arrow down

العام الجديد وحسن الظن بالله

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله الذي قضى أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، تشتد بحكمته الكروب وتتعاظم الخطوب، وتشتمل على اليأس القلوب، فإذا بالنصر والفرج يتسلل من بين الحجب والغيوب، والصلاة والسلام على من سن لأمته التبشير عندما تحدق المنون، وتسوء الظنون، ويتزلزل المؤمنون، ويبدي ما في نفوسهم المنافقون، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين يقولون، عندما يصبح الخطب جسيماً والوضع أليماً: {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةً لا تنفع من أساء الظن به، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شهادةً ينقضها من لم يوقن بما أخبر ولم يعمل بما أمر، ولم ينتهِ عما نهى عنه وزجر، وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله.

عباد الله.

مضى عامٌ هجريٌ تجاوزناه، وهو مليءٌ بالمحن والمنغصات والمكدرات والرزايا والنكبات، وحل بنا عامٌ جديد علمه عند الله، ولا يستطيع أحد أن يتكهن بما ينطوي عليه، فكيف نفكر أن نستقبل هذا العام؟ وكيف نعيشه؟ وبماذا عساه أن يختم لنا؟ إن سنة الله الماضية أن الشدائد لا تدوم، وأن الرزايا والنكبات يعقبها الفرج، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف:110]، وقال تعالى محذراً من سوء الظن بالله في هذه المواطن: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]، يعني اليائس من نصر الله والذي لم يعد عنده أي أمل أو رجاء، إذا كان هكذا فمصيره أن يعلِّق حبلاً في السماء ثم يشنق نفسه، ليس له خلاص إلا هذا، لكن هذا كما تعلمون حرام، وهذا من أكبر الكبائر، وهذا أيضا أمر غير مقبول لا عقلاً ولا شرعاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيراً فله وإن ظن شرا ً فله» [رواه أحمد وصححه الألباني]، فلنظن بالله أحسن الظنون؛ ليبلِّغنا ذلك المظنون، وإليكم نماذج من ظن الأنبياء والرسل والصالحين مع أممهم، يقابله ظن المنافقين وضعفاء الإيمان، وكيف حقق الله ظن رسله وأتباعه الصالحين.

أما النموذج الأول: فموسى عليه السلام وقومه، وقد بلغ بهم الحال والوضع ما حكاه القرآن، حتى لم يجدوا ملجأً ولا معتصماً يعتصمون به إلا الفرار، وعندما فروا وهذه الوسيلة المتاحة لهم، عندما اشتدت بهم الكروب وتزلزلت القلوب بعد الفرار، حينما وجدوا البحر أمامهم والجيش ورائهم، هناك ساءت ظنون بني إسرائيل، وقالوا بعدما شاهدوا البحر والجيش: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61]، فأجابهم موسى محسنَ الظن بربه مصدقاً لوعده مطمئناً لمعيته: {قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]، وما أن أتم كلامه حتى جاء الفرج قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ *إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:63-67].

انظروا كيف فعل حسن ظن موسى، كيف حققه الله سبحانه وتعالى؛ فأنجاهم وضاعت وخابت ظنون المسيئين الظن بالله.

أما النموذج الثاني: فقصة طالوت وجالوت، كيف فعل سوء الظن باتباع طالوت حتى خالفوا أمره، وتصدعوا من حوله، وقالوا في خَوَر ظاهر: {قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:249-250]، انظروا هنا أيضا حسن الظن، حسن ظن المؤمنين بربهم كيف حققه الله، وكيف خاب ظن الذين ساءت ظنونهم، وظنوا بالله ظن السوء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، الذين أحسنوا الظن تحقق ظنهم فانتصروا في الحال، وأسسوا دولة وقامت دولتهم وحكمت بشرع الله مدة طويلة.

