال النبي عليه الصلاة والسلام مروا علياً أن يصلي بالناس".

ولقد قلن له بعض نسائه: "يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف فأمر غيره يصلي"، فقال لهن: «إنكن لأنتن صواحب يوسف».

الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يقول لما سمع الناس منه حديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، قالوا: هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، إنما المراد النصرة، إنما المراد المحبة، لو كان يريد الخلافة لبينها كما بين الصلاة والصيام والزكاة والحج بلفظ بين واضح، أما كان النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يقول: الخليفة بعدي علي فلا تعصوا أمري، لما لا يصرح له بالخلافة وهو يعلم أن علياً سيغصب؟!

إن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين رووا هذا الحديث ما كتموه، وهم أعلم بمراد النبي عليه الصلاة والسلام، فماذا فهم منه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الغدير غدير خم الذي يحتفل به أهل البدع ويفرقون بذلك بين المسلمين، عيدنا عيدان ليس لنا غيرها، أما عيد ويوم الولاية لعلي فهذا كذب وافتراء وبهتان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولذلك نجد أنهم يتجرؤون على أبي بكر وعمر ويقولون بأنهما غصبا حق علي رضي الله عنه وأرضاه، ويتطاول عليهم الزنادقة والمنافقون والرافضة ومنهم رافضة اليمن، ومن فعل ذلك فليس من الزيدية في شيء بل هم رافضة، يقول هالكهم: "إن البلاء في الأمة ما زال من يوم السقيفة"! ويقولون: ما زالت الأمة في انحطاط!! إن هذه الأمة مبشرة بالنصر، وإذا كان الجيل الأول الذي رباه النبي عليه الصلاة والسلام ما زال في انحطاط إذاً متى تقوم للأمة قائمة؟ القرآن شهد بعزهم ونصرهم وفلاحهم، والسنة المطهرة شهدت بذلك، والعقل والواقع، أما القرآن فقول الله جل وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}[النور:55] والصحابة أول من يدخل في هذا الخطاب؛ فهم من تنزل القرآن وهم أحياء، وإذا لم تكن هذه الآية في الصحابة فليست في أحد من الأمة بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يلزم من هذا أن القرآن ليس بصادق، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}[النور:55]، هل تحقق هذا الوعد للصحابة؟ نعم، تحقق هذا الوعد من ربنا جل وتعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فوفى الله تبارك وتعالى بوعده، ومكن لهم في الأرض، والله جل وتعالى يقول: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}[الفتح:16]، فمن قاتل الأعراب بعد الردة إلا أبو بكر وأصحاب أبي بكر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقتاله كان قتال تأييد ونصرة، وكان من جنده وقادته علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فمن أين ولد لعلي محمد بن الحنفية؟ إنه من خولة اليمانية، أعطاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه إياها من السبي فكانت عنده فولدت له خير أولاده بعد الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، وقيل له: ابن الحنفية حتى يميز ولا ينسب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الخلافة - أي: خلافة النبوة - ثلاثون عاماً، ثم يؤتي الله تعالى الملك من يشاء»، [رواه أبو داود والحاكم عن سفينة رضي الله عنه]، يقول سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعيد بن جُهمان راوية هذا الحديث: "أمسك علي - أي سأعد - سنتان خلافة أبي بكر وعشر خلافة عمر واثنتا عشرة خلافة عثمان وخمس خلافة علي هذه ثلاثون" هي تسع وعشرون سنة وستة أشهر وكملت بخلافة الحسن بن علي رضي الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، من هم الخلفاء الراشدون؟ هم الاثنا عشر المعصومين عند الرافضة الذين لم تكن لهم إمامة في الناس، ولا حكم في الناس، ما فائدة إمامتهم؟ حتى دخل آخرهم السرداب ومعه هاتف نقال يتواصل به مع المعممين، وهذا من سخف وسفه عقول الرافضة! محمد بن الحسن العسكري في السرداب من أكثر من ألف ومائتين سنة وهو في السرداب ينتظرونه، وهم يرددون: "عجل الله فرجه"، والأمة في نظرهم ضائعة منذ موت النبي صلى الله عليه وسلم ولم تمكن!

يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة فيقول لهم: «لتفتحن كنوز كسرى وكنوز قيصر»، أمر يعرفه مؤرخو الفرس والنصارى أن كنوز كسرى سقطت في يد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن قصر قيصر سقط في يد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأروهم عدالة الإسلام، وأروهم وًد الإسلام، يدخل خالد سيف الله الذي سله على المشركين، وهو شوكة في أعناق الرافضة لا يريدوا أن يسمعوا اسمه، دخل رضي الله عنه دمشق من الجهة الشرقية، فيخرج أميرهم من باب آخر، ثم يأتي أبا عبيدة فيستأمن منه، ولم يعلم أبو عبيدة بدخول خالد عنوة، فيؤمنه أبي عبيدة أمين الأمة ومعه نصارى دمشق على مدينتهم، ومن دخل الأمان أمن من السبي والقتل والأسر، ثم يأتي الصريخ لخالد أن ارجع فقد أمنهم أبو عبيدة، هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

لما فتحت مصر على يد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال أقباط مصر لما رأوا عدل الإسلام، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنكم خير لنا من أهل ديانتنا، من صليبي الرومان الذين عاثوا في مصر فساداً! هؤلاء هم الذين مكن الله لهم في الأرض، والكتاب والسنة والواقع والتاريخ يدل على هذا الأمر، أما الهالك حسين الحوثي فيقول: "ما زالت الأمة في انحطاط منذ ولاية عمر"، يرفعون شعار الموت لأمريكا في الغدير وفي غيره وما قتلوا أمريكياً واحداً، القتل لمن؟ لأهل حجور، ولأهل دماج، والتشريد لأمريكا وإسرائيل؟ لا. بل التشريد لأهل صعدة، هذا هو الإسلام عندهم؟ هذه هي المسيرة القرآنية التي يزعمونها.

يصم آذانهم سماع اسم أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي الذي رضي لنفسه أن يكون جندياً في خلافة أبي بكر، وجندياً وقاضيا في خلافة عمر، ومستشاراً وجنديا في خلافة عثمان رضي الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدرونا للإسلام، وأسأله تبارك وتعالى أن يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنه رؤوف رحيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى، ومن سار على نهجهم واقتفى، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد:

أيها المؤمنون!

يرى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه أنه على قليب فيأتيه أبو بكر رضي الله عنه فينزع من القليب، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «نزع أبو بكر وفي نزعه ضعف، والله يغفر له»، قال العلماء أي فترة خلافته كانت قصيرة ولم يفتح البلدان للمسلمين في زمنه لأنه انشغل بحروب الردة، قال: «ثم نزع عمر نزعاً فلم أرى عبقرياً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن»، وعليك أن تتأمل لماذا مجوس الفرس يبغضون عمراً؛ بل وجعلوا قبة لقاتله أبي لؤلؤة المجوسي تزار ويتمسح بها كالأئمة؟ وهذا كله من الباطل والضلال، وسموه بابا شجاع الدين، وسموا يوم مقتل عمر على يد المجوسي يوم الغفران.

أيها الأحباب في الله!

