arrow down

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك

خطبة لفضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

ملخص الخطبة:

كتمان بعض الحق ككتمان الرسالة برمتها - شهادة القرآن والصحابة بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم جميع ما أنزل إليه من ربه - عصمة الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الناس - وجوب مواجهة الناس بانحرافاتهم العقدية والسلوكية - أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس بأداء واجب البلاغ - لا بد من تبليغ الآيات ومعانيها - في الآية رد على الرافضة الذين يعتقدون أن القرآن ناقص - في الآية رد على الصوفية الذين يقسمون الدين إلى ظاهر وباطن - في الآية رد على العلمانيين والليبراليين الذين أخذوا من الدين الشعائر التعبدية والأحوال الشخصية فقط - تقصير الأمة في البلاغ المبين - مأساة سوق القات في مدينة الشحر - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الدولة والأفراد.

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1].. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد, فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، يقول الله جال وعلا في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة 67]. هذه الآية في سورة المائدة وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن ونزلت في سياق آيات تتحدث عن الانحرافات العقدية لليهود والنصارى وعن حرمة موالاتهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] وفي معرض تحكيم شرع الله والاحتكام إليه، في هذا السياق نزلت هذه الآية العظيمة تأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ ما أنزل إليه من ربه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} و(ما) هنا اسم موصول بمعنى الذي، يعم، أي، بلِّغ الذي أنزل إليك من ربك، ومعناه العموم أي؛ بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ} أي؛ إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك من ربك فإن الله عز وجل يحكم بأنك لم تبلغ رسالته البتة {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فكتمان بعض الآيات أو بعض الحق الذي أنزل إليك من ربك هو ككتمان الرسالة برُمتها؛ يجب أن تبلغ للناس جميع الأحكام وجميع الآيات وأن تبلغ كلمة الله الأخيرة للبشرية كاملة ناصعة واضحة ببلاغ مبين لا لبس فيه ولا التواء وإلا فإن الرسول حينئذ -إن لم يبلغ جميع ما أنزل إليه- كأنه لم يبلغ رسالات الله وحاشاه صلى الله عليه وسلم فقد شهد القرآن بأنه قد بلغ وشهد الصحابة بأنه قد بلغ كما قال الله جل وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] نزلت هذه الآية في يوم عظيم، في يوم عرفات، وكان وافق يوم جمعة، يوم عيد الإسلام، أكمل هذا الدين وشهد القرآن بأنه أكمل وبأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلّغ وكما قال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 54-55] وحضر حجة الوداع أكثر من مائة ألف صحابي وخطبهم المصطفى صلى الله عليه وسلم في عرصات عرفات وقال لهم: «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟» وهم يقولون: نعم نعم. فيرفع إصبعه صلى الله عليه وسلم إلى السماء ثم ينكتها في الناس ويقول: «اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد»(1). لقد بلغ رسالات ربه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي؛ إن لم تبلغ جميع ما أنزل وكل ما أنزل إليك من ربك فما بلغت الرسالة البتة {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فإن كنت خائفًا من هذه الأحكام الثقيلة وهي معاداة اليهود والنصارى وتحكيم شرع الله في كل صغيرة وكبيرة والحكم بشرع الله في كل شأن من شؤون الحياة وبيان انحرافات الناس ومواجهة الناس بانحرافاتهم العقدية والسلوكية، إن كنت خائفًا من تبعات ذلك، من تبعات قول الثقيل {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] فلا تخف؛ لأن الله سيعصمك من الناس روى الترمذي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فلما نزلت هذه الآية خرج من قبته وقال: «اذهبوا فقد عصمني الله»(2)، وأصبح يمشى بلا حراسة؛ لأن الله ضمن له، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ومع كثرة أعداءه، ومع خطورة الأمر الذي جاء به والتحول التاريخي العظيم للبشرية بسبب رسالته، مع ذلك لم يحدث أن اغتيل صلى الله عليه وسلم، أو أوقف من رسالته، ومن شواهد ذلك:

