arrow down

المكر والخديعة

عناوين الخطبة:

المقدمة.

ذم المكر وأهله في كتاب الله تعالى.

أمثلة لعاقبة المكر وأهله.

إخوة يوسف عليه السلام.

عيسى عليه السلام و بنو إسرائيل.

محمد عليه الصلاة والسلام وقومه.

سنة الله تعالى في الماكرين.

مؤمن آل فرعون.

أصحاب الجنة.

أصحاب السبت.

آكل الربا.

المكر والخديعة في النار.

قصص من تاريخ الماكرين.

بوار المكر وزيفه.

أهل المكر أبعد الناس عن الصدق.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

الدعاء.

المقدمة:

الحمد لله القدير؛ نحمده على نعمائه وآلائه، ونشكره على عطائه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ فعَّال لما يريد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أحاط بكل شيء علماً؛ فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، لا فوز للعباد إلا بمحبته وطاعته واتباعه {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:52]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله وأطيعوه، وتزودا من الأعمال ما يكون لكم ذخراً؛ فالدنيا دار زوال، والآخرة هي دار القرار {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:5-6].

ذم المكر وأهله في كتاب الله تعالى:

عباد الله!

يقول الله تعالى في محكم كتابه: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:42-43].

المكر والخداع صفة من صفات المجرمين والمنافقين وأعداء الرسل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:123].. {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:42].

مكر وحيل، وتآمر كبار وعظيم {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح:22].

يقول الله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم:46]؛ فلعظمة مكرهم إن كادت الجبال الراسيات أن تزول من مكانها لعظم ذلك المكر.

أمثلة لعاقبة المكر وأهله:

أيها الناس!

لقد ضرب الله تعالى في كتابه أمثلة للمكر وأهله وماذا كانت عاقبتهم، فلا ينسى الماكر أن الله تبارك وتعالى أشد مكراً منه!

إخوة يوسف عليه السلام:

إخوة يوسف عليه السلام مكروا بيوسف وألقوه في الجب {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:15-18]، مكروا به وادعوا أن الذئب أكله، ولكن الله سبحانه وتعالى محيط بالماكرين -وذلك قبل توبتهم- فجعل الله تبارك وتعالى يوسف عليهم، وجاءوا يطلبون منه الميرة، قال الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:88-91].

الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف:102]؛ فرفع الله تعالى يوسف عليه السلام بعد مكرهم الكبار.

فرعون مكر بقومه، فوضعه الله سبحانه وتعالى ورفع بني إسرائيل الذي استضعفهم سنوات طوال.

عيسى عليه السلام و بنو إسرائيل:

عيسى عليه السلام مكر به بنو إسرائيل فرفعه الله ومن ابتعه، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:54-55].

محمد عليه الصلاة والسلام وقومه:

نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مكر به قومه فأخرجوه من بلده الحبيب؛ فأخرجه الله تعالى من ذلك البلد إلى البلد أخرج إليه محمد عليه الصلاة والسلام؛ فمكنه ربه تبارك وتعالى منهم فقتلهم شر قتلة، {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال:30].

إن في هذه القصص سلوة لكل من مُكر به.

سنة الله تعالى في الماكرين:

أيها المؤمنون!

تأملوا في الآية الأولى التي قال الله تبارك وتعالى فيها: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:42-43]، يحاط بهم ويمحقون، فلا يذكرون بعد أن كان لهم ذكر، ويصبحون في سلة المهملات، وينزل الله تبارك وتعالى بهم بأسه، {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43]، لن تبدل سنة الله تبارك وتعالى أن يمكر بالماكرين، وأن ينال الله تبارك وتعالى من الماكرين، ولذلك يقول الله تعالى لهؤلاء الماكرين الذين لن تتبدل فيهم سنة الله ولن تتحول: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر:44].

مؤمن آل فرعون:

في التاريخ قصص عجيبة لهؤلاء الذين مكروا؛ فإن الله تبارك وتعالى قد أبان في كتابه الكريم حال هؤلاء الماكرين، واقرءوا قصص الأولين كيف مكر الله تبارك وتعالى بهم.. مؤمن آل فرعون رجل يدعو قومه إلى الله تبارك وتعالى، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، ثم يمكرون به؛ {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر:45].

أصحاب الجنة:

أيها الإخوة في الله!

الماكر والمحتال والمخادع يعامل بنقيض قصده، وقد شوهد ذلك عياناً، حتى أصبح معلوماً أن من عاش بالمكر مات بالفقر، فقد عاقب الله تعالى من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت الجذاذ {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ}[القلم:17-19].

أصحاب السبت:

عاقب الله تعالى من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:163]، قال الله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف:166].