سؤال. وإن كنا عقلاء نتأمل في الجواب، وكل منكم عليه أن يجيب: هل نزع علي رضي الله عنه يده من الطاعة في حياة أبي بكر أو في حياة عمر أو في حياة عثمان؟ يقولون عنه رضي الله عنه وأرضاه وهو الشجاع المِقدام: أن عمر أتاه يوم بيعة وأخذه بتلابيبه، وأمره أن يبايع! فجعلوا علياً رضي الله عنه خائف جبان، قال له بعضهم: إن الخلافة كانت لك، قال: "لا، والله لو عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ما تركتها لبني تيم، ولا بني عدي"، وهو الصادق، وهو البار، وهو التقي، وهو الشجاع، لكن تعالوا لخرافاتهم: نزع باب خيبر بيده، ثم يأخذ عمر بن الخطاب بتلابيبه ثم مشي وهو ساكت ولم يرد عليه! هل هناك عقول؟ على هذه العقول العفاء، تقول سبحان الله عندما ترى هذه الملايين تصدق مثل هذه القصص، وهي تردد الصلاة على النبي وآله.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من يوم بعث إلى أن تقوم الساعة، فهو حِبنا، ونفديه بأرواحنا، ونفدي سنته وأصحابه بكل ما نملك، فعلي لم ينزع يد الطاعة، وقد سمعتم أن في زمن أبي بكر أنه كان قائداً في حروب الردة، وأعطاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ما أعطاه، وفي زمن عمر كان المستشار الخاص لعمر في أقضيته، وفي غزواته؛ لما أراد أن يذهب إلى المدائن ليفتحها استشار علياً، ولما أراد أن يذهب إلى بيت المقدس ويفتحها استشار علياً، خرج عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى الجبانة لما جيش الجيوش إلى القادسية وخلف على المدينة علي رضي الله عنه وأرضاه، فما قال له: خلافتك أنت باطلة.

يقضي عمر في بعض الأقضية فيخالفه علي فيرجع عمر إلى قضاء علي، قال عمر رضي الله عنه: "أقضانا علي"، تأتي امرأة قد زنت ولكنها مجنونة ولم يعلم عمر بجنونها، فيأتي علي قال: ما لكم؟ قالوا: سراقة الهمدانية نرجمها، قال: مجنونة كيف ترجمون مجنونة؟ فيدخل إلى عمر فيقول: أما بلغك أنه قد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ؟ فيدع عمر قضاءه لقضاء علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

امرأة حامل يؤتى بها ولم يعلم عمر بحملها، ولا يجهل عمر أن الحامل لا ترجم، لكنه لم يعلم بحالها، فقيل لعلي ليكلم هيبة عمر فقد كانوا يهابون عمر رضي الله عنه وأرضاه، فيأتي علي فيقول: حتى تضع. وهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قضى وأقام الحدود في زمنه.

أما في زمن عثمان فقد كان من بايع عثمان من هذه الأمة عبد الرحمن بن عوف ثم علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم كان مستشاراً لعثمان، يدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم في قصة الوليد بن عقبة لما أمر عثمان بجلده، من الذي عمل مثله من أكبر وزرائه؟ علي رضي الله عنه، قال: يا علي أقم عليه الحد، فقام علي سامعاً طائعاً لأميره عثمان ذي النورين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال علي للحسن: قم فاجلده، فقال الحسن رضي الله عنه وأرضاه: "ولي حارها من تولى قارها"، أي: دع عثمان يجلده فهو قريبه، فوجد علي رضي الله عنه في نفسه على الحسن، فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فقام عبد الله بن جعفر يجلده وعلي رضي الله عنه يعد؛ لأن فيه إحياء لحد من حدود الله، فلما بلغ الأربعين قال: أمسك، ثم قال علي رضي الله عنه كلمة تدل على حبه لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: "جلد النبي عليه الصلاة والسلام أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين"، اجتهد عمر بمحضر الصحابة قال: "وهذا أحب إليَّ" أي الأربعين "وكل سنة"، أي: إن جلدت أربعين فهو سنة، وإن جلدت ثمانين فهو سنة، سنة خليفة راشد.

هذا علي رضي الله عنه وأرضاه - أيها الأحباب - وهذا موقفه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وموقفه من خلفائه وأمرائه، أبو بكر أميره وأمير كل المسلمين، وعمر أميره وأمير كل المسلمين، وعثمان أميره وأمير كل المسلمين، فلما توفي عثمان لم يرَ الصحابة رضي الله عنهم رجلاً يستحقها غير علي، وكان موقفه من قتل عثمان أنه قال: "لعن الله عز وجل قتلة عثمان في كل سهل وجبل"، يأتي إلى طلحة وهو مجندل، فيمسح التراب عن وجهه ويقول: "رحمك الله أبا محمد، رحمك الله أبا محمد ما كنت أحب أن أراك هكذا، والله لوددت أني مت قبل عشرين سنة"، أي: ولم أر هذا الموقف.

