arrow down

الجرعة والواجب على الراعي والرعية

خطبة لفضيلة د. عبدالوهاب بن محمد الحميقاني ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

عباد الله! إن دين الإسلام بأحكامه وشرائعه وآدابه بأوامره ونواهيه، بتقريراته وأخباره، يؤول إلى تحقيق مصالح خمسة للناس، فالشريعة كل أحكامها جاءت ودارت حول حفظ خمس مصالح للناس، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وأي حكم من أحكام الإسلام لا ينفك من أحد هذه المصالح الخمس، وهي الكليات الخمس، التي ما نزلت شريعة من شرائع الله إلا لتحقيقها وتكمليها وحفظها في الناس.

ومن هذه المصالح مصلحة المال، جاءت الشريعة لحفظه وتكميله وضبطه، لماذا؟

لأن حياة الناس لا تقوم إلا بال، ومصالح البعاد لا تتم ومعاشهم لا ينتظم إلا بكسبه وجمعه؛ ولذلك جعل الله الليل لباساً، وجعل النهار معاشاً، وجبل النفوس والطباع على حب المال، وركب في النفس البشرية الحرص على كسبه وجمعه، وأمرنا الله عز وجل في كتابه أن نمشي في مناكب الأرض؛ لنبتغي من فضله ونأكل من رزقه، فأصبح مقرراً أن طلب المال وجمعه والسعي في تحصيله أمر واجب شرعاً مطلوب جبلة وطبعاً.

لكن الإسلام لم يترك السعي في طلب الرزق كلأ مباحاً يرتع فيه الإنسان من أي مكان، ويأخذ ما شاء ويترك ما شاء، لا، جاء الإسلام وجاءت شرائع الإسلام لحفظ هذه الكلية حفظ المال، جاءت بقيود وشروط وأحكام وآداب، بينت أعمالاً مباحة ووسائل محمودة يتحصل بها المال، وجعلت قيوداً وشروطاً وحدوداً حرمت على المسلم أن يتجاوزها وأن يتعداها في تحصيل المال.

وخلاصة هذه الحدود والقيود والشروط تعود إلى تحصيل المال الطيب الحلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيب، وأمرنا بأكل الطيب قائلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172].

إذاً: فكما أن طلب الرزق مأمور به شرعاً، مطلوب جبلة وطبعاً، فإن تحري الحلال والطيب من الرزق أمر لازم وحتم واجب على كل مسلم ومسلمة.

لكن في هذه الأيام ضاقت بالناس سبل العيش وقل ما في اليد، واشتدت المئونة وغلت الأسعار ووجد الناس في سعي الرزق وفي طلبه وتحصيله وجمعه كداً وعناء، وأغلقت الدور والأبواب على أسر لا تجد ما تقتات ولا ما تأكل، وظهرت مظاهر تفش الفقر في المجتمع، وتولد من ذلك التفلت من الفضائل والتمرد على الأخلاق، وظهرت في شعب اليمن أخلاق ما كنا نعهدها، وذهبت المروءات، بسبب تنافس الناس على لقمة العيش.

فأصبح الناس أو جل الناس لا هم لهم إلا أن يحصلوا على المال من أي باب ومن أي وجه، فالحلال عندهم ما قدروا عليه والحرام عندهم ما عجزوا عن تحصيله، وكان الواجب في ظل هذا الظرف كان الواجب على من والاه الله أمر هذه البلاد أن يسعى في تخفيف المعاناة على هذا الشعب، وأن يبذل الجد والوقت والتخطيط والفكر لفتح أبواب الرزق وأماكن تحصيل العمل وتخفيف المعاناة على الناس ورفع المئونة وتخفض الأسعار، وتوزيع الثروات بالعدل والقسط، كان هذا هو الواجب المتوقع ممن ولاه أمر هذه البلاد لكن فوجئ الناس بقرار حكومة اليمن في اليومين الماضيين، قرار جائر ظالم باغ، لم ينظر في حال الشعب ولا ما يسعده ولا ما يصلحه، نظروا إلى مصالحهم أو إلى شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لم ينظروا في حياة الناس.