أما النموذج الثالث: فرسولنا الكريم ونبينا العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، رسولنا وأصحابه المؤمنون الصادقون، ومن كان معهم من المنافقين، فريقان في كل وقت، جناح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والصادقون من أصحابه، وجناح آخر فيه المنافقون، حينما اشتد الخطب، وادلهم الكرب، وأحيط بهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتفاوتت الظنون، وفقد المنافقون سيطرتهم على أنفسهم، وأعلنوا ما كانوا يكتمون من الكفر والتكذيب ودائرة السوء التي كانوا فيها وسوء الظن بالله وبرسوله، قالوا: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب:12]، لأنهم وجدوا أنفسهم في موضع لا يمكن أن يبقى عندهم أي تردد في إعلان ذلك، ظنوا أن المؤمنين انتهوا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيقاد أسيراً أو يقتل؛ وبالتالي يعلنونها استباقية حتى يقولوا للمشركين: نحن قد كنا المعسكر الذي ينصركم من داخل معسكر المسلمين، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكتفِ باليقين الصادق بربه وتصديق وعده بالنصر في هذه المعركة وحدها فقط، بل تجاوز ذلك وبشر أصحابه بأن لا تغزى المدينة بعد ذلك، وصدق رسول الله عليه وسلم، فلم تغزَ المدينة بعد معركة الأحزاب، وفي ذلك الموقف وهو يضرب الحجر في داخل الخندق، يحيط نفسه وأصحابه وبلاده بخندق، بأن لا يتجاوز إليه المشركون في هذا الحال - بشر أصحابه بفتح الروم وفارس واليمن، نعم وجاء ذلك في أحاديث ثابتة صحيحة، وأما الصحابة الصادقون المصدقون المحسنون الظن بالله فكان موقفهم: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22} وهنا جاءت شهادة الله لهم بالصدق في العهد والثبات على المبدأ فقال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23]، وجاء الفتح والنصر والفرج بعد ذلك، وبعد تلك الأحوال العصيبة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب:9]، وقال: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا* وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قديراً} [الأحزاب:25-27]، هذه هي عاقبة اليقين بوعد الله ورسوله، وحسن الظن بالله وبرسوله، وتلك هي نهاية المنافقين المكذبين المسيئين الظن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

وتعالوا نستعرض بعض العبر من هذه القصص، منها:

1- إن أقوى الظانين بالله الظن الحسن هم الأنبياء والمرسلون، ونتيجة ذلك أن يحقق الله لهم ظنهم ولو بعد حين.

2- ظن المؤمنين المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، وهم على خطى الرسول في اليقين، وفي حسن الظن بالله وبرسله، والنتيجة هي النتيجة أي أن الله يحقق لهم ظنونهم.

3- المنافقون وضعاف الإيمان هم الذين تسوء ظنونهم بالله وبرسله، وتنهار عزائمهم وتتملكهم الهزائم النفسية، ولا يستفيدون من النتائج العظيمة للرسل والمؤمنين، بل تكون عليهم نقمة ولو من باب الحسد والحقد وزيادة العداوة للحق وأهله غيضاً وحنقاً، ويظهر ذلك في أعينهم قبيحاً. وانظروا الذي تحقق في فلسطين رغم أنه شيء يسير، لكنه بالمقارنة الدولية، تألب الدنيا كلها على الفلسطينيين يعتبر شيء عظيم بالنسبة لحرب غزة الأخيرة، إلا أن هذا لم يعجب ضعافُ الإيمان ومسيئ الظن بالله، والذين ينظرون بنظر أعداءهم، ويتمنون لو انتصر الأعداء على المسلمين فقاموا يطعنون ويهمزون ويلمزون ويقللون مما جرى، انظروا أيضاً للمواقف التي وقفها الرئيس المصري وشَكَره عليها العالم كله، كيف كانت عاقبتها مباشرة بعد ذلك يخرج المصريون ويعملون ما يعملون مما تسمعون وتشاهدون، أو يخرج لا أقول المصريين كلهم ولكن من استجابوا لنداء المتربصين والمندسين وأذناب أعداء الله، فالرسل وأتباعهم لم يكتفوا بمجرد حسن الظن والتوكل على الله، ولكنهم أضافوا أمرين:

الأمر الأول: شدة الالتجاء إلى الله والإلحاح عليه في أن يثبتهم وينصرهم، دعوا الله أن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على أعداءهم الكافرين، وهذا الذي حصل في معركة بدر حينما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم طول الليل وهو يدعوا الله عز وجل رافعاً يديه، حتى سقط الرداء من على كتفيه وهكذا و هكذا.

الأمر الثاني: أنهم مع التوكل ومع حسن الظن بالله عملوا ما في وسعهم فبذلوا قصارى قدرتهم، وتوكلوا على ربهم؛ فأعطاهم الله ما وعدهم وصدق ظنونهم، وكان عند حسن ظنهم به، وعلينا عندما نحسن الظن بربنا ونتوكل عليه أن نعمل ونبذل كل ما نقدر عليه من أسباب شرعية، ومن أسباب نافعة منضبطة، بما يحقق المصلحة ويوافق الشرع؛ فنبذل ذلك ولا نقتصر على مجرد التوكل وحسن الظن، بل لا توكل ولا حسن ظن لمن ترك العمل بالأسباب التي يقدر عليها.