الزبير ابن عمته وابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جعل عمر رضي الله عنه الأمر في ستة من المبشرين وأخرج سابعهم وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نوفل بن عدي ابن عم عمر، لم يدخله في الستة حتى لا يحابي أحداً، ثم قال عبد الرحمن: من يتركها لي؟ فتركها له سعد، وعلي تركها له الزبير، وطلحة تركها لعثمان.

لما أتى ابن جرموز قاتل الزبير رضي الله تعالى عنه وأرضاه يبشره بقتل سيد من سادة المسلمين حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير»، يأتي يريد العطايا، فيقول علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «بشر قاتل ابن صفية بالنار»، ثم يقول رضي الله عنه: "ما أنا طلحة والزبير إلا كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}[الحجر:47]"، كلهم من أهل الجنة، وكلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم على عيوننا ورؤوسنا؛ فلا يأتي رافضي حقير يريد أن يفرق بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هم الأصحاب وهم الأحباب.

أيها الأحباب في الله!

المقام لا يتسع لأكثر من هذا، ولو قرأتم في مصاهرات النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته مع الصحابة لعلمتم مقدار حبهم وتآلفهم فيما بينهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج من أبي بكر وعمر، وزوج بناته بعثمان بن عفان الأموي ذي النورين رضي الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين.

وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يجدد المصاهرة علي رضي الله عنه، وعمر حينها قد قارب الستين أو جاوزها، فيزوجه بابنته أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتزوج بها عمر حتى يصل نسبه بنسب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلد له أم كلثوم بنت علي رضي الله تعالى عنهما، لو كان في قلب علي شيئاً على عمر ما زوجه بابنته، وكلنا لا يناسب إلا من يحب.

يدخل أبو سعيد الخدري على علي ومعه صبي من أبنائه، فقال له: من هذا؟ قال: عثمان. سميته باسم عثمان بن عفان، وسميت باسم عمر، وسميت باسم النبي عليه الصلاة والسلام محمد ابن الحنفية، فتختار لأبنائك أحب الأشخاص؛ فلا يأتي هؤلاء ليزايدوا علينا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريدون أن يطعنوا في الدين.

عيد الغدير عيد مبتدع باطل يراد به أن إحياء أحقاد الرافضة على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً الشيخين أبا بكر وعمر وكذلك عثمان، ولكنهم أشد على أبي بكر وعمر حتى قال الرافضة الاثنا عشرية: "إن أهل النار يستعيذون بالله من صياح أبي بكر وعمر في النار، فإنهم أشد عذاباً من إبليس"، وهذا موجود في كتبهم، إن العداوة بيننا وبين الرافضة من أجل الإسلام، من أجل القرآن، من أجل الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من أجل نبينا صلى الله عليه وسلم.

قال ابن زرعة: "سيقول القائل: لو كان رجل خير" وهو رجل الخير ورجل الخيرية ووأصحابه أهل الخيرية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}[آل عمران:110] "لكان أصحابه أصحاب خير".

قال مالك بن مغول: "لو سئل النصارى من خير أصحابي عيسى؟ لقالوا: حواري عيسى، ولو سئلت اليهود من خير أصحاب موسى لقالوا أصحاب موسى، ولو سئلت الرافضة الأمة" الذي هم في انحطاط منذ زمن أبي بكر من يوم السقيفة "من شر هذه الأمة؟ لقالوا: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، ونحن نقول هم خير الأمة بشهادة الله لهم: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]، وبشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس القرن الذي بعثت فيهم».

اللهم ارضَ عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين، أسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

الدعاء..