وخرج علينا رئيس الوزراء يبرر جرعته الظالمة، بأنها في مصلحة المواطن وفي خير الناس، وكأنهم عجماوات لا يعقلون، يقول لهم: تجويعكم ورفع الأسعار وتشديد المئونة على الفقراء من الناس لأن جل الشعب اليمني تحت مستوى خط الفقر، يقول لهم: ذلك في مصلحتكم، فأنى يقبل وكيف يعقل ويتقبله الإنسان الذي لا يجد لقمة يملأ بها بطنه ولا بطن من يعول؟

لكن هو يقول ذلك لأنه تربع في قصره، وركب أحسن المراكب، ولا هم له إلا متابعة أرصدته التي تصعد وتهبط في البرصات العالمية، ولا يعرف حال الناس، ولم يجد غصة في السعي على أكل أولاده وأكل من يعول، فتفاجأ الناس بهذا القرار، وكان قراراً جائراً ظالماً، وكان على الحكومة أن تتأنى فيه وأن تدرسه قبل أن تنفذه، وقبل أن تخرجه للناس، وأن تسعى وسائل تحصيل الرزق للناس وتوسيعها، لكن جهلوا أو تجاهلوا أن الشعب اليمني جله أكثر من 75% من الشعب اليمني تحت مستوى خط الفقر، أي: كلهم من الفقراء والمساكين، أي: جل الشعب اليمني يحتسي الفقر ويقتات المسغبة، فكان الواجب على من ولاه الله أمر هذه البلاد أن يسعى في تخفيف أمر هذه المعاناة، لكن حدث ما حدث، وأنزل القرار، وكان صدمة على الناس؛ لأنهم كانوا يرجون انفتاحاً وانفراجاً.

كل ما قلنا عساها تنجلي *** قالت الأيام هذا مبتداها

رأوا في هذا القرار ظلماً، لكن جاءت ردة الفعل ردة غير موفقة، فخرج الناس في اليومين الماضيين في صنعاء وفي غيرها من مدن اليمن، خرجوا إلى الشوارع، وحق لهم أن يخرجوا وحق لهم أن يحتسبوا، وحق لهم أن يعترضوا، وحق لهم أن يطالبوا بإقالة هذه الحكومة العاجزة عن رغد العيش للناس.

لكن جاءت ردة الفعل غير موفقة، فرأينا سرقة لأموال الناس، وتكسيراً لسيارات الناس، وأخذاً لدكاكين الناس، وتجرأ وتدميراً على الممتلكات، وهذا في حقيقة الأمر لا يرضى به مؤمن ولا يقبل به عاقل، ولا يعالج المشكلة، بل زاد الأمر سوءً أن سقط من أبناء اليمن في أثناء هذه الأحداث أكثر من ثلاثين نفس مسلمة معصومة، قتلت بسبب هذه الأحداث.

فنقول للرعية: رويداً رويداً، فالإنكار حق، والاعتراض حق، ومطالبة الحكومة بالعدل والانصاف حق، لكن لا يقابل الظلم بظلم، بأي حق تحرق سيارة أخيك المسلم؟ بأي حق تتقحم دكان أخيك المسلم؟ بأي حق تهجم على ممتلكات عامة فتدمرها وتبددها؟ بأي حق؟ لا هم لك إلا نفسك، وسعيت في تحصيل المال بطريق غير مشروع، فآذيت وارتكبت الحرام، وهذا لا يجوز لك، وهذا من خرق حفظ المال، فكما أن الحكومة ضيعت حفظ المال في الناس، وبددته ولم تسع في رعاية مصالح الناس في أموالهم معاشهم، فأنت يا منت اعترضت بذلك الأسلوب ركبت نفس الخطر.

إذاً يا عبد الله! أنت مطالب شرعاً أن تتحرى الحلال، وأن تسعى في كسب الرزق، فإذا جاءك الحلال وإن قل مع تقوى الله عز وجل فلا تبال بما فاتك من الدنيا.

أخرج الطبراني والإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كنت فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا، حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة».

فإذاً عف مطعمك ومشربك وتحريت الحلال بعد تقوى الله عز وجل فلا تبال بما فاتك من الدنيا.

فاتقوا الله عباد في أموال المسلمين، ومهما غلت الأسعار، ومهما جار السلطان فلا يجوز لمسلم أن يتعدى على أموال المسلمين.

وأما الأرواح التي ذهبت سبحان الله! بأي حق يوجه المسلم السلاح إلى أخيه المسلم، سواء كان مواطناً أو شرطياً، بأي حق؟ كيف طابت نفسه؟ كيف طابت نفسك أن توجه السلاح إلى أخيك المسلم لقتله؟ وحفظ الأنفس وصون الدماء بعد حفظ الدين أعظم كلية في الإسلام يجب المحافظة عليها، لا يجوز لك أن توجه السلاح إلى أخيك المسلم شرطياً كنت أو مواطناً، كيف تقتله؟ بأي حق؟ من أجل مال أو من أجل مظاهرة، لا.