آكل الربا:

توعد الله تعالى بالعقاب من أكل الربا واحتال؛ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276]، {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء:160-161].

المرابي محتال، ولكن أين يذهب من عقوبة الله تبارك وتعالى؟! إذا احتال ومكر من أجل أكل الربا؛ فإن الله تبارك وتعالى يمحق الربا ويربي الصدقات: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] أي: يزيد الصدقات، «وعاقبة الربا إلى قُلٍ» كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه سنة الله تبارك وتعالى يعاقب أهل المعاصي بنقيض قصدهم، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن حفر لأخيه حفرة وقع فيها، قال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم}، فلا تجد ماكراً إلا ممكوراً به.

المكر والخديعة في النار:

قال سعد بن قيس لعبادة رضي الله تعالى عنهما:" لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «المكر والخديعة في النار. لكنت أمكر الناس» [رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان].

وعند ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار».

قصص من تاريخ الماكرين:

لما جلس المتوكل الخليفة العباسي، دخل عليه عبد العزيز بن محمد الكناني، فقال: يا أمير المؤمنين! ما رؤي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، وكان لسانه يقرأ القرآن حتى دفن.

فوجد المتوكل في ذلك وساءه ما سمع في أخيه؛ إذ دخل عليه محمد بن عبد الملك الزيات فقال المتوكل: يا ابن عبد الملك! في قلبي من قتل أحمد بن نصر حرج على أخي الذي أمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين -لاحظ المكر والكيد الكبار- أحرقني الله تعالى بالنار! إن قتله أمير المؤمنين إلا كافراً. انظروا إلى المكر ليتوصل به إلى عرض من عرض الدنيا.

قال: ودخل عليه هرثمة، فقال: يا هرثمة! إن في نفسي من قتل أحمد بن نصر شيئاً، فقال: يا أمير المؤمنين! قطعني الله إرباً إرباً إن قتله أمير المؤمنين إلا كافراً.

وهؤلاء من الذين زينوا للظالم أن يقتل عالماً من علماء المسلمين، وحبراً من أحبار الأمة، بكت عليه بغداد وعلماؤها وعوامّها.. كلهم بكى على أحمد بن نصر الذي قتله الواثق بأمر هؤلاء.

قال: ودخل عليه أحمد بن أبي دؤاد، فقال: يا أحمد! إن في قلبي من قتل أحمد بن نصر شيئاً، فقال: يا أمير المؤمنين! ضربني الله بالفالج -أي: بالشلل- إن قتله أمير المؤمنين إلا كافراً.

هؤلاء الماكرون، فما هي عقوبة الماكرين؟

{وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42]، وعما يعمل الماكرون، وعما يعمل المخادعون.

قال المتوكل: أما الزيات فأنا أحرقته بالنار.

وأما هرثمة فإنه هرب وبدا -أي: إلى البادية- فدخل في بلد الخزاعيين فرآه رجل من خزاعة، فقال: يا أهل خزاعة! هذا هرثمة قاتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، فحملوا عليه فلم يتركوه حتى قطعوه إرباً إرباً.

وأما أحمد بن أبي دؤاد الذي كان يقول للواثق وللمعتصم: اقتل أحمد بن حنبل ودمه في عنقي. فجلد أحمد بن حنبل، وقتل أحمد بن نصر بهذه الفتاوى الباطلة، وبهذا المكر الكبار، أما أحمد بن أبي دؤاد فحبس في جسده، فكان لو وقعت ذبابة على جسده، كان أشد عليه من جبل عظيم.

قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى:" ثلاث من فعلهن لم ينج حتى يُنزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها في كتاب الله، {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43]، {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس:23] {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح:10].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

بوار المكر وزيفه:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، والسالكين طريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المؤمنون!

لا يحسبن أهل المكر أن الله تبارك وتعالى غافل عن مكرهم {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد:33]، يصابون من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون، ويقتلون بسيوفهم، وتهدم عليهم حصونهم، {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} [النحل:26]، فيذيقهم الله الخزي في الحياة الدنيا، وما عند الله في الآخرة من العذاب أشد وأبقى، وأتى الله بنيانهم من القواعد.. أتى تلك الحصون التي حصنوا فيها أنفسهم ظناً منهم أن ذلك يمنعهم من الله تبارك وتعالى، {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]، {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر:10]، يفسد ويبطل ويظهر زيفه لأولي الأبصار، وأولي الاعتبار، وأًصحاب القلوب المؤمنة.

أيها الناس!

ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

لكل شيء آفة من جنسه *** حتى الحديد قضى عليه المِبرد

في مزبور الأقوال: وما ظالم إلا سيبلى بظالم؛ فإلى الماكرين: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:4- 6]؟!

