arrow down

أطفئوا الفتنة

الخطبة الأولى

- الحمد والثناء والوصية.

عباد الله: (الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها) هذه العبارة يظنها بعض الناس حديثاً، وهي ليست حديثاً([1])، غير أنها عبارة صحيحة، وحكمة صائبة، فالفتنة هي أم الكبائر والجرائم والضلالات؛ بسببها يذهب الدين والدنيا جميعاً، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أو يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ من الدُّنْيَا قَلِيلٍ)) [رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة واللفظ لأحمد].

نعم يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل عندما يرضى أن يقتل النفس المحرمة بقليل من سحت الدنيا، أو مجاملة لصديق أو صاحب، أو طمعاً في جاهٍ أو منصب، يبيع دينه بدنيا غيره ثم لا تبقى الدنيا له ولا للغير، وقد قال بعض العقلاء ممن أريد منهم أن يقاتلوا مع بعض الخلفاء والولاة، ممن لا يُقاس بهم أحدٌ من حكام اليوم:

وَلَسْتُ بِقَاتِلٍ رَجُلا يُصَلِّي *** على سُلْطَانِ آخَرَ من قُرَيْشِ

له سُلْطَانُهُ وَعَلَيَّ جُرْمِي *** مَعَاذَ اللَّهِ من فَشَلٍ وَطَيْشِ

أَأَقْتُلُ مُسْلِمًا في غَيْرِ جُرْم *** فَلَيْسَ بنافِعِي ما عِشْتُ عَيْشِي

بالفتنة تتردى الأخلاق، وتُتجاوز الآداب، وتسوء الظنون، وتتحكم الأهواء، بالفتنة تُقطع الأرحام، وتُكتسب الآثام، ويعم الخوف والفقر، وتُسفك الدماء، وتتوقف عجلة الحياة الكريمة، ولا يعيش الناس في ظلها إلا في الذل والخوف والجوع والدماء والأشلاء، وفي ظلها يُحتكم إلى الأعداء، وتُسلم المقاليد للطامعين والمعتدين، إلى غير ذلك من مآسيها وثمارها المرة، وعليه أفلا يستحق موقظها اللعن؟! اللهم بلى.

عباد الله: إن الفتنة قد استيقظت وأسفر وجهها الكالح البغيض، وأطلت بقرونها، وارتفعت عقيرتها بصوت أجش كنعيب الغراب الذي لا يبشر إلا بالشر، ويتحمل مسؤوليتها من أبى المخارج التي بها المخلصون والحريصون على وأد الفتنة ورأب الصدع وإخراج البلاد والعباد من النفق المظلم، يتحمل مسؤوليتها من رفضها ووضع العراقيل في طريقها وأخلف الوعد، ونقض العهد من أجل الهوى وشهوة السلطة والاستعلاء.

يتحمل مسؤوليتها من أشعل فتيل الحرب، وضحى بالدماء المعصومة والحرمات المصونة، وسمعة البلد وهَيبته؛ من أجل نزواته أو نزوات من يحيط به من بطانة السوء.

عباد الله: إن خطاب من ركب خيل الجهالة، وسلك طريق الضلالة، وأحاط به دعاة الفتنة وتجار الحروب إن خطابه لا ينفع، ونصحه لا يُسمع؛ لذا فإن علينا أن نعود إلى أنفسنا ومن حولنا ممن يسمع ويجيب: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ).

نخاطب هؤلاء فنقول: إن أعظمَ ما يملكُ الإنسانُ دينَهُ وشرفه، وأيامُ الفتنةِ سوقٌ يُباع فيها الدينُ ويباع فيها الشرفُ والمروءةُ بأبخسِ الأثمان، فعلى من يعز عليه دينُهُ وشرفُهُ أن يتجنبَ هذا السوق، ولا يخاطرَ فيه بنفسِهِ أو بدينهِ أو بشرفه؛ لأنه لن يعودَ سالماً منه؛ ولهذا لما ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الفتنة أمر باعتزالها في أحاديث كثيرة:

- منها قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إذا رَأَيْتُمْ الناس قد مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا - وَشَبَّكَ بين أَصَابِعِهِ - قال فَقُمْتُ إليه فقلت: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذلك جَعَلَنِي الله فِدَاكَ؟ قال: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ ما تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ))[رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص، وصححه الألباني].

