arrow down

الهجرة .. قراءة أخرى

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله الذي كتب على رسله الهجرة والانتقال، وصبرهم على مفارقة الأهل والعيال، والتضحية بالأوطان والأموال، خَلاصاً من عبادة الطاغوت، وفراراً إلى صاحب الملك والملكوت، وسعياً لإحلال العدل مكان الجور، وطلباً لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، والصلاة والسلام على من غيَّر بهجرته وجه البسيطة، وأرسى قواعد صرح الحضارة و أوروبا في عصورها الوسيطة، فاستضاء العالم بمصابيح الإسلام، وأشرق الكون به بعد الظلام، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته المهاجرين منهم والأنصار، وتابعيهم بإحسان إلى يوم القرار. وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله.

أيها الإخوة المؤمنون:

يوم أمس هو اليوم الأول من السنة الهجرية الجديدة، وقد احتفلت به الناس، وعطلت الدوائر والمدارس، وتحدث الوعاظ والكتاب ووسائل الإعلام، وتبودلت التهاني إلى آخر مما سمعتم ورأيتم مما يجري فيه، فهل هذا هو ما يستفاد من قول الله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم:5]؟.

نعم: إن التذكير بأيام الله التي أنعم فيها على أوليائه وانتقم فيها من أعدائه أمر مطلوب، ولكن ليس على هيئة احتفالات ولا على تبادل تهانٍ ونحو ذلك، ومن باب أولى ليس لنا باسم التذكير بأيام الله، أن نحدث في ذكرى تلك الأيام عبادات نخترعها من أنفسنا لم يشرعها الله لنا، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يعرفها صحابته الكرام ولا أئمة الإسلام.

إن أعظم ما يراد بالتذكير بأيام الله أن نذكُر نعمة الله علينا وعلى أمتنا أولها وآخرها، ونشكر الله عليها، وأن نستفيد العبر والدروس من كل ذلك، وهجرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ترتب عليها من تغيير في مجرى التاريخ، وإصلاح لمسيرة الحياة، من أعظم أيام الله التي ينبغي التذكير بها؛ لغرض الاستفادة من عبرها وعظاتها.

وفي لحظتنا هذه التي تعيشها أمتنا العربية، وهي في آثار ما يسمى بالربيع العربي، الذي أراد من صنعوه أن يهاجروا بأمتهم من الكبت والذل إلى العزة والكرامة والحرية، ومن الفساد إلى الصلاح؛ أرادوا إزاحة من وقفوا في سبيل رقي الأمة وتقدمها وازدهارها؛ ليأتوا بمن يقودها إلى غير ذلك من الأهداف التي حددوها عندما فجروا ثوراتهم وقاموا بحركاتهم، أقول: لأن الأمة وهي في هذا الحال عليها أن تقرأ حادثة الهجرة قراءة أخرى مختلفة عن قراءاتها السابقة، قراءةً تتناسب مع حالها ووضعها وما تصبوا إليه، إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ليست فريدة في التاريخ، بل هي امتداد لسنة كونية مر بها كثير من الأنبياء والرسل؛ لذلك قال له ورقة بن نوفل حينما جاء يخبره بما أوحي إليه، قال له: "يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا" [البخاري ومسلم]، غير أن هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم هي خاتمة تلك الهجرات وأعظمها وأبقاها أثراً، فقد هاجر قبله أبوه إبراهيم وقد أعلن ذلك وأفصح عن هدفه من تلك الهجرة فقال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]، إنها هجرة إلى ربه العزيز الحكيم؛ فراراً إليه من أعدائه وأعداء ربه، ليست فقط من بطش وتعذيب أعدائه، ولكنها من هيمنة أعدائه ومن أهواء أعدائه، من فتنة أعدائه، من مساومات أعدائه، بعد أن يئسوا من أسلوب التعذيب والبطش، وربما لجأوا بعد ذلك إلى أسلوب الترغيب والمبايعة، فغيّر الله بهجرته أي بهجرة إبراهيم عليه السلام وجه التاريخ، وأسس بحكمه النبوة والوحي والحنيفية والتوحيد والحضارة والعمران، فبعد الآية التي أعلن فيها إبراهيم هجرته إلى ربه؛ جاءت هذه الآية الكريمة لتعلن النتيجة التي ترتبت على هجرة إبراهيم، قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:27]، ما جاء إسحاق ولا يعقوب ولا جاء إسماعيل إلا بعد أن هاجر إبراهيم من أرض قومه؛ أرض الكفر والشرك والطغيان؛ فكسب بهذه الهجرة - واضحة المعالم محددة الأهداف -كسب بها عاقبة الدنيا والآخرة.