لا يعالج العنف أيضاً بجريمة أكبر، لا تعالج هذه الأحداث بإزهاق الأنفس، فحفظ النفس أمر عظيم في الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم يقول: «من أشار إلى أخيه -أي: أخيه المسلم- بحديدة لعنته الملائكة حتى يدع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».

فإذا أشرت بحديدة إلى أخيه المسلم تخوفه بها لعنتك ملائكة الله حتى تدع ذلك، وإن كان أخاك من أبيك وأمك، فكيف طابت نفسك بتوجيه الرصاص إلى إخوانك المسلمين؟!

بل بين النبي صلى الله عليه وسلم عظم قتل المسلم في هذا الدين، وأنه أعظم من زوال الدنيا، فأخرج ابن ماجة عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم بغير حق».

فنقول: يا عباد الله! حكموا العقل وحكموا قبل ذلك الشرع، واحفظوا الأنفس والأموال سواء كان من جانب الحكومة أو من جانب الناس، فلا يجوز مهما كانت الأمور أن تصل إلى إتلاف الأموال وإلى إزهاق الأنفس والأرواح، ولذلك على المسلم أن يتحرى في أمره ونهيه ألا يرتكب منكراً، ومن ذلك قتل الأنفس المعصومة، وأخذ الأموال المحترمة.

لكن هل ما جرى فيه عبرة رغم مأساته؟ رغم سقوط أكثر من ثلاثين قتيل من المسلمين؟

رغم تدمير كثير من الممتلكات؟ هل فيما حدث عبرة؟ هل يتراجع رئيس الوزراء عن قراره؟ وهل يرحم هذا الشعب من غلاء الأسعار وشدة المئونة؟

وإذا كانوا عاجزين عن تحقيق رغد العيش للناس بالسبل المشروعة فليتركوا الوزارة وليبقوا في بيوتهم، لكن لم يركبوا ولم يسوقوا، عجزوا عن تحقيق رغد العيش للناس فعالجوه بقرارات جائرة وظالمة.

فنقول لهم: اتقوا الله في الناس وارحموا الناس، فالشعب اليمني قد بلغ به السيل الزبا، وتجاوز الحزام الطبيين، ولم يجد كثير من الناس ما يأكلون ولا ما يقتاتون، فارحموا الناس، فمن لا يرحم لا يرحم، قال النبي صلى الله عليه وسلم –في صحيح مسلم-: «من لم يرحم الناس لم يرحمه الله».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم -كما روى عنه البخاري-: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

بل حرص النبي صلى الله عليه وسلم ليس على رحمة الإنسان بل حتى الحيوان نهى أن يجاع أو أن يشق عليه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رآه –أي: الجمل رأى النبي صلى الله عليه وسلم- فلما رآه حنَّ وذرفت عيناه -صاح الجمل وبكى الجمل لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم- فمسح ذفراه فسكت، ثم قال: «من يملك هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: أفلا اتقيت الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها! لقد شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه» أي: أنك تجيعه وتتعبه، «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها! فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه».

ونحن نقول: أفلا تتقون الله في شعب اليمن الذي ملككم الله أمره؛ فإنكم قد أجعتموه وأشققتم عليه، فكونوا رحماء بإمتكم، وتولوا الواجب الذي أوكل إليكم، فالواجب عليكم أن توسوا الأمة بالدين، وأن تحفظوا مصالحها، وأن تحققوا لها رغد العيش، فإن عجزتم عن ذلك فأسلموا الأمر إلى أهله، وابقوا في بيوتكم.

كان السلف الصالح من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، يهتمون ويغتمون لأمر أمتهم، ولشكوى الناس ولحاجة الناس؛ لأنهم يعلمون أن حاجات الناس في رقابهم، وأن الله يوم القيامة إذا سأل كل إنسان عن نفسه، فإنه بمن ولاه الله أمر المسلمين، يأتي به الله فيسأله عن جميع المسلمين.