وتأمل إلى هذه القصص، فموسى وقومه كانت وسيلتهم الهروب والفرار، ولكن هذا الذي يقدرون عليه، لم يقل الله لهم: لماذا هربتم؟ وإنما بالهرب نصرهم مع حسن ظنهم وتوكلهم على الله، أو توكل موسى بدرجة أساسية، وأصحاب طالوت ومن معهم من المؤمنين بذلوا ما يقدرون عليه، وواجهوا جيش لا مقارنة بينهم وبينه، حتى يقال: إن داود لما قتل جالوت، ما قتله بمدفع ولا برشاش ولا بقنبلة ولا حتى بسيف ولا بسكين، وإنما بالقذافة وهو المقلاع وضع فيه حجارة وقذفه على جالوت؛ فقتله الله سبحانه وتعالى، استعمل ما يقدر عليه وكفى.

4- نلاحظ أيضاً - في القصص الثلاث طبعاً - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بذلوها من أسباب معروفة: ومن أهمها أنهم حفروا الخندق الذي يقيهم من عدوهم، وفي القصص الثلاث - أن الرسل والمؤمنين لم يعلقوا آمالهم ولم يضعوا رجاءهم ولم يربطوا مصيرهم بأي مخلوق وإنما كل ذلك في الله سبحانه وتعالى، بل أخلصوا ذلك لله وحده، وعلينا إن أردنا أن يخرجنا الله من أزمتنا أن نقتدي بهم في ذلك، فلا نأمل ولا نرجو ولا نربط مصيرنا بأي مخلوق في الداخل ولا في الخارج من أبنائنا ولا من أعداءنا، فأبناؤنا أضعف من أن نعلق عليهم الآمال، القيادات التي تتركز أمام كاميرات الإعلام وفي الصحف وتتنقل في الفنادق وتتربع على الكراسي قد يكون منهم مخلصون، ولكن لو فرضنا أنهم جميعاً مخلصون فهم أضعف من أن يعلق عليهم الأمل والرجاء، فلا نعلق آمالنا عليهم، أما أعداؤنا فأعداؤنا - الظنون الصادقة والآمال الناصعة واليقين الكامل يجب أن يكون في أنهم يعملون على إغراقنا لا على إنقاذنا، فكل شواهد الأحوال تدل على ذلك، فقد حذر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء:74-75]، وحذرنا جميعاً حذر الأمة كلها فقال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود:113]، تخسرون ولاية الله، تخسرون معية الله، تهدمون عقيدة الولاء والبراء، ومحض التوحيد الذي يجب أن يكون لله؛ ثم النتيجة لا تُنصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة، نسأل الله العافية، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يحسن الظن بالله، ويحسن التوكل عليه، ولا يلتجأ إلا إليه، وإلا فقد ينالنا قولُ الشاعر أن نلوم أنفسنا بعد ذهاب الأوان:

أبعينِ مفتقر إليك نظرتني *** فأهنتني ورميتني من حالق

لست الملوم أنا الملوم لأنني *** علقت آمالي بغير الخالق

أرجو الله عز وجل أن يجعلنا من الظانين به الظن الحسن، وأن لا يكلنا إلى ظنوننا بأعدائنا فنندم، كما قال هذا الشاعر، أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد والثناء، والوصية بالتقوى:

أيها الاخوة المؤمنون:

هذا اليوم يصادف يوم الاستقلال الوطني لنا في هذه البلاد، ولا شك في عظمة الاستقلال عن الأعداء، عن الكافرين، عن المستعمرين، وأن الآمال كانت كبيرة وعظيمة لأبناء تلك المحافظات، وتلك المشيخات والسلطنات والبلدان التي رفع عن كاهلها كل المستعمر البغيض، بعد تضحيات وقتال وكفاح وشهداء وآلام ومعاناة، فالحمد لله الذي أذهبه إلى غير رجعة إن شاء الله.