وهاجر موسى هجرتين: هجرة للتمهيد لحمل الرسالة، وأخرى لتحقيق أهداف الرسالة، وفي كلتيهما فرار من الطغاة والطغيان وعبادة الطاغوت، و انعتاق من سلطان الطاغوت وفتنته ومن منهجه وملته، والنجاء إلى الله وفرار إليه؛ ففي الهجرة الأولى نسمعه يقول: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21]، ويقول: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22]، ويقول: {رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير} [القصص:24]، كله التجاء إلى الله، واعتماد عليه، ودعاء له، وليس فراراً من عدو إلى عدو، وخروج من هيمنة طاغوت إلى هيمنة أطغى منه وأشد.

وأما الهجرة الثانية: فكانت بوحي من الله عز وجل وعلى عينه وتحت رعايته سبحانه وتوجيهه وتسديده، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} [الشعراء:52]، هذا في بداية الرحلة وعندما اشتد الكرب، ونجم الخطب؛ ظهر آثار ذلك التقيد بأمر الله، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:61-62]، إلى آخر السياق الذي حسم الأمر بغرق فرعون وقومه ونجاة موسى وقومه، وبهذا الحدث العظيم تغير وجه التاريخ مرة أخرى، وجدد ما بدأه إبراهيم بهجرته، ثم جاءت هجرة محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وحامل خاتم الرسالات؛ وتفاصيل هجرته تطول، ولكننا نقتصر على ما أوجزه الله لنا في القرآن قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40]، إن الله تعالى وحده تولى ترتيب سفر هجرته، ووحده الذي نصره، ووحده الذي تولى حمايته، ووحده الذي جعل كلمة الحق العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وقد فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إلى مولاه في كل شيء، مع الأخذ بما تيسر من الأسباب.

لقد كانت الهجرة فاصلة بين الإيمان والكفر، وبين العدل والظلم، وبين سلطان الرحمن سبحانه وتعالى وسلطان الطاغوت، كانت انعتاقاً كاملاً وتحرراً شاملاً من سلطان الشرك والمشركين؛ لذلك قام على قضية الهجرة ولاء وبراء قال تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [النساء:89]، أي أن الهجرة ذاتها إنما كانت إعلان للفصل والبراءة من الشرك والمشركين؛ فانحاز الحق إلى جنب بعيداً عن الباطل وآثاره؛ وبناء على ذلك من انحاز إليه من المؤمنين وضحى بأرضه وماله، وفارق أولاده وأهله وكان مع الإسلام والمسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم، وتحت راية الإسلام فله الولاء التام والكامل، ومن لم يكن كذلك وآثر البقاء تحت سلطة الظالمين وبمتناول فتنة الظالمين والكافرين فإن له وضعاً آخر، يقول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يهاجروا} [الأنفال:72]، إن الهجرة قائمة على أصل الولاء والبراء بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين حكم الله وحكم الطاغوت؛ وبالتالي فإن المؤمن الذي لم يعلن البراءة الكاملة من الطاغوت وأتباعه، لا يتم له الولاء الكامل للمؤمنين كما يكون للمؤمن المهاجر الذين أعلن البراءة الكاملة من الطاغوت؛ وبذلك آتت الهجرة أكلها، وشادت صرح التوحيد، وحطمت صرح الجاهلية، وأقامت على أنقاضه صروح الحضارة الإسلامية؛ فيجب على قادات الثورات العربية الذين انبثقوا من صحيح الأمة، وقاموا لأجل مصالحهم العليا، أن يقرؤوا الهجرة من هذا الوجه، من وجه الولاء والبراء إن أرادوا أن تكون الهجرة معلماً لهم يستضيئون بنوره، ويحققون بذلك أهداف أمتهم.

