arrow down

عاشوراء بين فريضتي الشكر والصبر

خطبة لفضيلة الشيخ / أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة، وأياديه السالفة والراهنة , وأشكره على ما سر وساء، وأكرر حمده وشكره صباح مساء، والصلاة والسلام على من وضع لأمته في باب الشكر والصبر منهاجاً، وفتح لأتباعه في مواجهة البلاء سبلاً فجاجاً، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله:

أيها الإخوة المؤمنون:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم:5-6].

في الآية الأولى: يخبر الله تعالى عن إرسال موسى إلى بني إسرائيل لإخراجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك والجهل والانحراف وظلمات الاستعباد والامتهان الذي فرضه عليهم فرعون، فأرسل الله موسى لإزالة ذلك، وأمره أن يُذكر قومه بأيام الله التي حدثت لهم فيها النعم، وتحقق لهم فيها النصر، ووجدوا فيها مآربهم ومبتغاهم، وانتقم الله فيها من عدوهم.

تلك الأيام الفاضلة سماها الله أيام الله، وأمره أن يذكرهم بها، فكان مما ذكرهم أن قال لهم:

{اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} الذي أنجاكم من عدوكم فرعون وأغرقه، وأزال ملكه وسلطانه، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، هذا كله حصل في يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي خرج فيه موسى ببني إسرائيل هاربين خائفين يترقبون، وما شعروا إلا وقد حُصروا بين البحر والعدو؛ فتلفت بنو إسرائيل فرأوا أمامهم البحر وخلفهم العدو، فقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] قال: {كَلَّا إِن َّمَعِي َرَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62] ففلق الله لهم البحر، وجازوه يمشون، ودخله فرعون وقومه فأطبق عليهم، وأهلكوا عن آخرهم، هذه أعظم نعمة، لذلك فإن موسى عليه السلام بقي يتذكر ذلك اليوم، وما أنعم الله به عليه ويذكِّر به قومه، ويشكر عليه ربه فصامه وصامه اليهود من بعده اقتداءًَ بنبيهم عليه السلام.

فورد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوجدهم كذلك؛ فسألهم لم َيصومون ذلك اليوم؟ فقالوا: «قالوا هذا يَوْمٌ صَالِحٌ هذا يَوْمٌ نَجَّى الله بَنِي إِسْرَائِيلَ من عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قال فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»(1) وكان صيامه في أول الإسلام فرضٌ كصيام رمضان، فلما فرض رمضان بقي صيامه من السنن. وفي ما تقدم فؤاد عديدة منها:

1- أن من وسائل الدعوة النافعة التذكير بأيام الله وبنعمه على عباده الصالحين ونقمه على المعاندين الكافرين.

2- أن الأيام التي حصلت فيها النعم أيام عظيمة صالحة نسبها الله إليه، وهذه نسبة تشريف وتكريم، فسماها أيام الله، وأن التذكير بهذه الأيام وبما وقع فيها من النعم على المسلمين، أنها من سنن المرسلين بل بما أمر الله به رسوله موسى عليه الصلاة والسلام بها.

كذلك يستفاد من هاتين الآيتين وغيرهما من قصة موسى وفرعون وكيف انقلب الخروج والفرار ببني إسرائيل حيث خرج فاراً بهم وبأنفسهم ودينهم وأعراضهم، فجعل الله في فرارهم نصراً مبيناً وعزاً كبيراً، ومجداً وتمكيناً في الأرض، وبالعكس عدوهم القوي الممكن صاحب الجند والسلاح والسلطة هو الذي خسر وأُهلك وزالت دولته.

إن ذلك يشعر بأن رب العالمين مع عباده المؤمنين، وهو ناصرهم وإن كانوا ليسوا على المستوى المطلوب، فبنو إسرائيل في ذلك الوقت لم يكونوا أنقياء من السلوكيات الخاطئة، وإن كانوا مقارنة بغيرهم من الأمم هم الأفضل، فاستحقوا أن ينصرهم الله ويصطفيهم، وهذا يعطينا الأمل بأن أمة الإسلام سينصرها الله مع ما فيها من تفرق واختلاف وضعف إلا أنها خير الأمم الموجودة، فنحن نؤمل في الله أملاً كبيراً ودلائل ذلك بدت في البلدان التي زال عنها الطغيان وأُعطوا الحرية، وقامت عندهم الانتخابات، فلم يعطوا أصواتهم إلا لأهل الإسلام ودعاته؛ مما يدل أن الأمة لا تبتغي بالإسلام بديلاً، وأنهم عرفوا خطأ المناهج الأخرى من اشتراكية وعلمانية وليبرالية؛ فأقبل المسلمون على الإسلام والإسلاميين.

والدليل الثاني: على أننا على أبواب تمكين للإسلام، وأن الغرب الذي كان يقف بقوة أمام كل مظهر إسلامي وتوجه إسلامي استسلموا اليوم لرغبات المسلمين،ولم يتدخلوا لحب في الإسلام ولرضا عن المسلمين، ولكنهم مضطرون في ذلك، شاعرون أنهم لن يستطيعوا أن يقفوا في وجه التيار؛ مما يدل على أن نصر الله قريب وسيعيد الله لنا مجدنا وعزنا وتمكيننا وسيادتنا وسعادتنا بإذن الله.