لكن أيها الإخوة ينبغي أن نعلم أن الاستقلال ليس فقط من هيمنة المستعمرين العسكرية والسياسية، ولكن الاستقلال أن نستقل عنه في كل شيء: نستقل عنه في المبادئ، نستقل عنه في النظم، نستقل عنه في التفكير في الثقافة، نستقل عنه أيضاً في السياسة، ونستقل في الاقتصاد، ونستقل في جميع جوانب حياتنا كما ذكرت قبل جمعة أو جمعتين عن الهجرة، وكيف كانت هجرة الرسل ورسولنا صلى الله عليه وسلم فراراً كاملاً من الشرك والمشركين، والتجاء كاملاً إلى الله رب العالمين، أما أن يخرج جنده وسلطته ثم تبقى مبادئه وتشريعاته وأخلاقه وقيمه؛ فإن الاستعمار لم يخرج، والاستقلال لم يحصل، بل هو ارتاح من الإنفاق علينا وكلفنا بما يريد، إن أسوأ مما جرى أن هذا المستعمر أراد النكاية بنا، فلم يخرج لنا مولوداً من صلب آبائنا، ولا من أرحام أمهاتنا، ولكنه أعطانا شيئاً غريباً عنا، وكائناً لا يمثلنا؛ فسلَّمنا لمن يحمل مبادئ غير مبادئنا، وثقافة غير ثقافتنا، ومنهجاً غير منهجنا؛ لينتقم بهم منا، وفروا من استعمار فيه تحضر، وفيه نوع من القيم والمبادئ إلى استعمار أسوأ وأخبث إلحاداً، وكتم للحريات، وكما هو معروف حال الشيوعيين والمنظومة الاشتراكية، وذاك ما جر البلاء، نسأل الله أن لا يعود علينا ذلك البلاء، ودارت الأيام دوراتها، وجاءت الوحدة، وتحقق شيء مما نريد من الحرية ومن بعض المنجزات؛ لكن المتسلطين والمتنفذين والذين يفكرون بعقليات المستعمرين لم يدعوا لنا ذلك، ولم يدعونا نتمتع بذلك، بل انقلبوا علينا واذا بنا نعيش في حالة مزعجة، فرّج الله بالثورة، وفرج بالحركة الجنوبية وذهب أولئك، أو تواروا في زوايا، ثم جاء طور آخر، لكن الذي حصل في الاستقلال الأول يحصل الآن، يغرقون مرة أخرى في الوصايا والاستعمار كما ذكرت ذلك في الخطبة الآنفة الذكر، فعلينا بارك الله فيكم أن نحسن الظن بالله، وأن نتوجه اليه، وأن نطلب النصر منه، وأن نلغي الآمال والظنون والرجاء من كل عدو من أعداءنا.

عباد الله:

كلمة قصيرة أخيرة: بالأمس برزت مبادرة طيبة هي تجمع إعداد من الشباب والطلاب ومكونات كثيرة للمطالبة بإخراج القات من داخل مدينة المكلا، هذه مبادرة طيبة وهدف نبيل على خطى التخلص الكامل من القات، وتعلمون أن من هذا المنبر كم مرة قد تكلمت في هذا، وقد حرمت القات، ودعوت إلى التخلص منه، فنحن مع مبدأ التخلص من القات ولو بالتدريج، لكني أنصح أبنائي القائمين على المبادرة والعاملين في الساحة

أولاً: بالإخلاص لله، والتجرد لا تكون المبادرة من أجل هوى، ولا من أجل مطمع، ولا من أجل نكاية بأحد، بل يكون عملهم ذلك لله رب العالمين، لا يريدون أن ينتقموا به من أحد، ولا يكيدوا به لأحد، ولا يحققوا به مصالح لأحد لا أنفسهم ولا غيرهم.

ثانياً: الانضباط في حركتهم وفي تخطيطهم بالضوابط الشرعية وبالأخلاق المرعية التي نحن أهلها، أخلاق آبائنا وأجدادنا السلمية ذات المحبة والمسامحة والحركة الحضارية، والعمل الحضاري، وأن يرفضوا الفوضى، وأن لا يسمحوا لأحد أن يندس بين صفوفهم ممن يحدث هذه الفوضى.

ثالثاً: أن يكونوا قدوةً لغيرهم، لا يصلح في الصباح يتظاهرون ضد القات، وفي المساء يخزنون هذا لا يصلح أبداً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2-3]، فبارك الله في جهودهم، وحقق آمالهم، ونحن - إن شاء الله - جميعا ًنكون معهم، ولكن بهذه الضوابط وبهذه الشروط، وبعد ذلك إن رأينا انحرافات في المقاصد أو الخطط أو في السلوك؛ فإنا لن نقف معهم أبداً نسأل الله أن يسدد ويوفق.