ذكر الخطيب البغدادي -في تاريخ بغداد بسنده-: أن أعرابياً جاء إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وعمر خليفة المسلمين، فوقف الأعرابي أمام عمر فقال:

يا عمر الخير جزيت الجنة.. جهز بنياتي وأمهنه.. أقسم بالله لتفعلنه

أحد الرعية يأتي إلى الخليفة يطلب منه ثياباً لزوجته وبناته، ويقسم عليه أن ينفذ أمره، بجرأة لأنه يعلم أن الخليفة وأن الرئيس وأن الحاكم هو وكيل للأمة، وأنه ملزم بتحقيق مصالح الناس، وتيسير معاشهم.

يا عمر الخير جزيت الجنة.. جهز بنياتي وأمهنه.. أقسم بالله لتفعلنه..

قال عمر: وإن لم أفعل يا أعرابي يكون ماذا؟ قال: أقسم إني لأمضينه، قال: وإن مضيت يكون ماذا؟ قال: والله عن حالي لتسألنه.. يوم تكون المسألات ثمة.. والواقف المسئول بينهنه.. إما إلى نار وإما جنة..

فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه حتى اخضلت لحيته، وقال لغلامه: والله لا أملك إلا هذا الثوب، أعطه إياه لذلك اليوم، يوم تكون المسألات ثمة.. والواقف المسئول بينهنه.. إما إلى نار وإما جنة.

أعطوه لذلك اليوم لا لشعره.

فنحن نقول: إن لم ترفقوا بالناس، فسيأتي اليوم الذي سيقف فيه الناس بين يدي الله، الظالم والمظلوم، المواطن والمسئول، يوم تكون ثم المسألات ثمة، أي: هناك، يوم يكون السؤال بين يدي الله.

يوم تكون المسألات ثمة.. والواقف المسئول بينهنه.. إما إلى نار وإما جنة.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، ثم أما بعد:

عباد الله! عندما تأتي هذه الأحداث وترتفع الأسعار وتشتد المئونة، كثير من الناس، لا يحسب إلا الأسباب المادية الظاهرة أمامه، فيرجع اللوم في الأصل وفي النهاية إلى الحكومة، وإن كان عليها لو كبير، لكن ينسى اللوم الذي على نفسه، وأنه لا يحل بالإنسان ذنب ولا يحل بالناس فساد، إلا بما كسبت أيديهم، ينسى ما كسبت يداه.

الناس يريدون رخص الأسعار، وسعة العيش، ورغد الحياة، وهم قد فرطوا في أمر الله، ولم يقوموا بدين الله، فيا سبحان الله! يتناسون عقاب الله وعذابه، قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41].

فهل يرجع الناس إلى بهم؟ وهل يراجعوا فرائض الله في أنفسهم؟ وهل يراجعوا حرمات الله عندهم؟ كيف هم مع الدين؟ هل التزموا الفرائض؟ هل اجتنبوا المحرمات؟ هل قاموا بأمر الدين؟ هل غاروا على حرمات الله والمسلمين؟

سبحان الله! عندما أصيبوا في دنياهم تغمروا وخرجوا و خرجوا إلى الأسواق والشوارع يدمروا وينهبوا، لكن إذا نقص الدين في حياتهم أو في حياة المسلمين، لم يلقوا له بالاً ولم يلتفتوا إليه، وكأن دنياهم عندهم أعظم من الدين.

يا سبحان الله! لا ريب أن المسلم وأن الإنسان كما تكلمنا في أول الخطبة، مطلوب بتحصيل الرزق، وتحصيل ما يصلح معاشه، وهذا من الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم -كما في مسلم- كان يجمع بين الأمرين في دعائه قائلاً: اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، لكن اليوم نرى الناس لا يسعون إلا لصلاح دنياهم دون أخراهم، فعليهم أن يتنبهوا وأن الدين مقدم على الدنيا، ما هي هذه الدنيا في مقابل الدين؟ والله أنها أحقر من جناح البعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافر شربة ماء.

أخرج الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بالسوق داخلاً من العالية من عالية المدينة، وكان الناس كنفيه –أي: كان الناس على جانبيه- قال: فإذا بجدي أسك ميت –الجدي ولد الماعز وهو أسك أي: ملتصق الأذنين أو معدوم الأذنين ميت جيفة- فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه بأذنه –علق هذا الجدي- فقال للصحابة: من يحب أن يكون هذا له بدرهم، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، ماذا نصنع به؟ جيفة ميتة من يشتريها بدرهم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبون أن يكون لكم بلاش، قالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً أنه أصك، فكيف وهو ميت» يقول: لو أعطيتناه حي ما قبلناه؛ لما فيه من العيب، فكيف تعطينا إياه وهو جيفة ميتة؟ من يقبلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالله للدنيا أهون على الله من هوان هذا عليكم».