ما رواه مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل هو وأصحابه يومًا في سفر في وادٍ كثير العضاه -وهو شجر ذو شوك- ونزل النبي صل الله عليه وسلم في عضاة عظيمة كبيرة يستريح فنام فلم يرعه إلا ورجل فوق رأسه والسيف بيده مصلتًا من الأعداء فقال: «يا محمد، من يمنعني منك؟ وأصحابه بعيدون عنه صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم الواثق بربه قال: الله يعصمني منك، فارتعدت يده حتى سقط السيف، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يعصمني منك أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: لا. ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك» [حديث في صحيح مسلم](3) ولما كان الإنسان يمتنع من التبليغ ومن البلاغ المبين ومن بلاغ جميع ما أنزل إما بسبب الخوف من القتل أو الأسر قال الله لنبيه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وإما لأن البلاغ لن يؤتي ثمرته أو التخوف من أن لا يؤتي البلاغ ثماره قال الله جل وعلا: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي؛ ليس عليك هدايتهم، ليعلم الإنسان إنما عليك البلاغ، أداء واجب البلاغ، سواء أثمر بالهداية أو لم يثمر، فهذه التخوفات لا داعي لها وأتباع محمد هم أولى الناس بهذه الصفات كما قال الله جل وعلا: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وفي قراءة سبعية صحيحة: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ} {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم فيجب أن يسلك هذا المسلك، مسلك الدعوة إلى الله على بصيرة ولو آية كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية»(4) ويشترط أن يعلم هذه الآية وفي هذا الزمان الذي غاب الناس فيه عن العربية وعلومها فلا بد أن تبلغ الآيات ومعانيها بل لقد كان هذا في الزمن الأول فالرسول صلى الله عليه وسلم كان من وظائفه أن يتلو عليهم هذا القرآن العربي لعربٍ أقحاحٍ يفهمون العربية ومع ذلك عليه أن يعلمهم الكتاب وعليه أن يزكيهم {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2] فتلاوة الكتاب وإبلاغ الآيات شيء وتعليم الكتاب شيء آخر وهو تعليم تفسيره وبيانه ثم التزكية به والعمل به وتدريب الناس على العمل به فهذه هي وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ووظيفة أتباعه {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله أشهد بأنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده.

أيها المسلمون، لقد بلغ نبيكم محمد جميع ما أنزل إليه وأمركم يا أتباع محمد أن تبلغوا عنه ولو آية أن تبلغ الأمة عنه وقام الصحابة بالبلاغ ووصلنا القرآن كاملًا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ففي هذا رد على الرافضة الذين يعتقدون أن هذا القرآن ناقص وأن هذا القرآن مبدل ومحرف كما أن فيه رد على غلاة الصوفية الذين يعتقدون أن الدين له ظاهر وباطن وأن الرسول إنما بلغ الظاهر من الشريعة، أما الباطن فيختص به الأولياء، ففيه رد عليهم، بل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم كل الدين ظاهره وباطنه وعلمنا كل شيء وفيه رد أيضًا على العلمانيين والليبراليين الذين أخذوا من هذا الدين شؤون الشعائر التعبدية كالصلاة والأحوال الشخصية المتعلقة بالنكاح والطلاق وتركوا مواجهة الناس بانحرافاتهم بالعقائد والسلوك، وتركوا حكم تحكيم شريعة الله في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة وحكم موالاة اليهود والنصارى ونحو ذلك من الأحكام التي اعتبروا أنه لا مدخل للدين فيها. لقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الدين عقيدة وشريعة، شريعة في كل مجال من مجالات الحياة ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «من حدثك أن محمدا صلى الله عليه و سلم كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب»(5) لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتم شيئًا من القرآن لكتم مثل قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] ونحو هذه من الآيات العتابية لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخفِ شيئًا أوحي إليه وشهد أفضل البشر وهم الصحابة بعد الأنبياء، أفضل البشر بعد الأنبياء شهدوا وبلغوا هذه الرسالة كاملة إلى الأجيال من بعدهم لكن الأمة في أعقاب الزمن قصرت اليوم في التبليغ فالعالم اليوم سبعة مليار؛ المسلمون مليار ونصف، والصين مليار ونصف يعبدون صنم بوذا أكثرهم والهند أكثر من مليار يعبدون البقر وآلهة وأصنام أخرى متعددة والنصارى اثنين مليار يعبدون المسيح أو يزعمون أن الله ثالث ثلاثة أو يزعمون أن المسيح ابن الله والمسلمون فيهم مئات الملايين التي تعبد الأهواء أو تعبد الأضرحة أو المزارات أو تبدل شرع الله أو تسوغ أن يحكم بشرع الله وبالقوانين الوضعية فيعبدون البشر {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].