لا يجوز أبداً أن يهاجر قادة الربيع العربي إلى الشرق: إلى أحضان الصين وروسيا، ولا إلى الغرب أوربا وأمريكا، لا يجوز أن يفروا إلى غير الله أبداً؛ فإن فروا إلى غير الله وَكَلهم الله إلى ذلك الغير، وإلى هزيمة وخذلان، وعليهم أن يتذكروا وهم يرتبون أمورهم، ويكتبون دساتيرهم، ويحددون وجهة سيرهم؛ عليهم أن يقرأوا قول ربهم تبارك وتعالى محذراً من الانحياز إلى أعداء الله عز وجل، وتوليهم وطاعتهم فيما تقوم عليه الأمة من مبادئ ومن قيم، ومن محددات لسير حياتها قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:25-28].

هكذا يقرر الله عز وجل عاقبة وخاتمة من يقول لأعداء الله سنطيعهم في بعض الأمر، فكيف من يقول سنطيعكم في كل الأمر كما هو شأننا؟! يكتبون الدستور أو يهيئون أو يوحدون أو لا أدري إيش؟ ويحددون لنا شكل الحكم، وهم الذين يضعون لنا النقاط التي نتحاور عليها، ويحددون من يحاور ومن يُقصى من الحوار، إن هذا طاعة لهم في كل الأمر، فماذا يرجى؟ و ما هي النتيجة التي سوف نكون عليها أو نصل إليها؟ نسأل الله العافية.

أيها الإخوة الكرام:

إن خوفنا عظيمٌ على أمانة القائمين بهذا الربيع العربي والثورات العربية، أن يلجئوا بل هم قد لجئوا للأسف الشديد إلى أعداء الله، منهم من أعلن أنه منحاز إلى الله ورسوله - إلا ما شاء الله - لكن الوجهة العامة إلى الأعداء والى سلطان الأعداء وإملاء الأعداء، فنخشى أن تذهب وتُحبط تلك الأعمال التي قاموا بها، تلك التضحيات التي ضحوا بها، تلك الأتعاب التي تعبوها، ثم- لا حول ولا قوة إلا بالله - نعم نشكر الثورة المصرية ونأمل فيها أن يتمم الله لها أمرها، حيث ترفعت عن بعض ما وقع فيه البعض الآخر، لم تأتِ بكل ما يريده منها الشرع، ولا كل ما يريده منها الشعب، ولكنهم جزاهم الله خيراً قادتها فعلوا مالم يفعله غيرهم من الثوار، فوصلوا إلى شيء لعله يكون فيه خير لهم ولأمتهم، لكن ليس هو كل ما نريد، أما بقية الثورات فتترنح في مكانها، و أسوأها ثورتنا، أسوأ هذه الثورات ثورة اليمن؛ لأنهم هاجروا من ظلم وطغيان علي عبد الله صالح إلى هيمنة أمريكا وأوروبا، نعم أصبحنا تحت الاستعمار، تحت الوصاية، ليس لنا إلا أن نقول ما قالوا، ونفعل ما أرادوا، ونقف حيث يريدوننا أن نقف، ونتحرك إلى حيث يريدوننا أن نتحرك، هذا لا يغنينا أبداً، إنهم قد جددوا هجرة جاهلية، هجرة سيف بن ذي يزن عندما هرب من استعمار الحبشة وأتى باستعمار فارس، وجددوا هجرة امرؤ القيس الذي أراد أن ينتقم ممن قتل أباه فذهب إلى قيصر، وبعد ذلك قال قولته المشهورة:

لقد طوفت في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمة بالإياب

و يا ليتنا نؤوب إلى مكاننا من غير خسارة، لكننا نخاف أنه حتى الإياب لا نجده ولا نصل إليه، نسأل الله أن يصلح أحوال الناس، وما هذا إلا حرقة والله، ورغبة في أن ينتبه هؤلاء ليرتفعوا ويرفعونا معهم إلى حيث يرضي الله، وإلى حيث نهاجر كما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الأكرمين، وسائر من سار على طريقهم واهتدى بسنتهم إلى يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله.