الدنيا بما فيها بأموالها وقصورها وخيراتها ونعيمها أهون على الله من هوان جيفة الجدي على الناس، فالدين منزلته في الناس عظيمة، تبذل له الأموال ويضحى بالنفوس من أجله، فأين الغيرة على الدين وعلى حرمات الله في الناس؟

النبي صلى الله عليه وسلم كان يسعى في صلاح حياة الناس، لكن قبل ذلك كان يسعى في صلاح الدين، ولذلك كان في دعائه صلى الله عليه وسلم –كما روى النسائي-: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر ومن الفقر» كان يقرن بين الكفر والفقر.

وكان في دعائه أيضاً كما روى البخاري عن عائشة كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» كان يقرن في الدعاء بين المأثم والمغرم، ويقرن في الدعاء بين الكفر والفقر لماذا؟

لأن الفقر والمغرم الدين إذا حل بالناس أفسد حياتهم، والكفر والمأثم إذا حل بالناس أفسد أخراهم. فلذلك على المسلم أن يسعى في صلاح دنياه، وقبل ذلك أن يسعى في صلاح أخراه، وهذا هو الذي يجب على الناس أن ينتبهوا له وأن يتعظوا ويقول في نفسه: كم عطلت شرائع! وكم فرط في فرائض! وكم ارتكبت المحرمات! وكم انتهكت من حرمات! فلم نر للناس حركة ولا احتساباً ولا تغييراً، ولكن عندما أصيبوا في دنياهم سعوا للتغيير بمراتب الإنكار الثلاثة، وهذا يدل على أن الناس قد ضعف إيمانهم؛ لأن من يتحرك لديناره ودرهمه ولا يتحرك لدينه فليس من عباد الله المؤمنين، لكنه من عباد الدينار والدرهم، الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما في البخاري: «تعس عبد الدينار والدرهم، تعس عبد الخميصة والقطيفة، إذا أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش».

حلت به التعاسة فكيف سيأتي رغد العيش؟ وكيف سيأتي النعيم؟ وكيف سيأتي الرزق؟ وكيف سيأتي الله لنا بالسلطان العادل ونحن عبيد للدينار والدرهم لم نقم بحق الله في دينه؟

فيا عباد الله! قبل أن تحتسبوا على دنياكم اغضبوا واحتسبوا لدينكم، وإذا احتسبتم فإياكم إياكم أن تغيروا المنكر بمنكر أعظم منه، إياكم ودماء المسلمين، إياكم وأموال المسلمين، إياكم وحرمات المسلمين، فلا يجوز لمسلم أن يتعدى عليها، ومن تعدى عليها فقد وقع في الإثم المبين، وإن قلت الحياة، وإن قل الرزق، وإن شح ما في اليد فلنصبر ولنحتسب، ولا يؤدي بنا غلاء الأسعار وجور السلطان إلى ارتكاب الذنوب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وجهنا قائلاً –كما روى ابن حبان والحاكم بقوله-: «إن روح القدس –إي: جبريل- نفث في روعي –أي: في قلبي- أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها» اطمأنوا الرزق سيأتي، والأجل لن ينقص، حتى تستوفي رزقها وأجلها، فالمطلوب «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على طلبه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته».

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير؛ إذ أمركم الله بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته، وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا رب العالمين.

اللهم ارفع عنا وعن المسلمين الوباء والغلاء والفتن والمحن وشدة المئونة وجور السلطان يا رب العالمين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً، يحكم فيه شرعك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا رب العالمين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً ينتصر فيه على أعدائك من اليهود والنصارى والمنافقين، اللهم أبرم للمجاهدين في العراق وفلسطين وفي أفغانستان وفي كل مكان نصراً معززاً مؤزراً يا رب العالمين.

اللهم كن لهم حافظاً، اللهم كن لهم مؤيداً، اللهم كن لهم ناصراً يا رب العالمين، اللهم مكنهم من رقاب أعدائك إنك على كل شيء قدير.

اللهم لا تدع للحاضرين ولا لأهليهم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا غائباً إلا حفظته ورددته، ولا حاجة من حوائج الدنيا لهم فيها نفع ولك فيها رضى إلا يسرتها يا رب العالمين!

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم وادعوه يستجب لكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.