لقد قصرت الأمة في البلاغ، لا يشترط أن تكون عالمًا، لكن عالمًا بما ستبلغهم ولو آية أن تبلغها وتبلغ معناها لمن ترى، لأهل طاعتك الذين يذهبون إلى الغرب في بعثات أو إقامات أو غير ذلك الذين يذهبون إلى الشرق كل واحد منا في أسرته في مدرسته لا بد أن يكون له دور فإنه من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار باستطاعتنا أن نحول الأرض أو معظم الأرض إلى أرض مسلمة إذا أخذنا بالواجب الشرعي {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ولكن قصرنا كثيرًا. لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم لوحده أمام العالم كله وهو يدعوهم إلى كلمة لا إله إلا الله وبدأ بعشيرته الأقربين فلم يمضِ خمسون عامًا -مع قلة إمكانياتهم- إلا وقد دانت معظم الأرض المعروفة آنذاك بالإسلام، اليوم مع كثرة المسلمين وكثرة إمكاناتهم نرى هذا التقصير العظيم في التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مع الأسف قبل أن آتيكم بقليل مررت بسوق القات وهم مزدحمون ومعرقلون للطريق، هؤلاء لا يعلمون أن عليهم صلاة، وأنَّ عليهم جمعة، إننا مقصِّرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالبلاغ وبالكلمة وبالدعوة وبالحكمة والدولة مقصّرة حينما تشاهد هذه المناظر في وقت الصلاة التي لا يجوز التخلف عنها ثم تترك الناس من شاء صلى ومن شاء لم يصلِّ، أين إقامة الصلاة التي هي أعظم عبادة فرضها الله علينا يجب أن نكون خير أمة كما أراد الله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسبة يبدأ بالكلمة وينتهي بالسيف والسلطان والقوة كما قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده»(6) فاتقوا الله عباد الله وبلغوا عن نبييكم ولو آية تهتدوا وتكونوا في خير أمة وتستحقوا هذا {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79].

ثم اعلموا عباد الله أن الله أمركم بأمر بدأه بنفسه وثنى بالملائكة المسبحة بقدسه وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه فقال ولم يزل قائلًا عليمًا وآمرًا حكيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن الأئمة الخلفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وذي النورين عثمان، وأبي السبطين علي وعن سائر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين واحفظ حوزة الدين وأذل الشرك والمشركين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين وفي العراق وفي سوريا، اللهم انصر المسلمين في أفغانستان وفي كل مكان أيِّدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، اللهم عليك بأعداء الإسلام خذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي يا عزيز {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

عباد الله، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

فاذكروا الله العلي الجليل يذكركم واسألوه من فضله يعطكم واشكروه على آلائه يزدكم {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].
____________________________

(1) رواه البخاري (6403) ومسلم (4477).
(2) رواه الترمذي (3046) والحاكم (3221) وحسنه الألباني.
(3) رواه مسلم (2753) ورواه البخاري أيضًا (6090).
(4) رواه البخاري (3274).
(5) رواه البخاري (4336) ومسلم (457).
(6) رواه أحمد (5114) وحسنه الألباني.