أيها الإخوة المؤمنون:

إن تلك الأيام العظيمة يجب أن تشكر، وقد شكر الرسل ربهم على ذلك كما فعل موسى بعد أن نجاه الله صام وأمر قومه بصيامه؛ ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم سبب صومه أمر أمته بصيامه، وكان يصوم يوم الاثنين فلما سئل عن ذلك قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فيه وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أو أُنْزِلَ عَلَيَّ فيه»(2) وإن الشكر الذي يشكر به الرسل ربهم هو الصيام وليس الاحتفالات الماجنة والأغاني الهابطة وليس الفوضى والاختلاط.

إن الأيام العظيمة إذا لم يشرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئاً، فلا يجوز لنا أن نخترع لأنفسنا عبادة من قبل أنفسنا.

أيها الإخوة المؤمنون:

كما كان يوم عاشوراء لبني إسرائيل نعمة، فإنه كان محنة لهذه الأمة؛ لأنه قتل فيه سبط رسول الله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة رضي الله عنه، وقتلُه من أعظم النوازل والمصائب، غير أن واجبنا أن نقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" هذا واجب المسلمين عندما تنزل بهم النوازل، لكنَّ فئةً من الناس وهم الرافضة الذين أسس فرقتهم عبد الله بن سبأ اليهودي، وكانوا خليط من الفرس والمجوس واليهود، دخلوا في الإسلام واستمالوا عدداً من جفاة الأعراب المسلمين، وتدثروا بمحبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلوا يحاربون الإسلام من خلال ذلك، فحولوا هذه المصيبة إلى عامل هدم وسهم طعن في خاصرة الإسلام والمسلمين

فهم من خلاله فعلوا الأفاعيل الكثيرة، كذبوا على الله فأتوا بأحاديث قدسية منسوبة إلى الله لم يقلها الله، وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بأحاديث كثيرة في هذا اليوم وفي لعن مخالفيهم وفي فضل ما يفعلونه، حتى السموات والنجوم والسحاب لم تسلم من كذبهم، ثم أتوا إلى أتباعهم فعلموهم من الحماقات والخرافات والضلالات الشيء الكثير، يضربون رؤوسهم بالسيوف وظهورهم بالسلاسل وصدورهم بالعصي والسكاكين، وفي أثناء ذلك يسبون أعداء الحسين ويقصدون بهم أهل السنة من الصحابة وتابعيهم.

وأما اليوم فقد انضم لأهدافهم الدينية وانحرافاتهم الطائفية أهداف سياسية، وهذا سيكون له تبعات أكبر وأكبر كما هو مشاهد، وأوصي بتتبع القنوات التي تنقل ما يفعلونه مثل قناة صفا ووصال وغيرها.

الخطبة الثانية

أسس الشيعة الرافضة دولتهم دولة الآيات في إيران، وبدأوا بمبدأ تصدير الثورة، بدأوا يعدون الخطط الجهنمية لذلك، وحاولوا أن يكون لهم أطراف ووكلاء ومندوبون في جميع بلاد المسلمين، ومنها بلادنا اليمن، وعرفوا كيف يختارون فاختاروا صعدة المركز الأول للزيدية والتي يوجد بها فرقة تخالف الزيدية نفسها في كثير من أصولها وعقائدها اسمها (الجارودية) أشبه ما تكون برافضة إيران، فتواصلوا معهم ووجدوا دعماً وللأسف الشديد -والسياسة لعينة خبيثة تجعل صاحبها يبيع دينه أحياناً ويبيع وطنه وشعبه ولا يبالي بأي شيء فعل- وجدوا دعماً من الداخل وإمداداً من الخارج وتهيئة وتهييجاً من جوانب مختلفة، فانتشروا وأسسوا هذه الجماعة وحصل معها ما حصل، وكلكم اطلع على ما حصل، وآخر أفعالهم هو ما يفعلونه اليوم من حصار ظالم لمركز دماج، وقتل لأبناء هذا المركز بينهم نساء وأطفال، وهم ليسوا متجهين لمركز دماج فقط وإنما يتوسعون في جميع المحافظات، ولهم بذور ومقدمات وجواسيس وأتباع هنا في حضرموت، وقد بدأوا يتحركون ويوزعون ملازم معلمهم وإمامهم حسين بدر الدين الحوثي، وهم آتون إن لم ننتبه لهم، فعلى الجميع أن يحذر من كيدهم ومكرهم نسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم.

أيها الإخوة المؤمنون:

يجب الحذر، كما يجب على المسلمين أن يرصوا صفوفهم ويوحدوا كلمتهم ويحذروا من كل من يريد أن يتسلل في أوساطهم، أو يبذر الغرسة الخبيثة بين ديارهم ومجتمعهم، وهذا لن يكون إلا بوحدة الكلمة وقوة الصف، ولعلنا في المرحلة التي نعيشها اليوم ويستبشر بها الناس أن تتوحد كلمتنا، ولكن للأسف الشديد الذي نراه في تعز من قصف وقتل وحرب هو أيضاً لا يبشر بخير، ويجعل المتتبع يكاد يوقن بأن وراء الأكمة ما ورائها، وأن هناك من لم يرضه استقرار اليمن ووحدة اليمن وقوتها وخروجها من أزمتها ومأزقها، وندين ذلك بأشد ما ندين به كل تصرف سيئ وكل دم معصوم أريق بغير حق فيجب علينا أن ندينه وننكر على من يفعله.

_______________

(1) متفق عليه عن ابن عباس، رواه البخاري (2/ 704) رقم 1900واللفظ له، ومسلم (2/ 796) رقم 1130.

(2) رواه مسلم عن أبي قتادة الأنصاري (2/ 819) رقم 1162.