إن هذا الحديث وغيره يضع لعامةِ المسلمين منهجاً يسيرون عليه إذا عمتِ الفتن، واختلطَ الحقُ بالباطل، والتبستِ المفاهيم: أن يعتزلوا تلكَ الفتنةِ ويبتعدوا عنها، فلا يشاركونَ فيها بأيديهم ولا بألسنتِهم، بل يلزمون بيوتَهم، ويكفون ألسنتَهم، ويحذرون من التورّطِ في الفتنةِ حتى بقبولِ شيءٍ غير متأكدين من أنه حق؛ حذراً من أن يُجَرُّوا إلى الفتنة من حيث لا يشعرون، وعلى ذلك فإنني أكررُ ما قلتُهُ من قبل من تحذيرٍ للجميع، من الاستخفافِ بالدماءِ المعصومة، دماءِ جميع المسلمين، دماءِ أبناء اليمن، فكلُّهم معصومو الدم والمال، مشمولون بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا))رواه مسلم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))رواه مسلم، فحرامٌ على العسكري أياً كان موقعُهُ أن يوجهَ سلاحَهُ إلى إخوانهِ المواطنين، أو إلى إخوانهِ العسكريين المختلفين معه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ، فقلت يا رَسُولَ اللَّهِ: هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ، قال: إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ))متفق عليه، ولا يجوزُ له أن يطيعَ أحداً في ذلك حتى وإن هدّد بالعقوبة، فالقتل لا يُعذر أحدٌ فيه بإكراهٍ ولا غيره، كما لا يجوزُ لأحدٍ أن يُستأجرَ بالمال لإرهابِ الناسِ وتخويفِهم أو لتهديدِهم بالسلاح أو غيره، فإن من يفعل ذلك يرتكبُ جرائمَ مضاعفة، جريمة الخيانةِ والعمالة وبيع الدين بالدنيا، ثم جرائم ترويع الناس أو أذيتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأيّ عاقل يرضى لنفسه أن تجتمع فيه تلك الجرائم، ثم يصيرُ إلى خزي الدنيا وجحيم الآخرة.

عباد الله: وكما خاطبنا العسكريين وشبهَ العسكريين، نخاطبُ عمومَ المواطنين؛ فإن الخطابَ بتحريم دماءِ الناس وأموالهم هو خطابٌ لكم أيضاً، فلا يجوزُ استغلالُ الفتنةِ لتصفيةِ حسابات، أو الأخذِ بالثاراتِ أو تحقيقِ الأغراضِ والمطامعِ من أي جهةٍ كانت، مدنية أو عسكرية، لأغراضٍ شخصيةٍ أو حزبية أو سياسية أو لعصبياتٍ قبلية أو أي نوع من أخلاق الجاهلية، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))متفق عليه، وفي رواية النسائي وصححها الألباني بزيادة: ((ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه))، وأحذر بهذه المناسبة من اتجاه خطير يبرز في أيام الفتن، ألا وهو أسلوب الاغتيالات التي قد ينفذها بعض من لا يخاف الله، ولا يتورعُ عن الدم، سواءً لغرضٍ شخصيٍ أو لحسابِ جهةٍ أخرى، إن هذا السلوكَ سلوكٌ إجرامي فيه جرائم مضاعفة، فزيادةٌ على التعدي على دماء المعصومين، فيه جريمةُ الغدر، وجريمةُ بيعِ الدين بالدنيا، وغيرها من الجرائم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ َلاَ يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ)) [رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وغيرهما وصححه الألباني].

والْفَتْكُ: هو الاغتيال، ومعنى الحديث أن الإيمانَ يقيدُ صاحبَهُ ويمنعه من الفتك- أي الاغتيال والغدر فالمؤمنُ لا يَقتلُ غدراً.

الخطبة الثانية

- الحمد والثناء.