عباد الله.

لعلكم بل كلكم يتابع ما يجري في فلسطين، وما تقوم به إسرائيل إزاء غزة وأهل غزة، والعالم يتفرج، بل كما سمعتم من الإعلام أوروبا وأمريكا ومعظم دول الكفر يقولون: من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها وتدافع عن مواطنيها ومدنييها من الإرهاب والإرهابيين، وهم الذين ابتدأوا العدوان، أما حماس والفلسطينيون هم إرهابيون، ويجب عليهم أن يُوقفوا إرهابهم رغم أنهم ما فعلوا إلا أنهم يدافعون عن أنفسهم، هذه هي موازين الطاغوت، هذا هو ترجمة لقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، نعم الكفار يهود نصارى ومن بلا دين، أي نوع من أنواع الكفر بعضهم أولياء بعض، فإذا لم يوالِ المؤمنون بعضهم بعضاً، ويتبرؤوا من ولاء الكافرين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، الفتنة فرضُ مبادئهم وفرضُ مناهجهم وفرضُ أخلاقهم الرديئة وقيمهم السافلة علينا، وقد حصل أكثر من ذلك، والفساد العظيم منه القتل والإبادة وهدم العمران وإفساد الحرث والنسل، وهو جارٍ على الأمة الإسلامية اليوم، وهو نتيجة لأنهم لم يقيموا مبدأ الولاء والبراء، فيا من قمتم لإخراج أمتكم من الظلم والذل والهوان والإبادة وغير ذلك من الأسباب، اسلكوا إلى ذلك السبيل، أأتوا البيوت من أبوابها، لا تعتمدوا على أعداءكم ولا ترضخوا لهم إن أردتم أن يعزكم الله، لأنكم تأوون إلى ركن شديد، هو رب العالمين سبحانه وتعالى، ومن كان الله معه فلا يهزم، وسمعتم في آية الهجرة، كيف أن العرب وقريش وكل عدو تألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأنجاه الله منهم، ونصره عليهم وحماه وأبلغه أهدافه، وأقام له دولته، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، هكذا سنكون إذا انحزنا إلى الله، وفررنا إلى الله، والتجأنا إلى الله، وتبرأنا ممن أمرنا الله أن نتبرأ منه؛ فيجب أيها المسلمون جميعاً على أقل الأحوال أن نتجه إلى إخواننا ونؤازرهم معنوياً ومالياً وبكل ما نقدر عليه، وأيضاً أن نعادي أعداءهم وأن نظهر الغضب لكل من يقف مع اليهود ضد إخواننا في فلسطين، بل ويقطِّع قادة المسلمين الصلات والعلاقات، ويوقفوا جميع المصالح التي يأخذها الأمريكيون والأوربيون من أراضينا؛ لأن مصلحتهم من المسلمين أعظم بأضعاف مضاعفة من مصلحتهم في إسرائيل؛ لكنهم لا يأبهون للمسلمين ولا للعرب، وهم دائماً مع اليهود غير آبهين بنا؛ لأنهم عندنا أننا قد هنا وما لجرح بميت إيلام.

أيها الإخوة الكرام.

نسأل الله أن يرفع عنا وعن إخواننا في فلسطين وعن إخواننا في سوريا الظلم والفتن، وينصر إخواننا الثائرين في سوريا، وينصرهم على أنفسهم وعلى هواهم وعلى من يريد أن يجرهم إلى ما سار إليه من سبقهم من الثائرين، أن يوجههم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى فيعتصموا به، ويعملوا بشرعه ويوالوه، ولا يوالوا أعداءه نسأل الله ذلك.