أنت تخادع من؟! إن خادعت الناس في الدنيا؛ فإن الله تبارك وتعالى غير غافل عن مكرك، وعن خداعك، وعن تعليق قلوب الناس.

أيها الأحباب!

الأمة تعلقت قلوبهم بمبادرة.. اليوم يوقع، غداًَ يوقع.. تعلقت القلوب؛ فيمكر ويمكر الله والله خير الماكرين.

أهل المكر أبعد الناس عن الصدق:

أبعد الناس عن الصدق هم أهل المكر؛ فهم أهل الكذب والزور والخيانة، الكذب الذي عابه العرب في جاهليتهم وقبل إسلامهم، هذا أبو سفيان في حال كفره بين يدي هرقل يقول: وايم الله لولا مخافة أن يؤثروا عليَّ كذباً لكذبت. عيب الكذب!

يقول يحيى بن معين في الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو كان الكذب حلالاً لمنعته مروءته أن يكذب!

لما قال بعض بني أمية للإمام الزهري حين قال في قول الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور:11] أنه عبد الله بن أبي، فقال الأموي: بل عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: بل عبد الله بن أبي، فقال الأموي للزهري: كذبت! فغضب الزهري وهو أمام أمير للمؤمنين، قال: أنا أكذب. والله لو نادى مناد من السماء أن الكذب حلال ما كذبت!

الكذب عار وشنار على صاحبه، «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».

الكذب عاقبته وخيمة، ولا تكاد تجد ماكراً إلا ويحتال بالكذب والتزوير والرشوة، وكل ما يستطيع من الأسباب المخلة بالمروءات.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}:

يا أيها المؤمن! يا عبد الله!

إذا نصبت أمامك حبال المكر فادخل قلعة التوكل؛ فإن الله يقيك {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3].

قال عبد الله بن عباس كما في البخاري: "حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له الناس: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]".

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}[يونس:72-73].

أيها الأحباب في الله!

التوفيق كله لا يكون إلا في التوكل على الله تبارك وتعالى، فالموفق من توكل على الله تبارك وتعالى، وعرف ضعف نفسه، والخذلان كل الخذلان أن يخلي الله بين العبد وبين نفسه، وبالصبر واليقين والتقوى لا يضر الكيد والمكر {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120].

الله معك إن كنت مؤمناً {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76]، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:15- 17].

الأمر كله عباد الله بيد الله تبارك وتعالى، ولذلك يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل:70]، {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد:33].

ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا»، وكان من دعائه: «اللهم انصرنا على من بغى علينا».

الدعاء:

نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يرد كيد الكائدين في نحورهم، ومكر الماكرين في نحورهم، وأن يرد سهامهم إلى صدورهم؛ إنه على كل شيء.

اللهم! آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح ذات بيننا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم اجمع كلمتنا على الحق يا رب العالمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين في كل مكان على الحق يا رب العالمين.

اللهم أفشل مخططات المتآمرين، اللهم امكر بالماكرين، اللهم كد بالكائدين؛ إنك على كل شيء قدير.

اللهم من أرادنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء أو مكروه.. اللهم فأشغله بنفسه، واجعل اللهم كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

اللهم أبرم لهذه الأمة إبراماً رشداً تعز فيه أهل طاعتك، وتذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين.

اللهم ولِّ علينا خيارنا، واصرف عنا شرارنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم حكم فينا كتابك، وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم اجعلنا لها عاملين، بها مصدقين؛ إنك على كل شيء قدير.

اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم كن للمستضعفين من المؤمنين في سوريا، اللهم كن للمستضعفين من المؤمنين في سوريا وفي ليبيا وفي العراق وفي أفغانستان وفي كل مكان يا رب العالمين.

اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان.. ثبت أقدامهم، ووحد كلمتهم، واجمع شملهم يا رب العالمين.

اللهم كن للمجاهدين في فلسطين، اللهم كن للمجاهدين في فلسطين.

اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين أجمعين؛ فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين.

اللهم عليك بأمريكا وحلفائها، اللهم عليك باليهود الصهاينة، اللهم عليك بحلف الناتو، اللهم عليك بالمنافقين من هذه الأمة يا رب العالمين.. اللهم عليك بهم أجمعين؛ فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم خالف بين قلوبهم، وشتت شملهم، وأرنا مصارعهم يا رب العالمين؛ إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]، {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]، ربنا اغفر ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين..

خطبة لفضيلة

د. صالح بن علي الوادعي

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 23 / شوال / 1437هـ

28 / يوليو / 2016م