عباد الله: إذا كانت نذر الفتنة بل مقدماتها قد بدأت بالفعل في صنعاء؛ فإن الواجب المبادرة إلى حلها، وإذا تعذر حلها فيجب حصرها في أضيق نطاق، ولا يجوز لأحد أن يسهم في توسيع نطاقه، ا وجر الناس إليها أو جرها إلى الناس في مناطق أخرى، وهنا أجدها فرصة سانحة لأوجه النداء للقادة العسكريين والأمنيين، الممسكين بأزمّة الأجهزة العسكرية والأمنية في حضرموت، أنادي هؤلاء جميعاً، أن ينأوا بأنفسهم عن الدخول في تلك الفتنة البعيدة عنهم مهما كانت ولاآتهم وانتماآتهم ومصالحهم؛ فإن كل ذلك لا يساوي عند الله شيئاً، كل ذلك لا يدفع عنهم مسؤولية ما قد يترتب على قراراتهم الخاطئة إن وُجدت في ذلك اليوم: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أنادي هؤلاء القادة بأن يجنبوا هذه البلادَ التي لا ناقةَ لها ولا جمل فيما يجري من الفتنة، أن يجنبوها الحرب والاقتتال.

يجنبوها الرعبَ والخوفَ والدمارَ كما يجنبوا أنفسَهم وأتباعهم من الجنود، الذين يُفترضُ أنهم في خدمة الوطن والمواطن، لحماية الحدود، لصيانة المكتسبات، فكيف يُزجُ بهم وتعرَّضُ أرواحهم للموت في سبيل هوى فلانٍ أو مصلحةِ علان؟! هذا لا يجوز أبداً، فاتقوا الله يا قادةَ الجيش، اتقوا الله يا قادةَ الحرس، اتقوا الله يا قادة الأمنِ بأجهزته المختلفة، اتقوا الله ولا تبوءوا بأوزارِكم وأوزارِ من تسخِّرونهم للدمار والخراب، وإزهاقِ الأرواح وترويع الآمنين.

عباد الله: وأنتم أذكركم بما سبق أن فصَّلته في خطبٍ سابقةٍ من وجوب الكف عن الفتنة، ووجوب التعاون على البر والتقوى، والتكاتف والتكافل والقيام بما يتطلبه الوضع، من تشكيل لجان للحراسات أو الخدمات أو غير ذلك؛ مما يحفظ أمنَ البلادِ واستقرارَها فيما إذا ساءت الأحوال، وعمت الفوضى، وانتشر مصاصو الدماء، وتجار الحروب، فلن يحفظَ لكم حياتكم وحرمتكم إلا تعاونكم وتكافلكم، كلٌّ بما يقدر عليه وبما هو في حيز اختصاصه، وإياكم ممن يريد أن يسخركم لمصالح خاصة، أو برامج محسوبة لا تكون للمصلحة العامة، وإياكم أن تعملوا مع من لا تثقون به وتتأكدون من صدقه وصدق مقاصده وسلامة توجهه.

كما أذكركم بأنه في حال تأزم الأمور واستياء الأحوال وتعطل الخدمات، قد يظهر خصمٌ آخر غير من أشرنا إليه سابقاً، خصم لا يُرى ولا يُسمع ولكن يتسلل في جنح الظلام أو حتى في نحر الظهيرة، دون أن يحسَ به أو يتفطنَ إليه إلا من ألهمه الله وهداه إلى فعل الخير، إنه الحاجة وانسداد الأبواب على بعض الناس حتى لا يجدوا ما يقيمون به أصلابهم من الطعام، ولا يوارون به عوراتهم من الكساء، ولاما ينقذون به مرضاهم من براثن الأمراض الفتاكة، من الدواء، هذا الخصم الذي قلَّ من يتفطن له، إننا بحاجة ماسة إلى اليقظة له، وإنقاذ كثير من الأسر من شره؛ ((فالْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)).

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به))[رواه الطبراني والبزار عن أنس وصححه الألباني].

ويقول الله - تعالى -: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

________________________

[1] ليست حديثاً صحيحاً، بل هي حديث ضعيف، ففي سنده مجهول وفيه بقية بن الوليد وهو ضعيف.

خطبة لفضيلة

د. أحمد بن حسن المعلم

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 16 / شوال / 1437هـ

21 / يوليو / 2016م