arrow down

رسالة للمرابطين في سوريا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والند والنظير.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وجمع به بعد الشتات، وأمَّن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون: إن ربنا جل وعلا أمرنا أن نشعر دائمًا أن أمتنا هي أمة واحدة، يشعر كل واحد بألم الآخر؛ فيحزن الغني إذا رأى الفقير، ويحزن الصحيح إذا رأى السقيم، ويحزن السليم إذا رأى المبتلى. ولقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يقدم ما استطاع لنصرة الضعفاء والمساكين والمظلومين، وكان صلى الله عليه وسلم يمر بهم في مكة وهم يعذّبون؛ يمر ببلال وسمية وغيرهم وكان عليه الصلاة والسلام لا يملك أن يقدم لهم شيئًا إلا أن يدعو الله تعالى وأن يصبرهم بكلام من عنده يوحي به الله تعالى إليه.

ولما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وقوي شأنه استطاع عليه الصلاة والسلام أن يكون جيشًا، وأن ينصر الإسلام حيث كان مستضعفًا بعد ذلك.

ولا نزال نحن اليوم نرى جراح إخواننا في سوريا، ونرى دماءهم تجري في شوارع حمص وإدلب ومعرة النعمان ودير الزور وغير ذلك من المناطق، لا نزال نرى تلك الدماء تجري في شوارعها كلما بردت الدماء ذبح عليها أنفس جديدة لتسخن بعد ذلك فلا تكاد تمشي على ترابها إلا اختلط قدمك بترابها معه الدم والرفات.

اخلع نعالك قبل دوس ترابها *** فتراب حمص من رفات شبابها

وارفأ بقلبك من غمار شقائه *** واعمره با?‌يمان بين خرابها

وأبرد غليلك من معين نعيمها *** من رشفة من ريقها ورضابها

وإذا دخلت فباسم ربك واقصدن *** عمرو البطولة وادخلن من بابها

حيث الشجاعة والبسالة والفدا *** فيها وأهل البأس من أصحابها

واستأذن الحور الحسان بنظرة *** في أوجه ا?‌بطال من خطابها

وإذا رأيت ضياءها متدفقا *** فتبسم الشهداء عند كَعابها

وإذا رأيت ظ?‌مها متجهما *** فهي المنايا السود في جلبابها

وإذا جرت أنهارها فدماؤها *** ليست بماء عيونها وسحابها

وإذا تفتق وردها متلونا *** فلقد تلون حمرة مما بها

أسطورة ياباب عمرو والذي *** خلق الخوارق أنت من أربابها

وثبات أهلك في زمانك آية *** من قصة ا?‌هوال في أحزابها

ماذا يقال حقيقة أم أنه *** وهم التخيل أو بريق سرابها

قصص وربك حيّرت في فهمها *** كل العقول وذاك ?‌ستغرابها

لو?‌ مشاهدة العيون لقلت ذا *** حلم وضرب خيالها وعجابها

الطائرات وراجمات جهنم *** ومجنزرات، تتقى بحرابها!

إنها الشام وما أدراك ما الشام، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن لله تعالى في كل أرض من أرضه جندًا يقاتلون في سبيله، ويدافعون عن دينه، ويبذلون أرواحهم ويجرون دمائهم رفعة لراية الله تعالى.

عن عبدالله بن حوالة رضي الله عنه قال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ستجدون أجنادًا جندًا بالشام وجندًا بالعراق وجندًا باليمن"، قال عبدالله فقلت: يا رسول خِرْ لي – يعني اختار لي هل أكون بالعراق أم بالشام أم باليمن؟-، فقال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بالشام، عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غدره؛ فإن الله عز وجل قد تكفل لي بالشام وأهله" رواه أحمد وصححه الألباني.

وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا أن أرض الشام هي أرض العلم والإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: "إني رأيت عمود الكتاب انتُزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو عمود ساطع عمد به إلى الشام، ثم قال: ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن في الشام" أخرجه الحاكم وصححه الألباني.

إنها الشام أرض المحشر والمنشر، في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال عليه الصلاة والسلام: "الشام أرض المحشر والمنشر" رواه أحمد وهو صحيح.

وعن معاوية بن حيدة قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا فقال: "إنكم تحشرون رجالاً وركبانًا، وتجرون على وجوهكم ها هنا "قال: وأومأ بيده نحو الشام. صححه الألباني.

وعن سالم بن عبدالله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستخرج نار في آخر الزمان من حَضْرمَوْت تحشر الناس" قلنا: بما تأمرنا يا رسول الله ؟ - ماذا تأمرنا استعدادًا لخروج هذه النار، ماذا تأمرنا استعدادا لقرب قيام الساعة؟ - فقال عليه الصلاة والسلام: " عليكم بالشام.. عليكم بالشام" صححه الألباني ورواه الإمام أحمد.

وعن فهد بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله أين تأمرني ؟ الجد سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أين تأمرني؟ أين أسكن؟ إلى أين أسكن؟ قال "هاهنا" وأومأ بيده نحو الشام. قال: "إِنّكُمْ محْشورُونَ رِجَالاً وَرُكْبَاناً ومجرون علَى وُجُوهِكُم". أخرجه الإمام أحمد وصححه الألباني.

وسئلت جارية لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قالت له: اشتد عليّ الزمان وإني أريد أن أخرج إلى العراق -يعني أن تسكن في العراق- فقال لها ابن عمر: فهلا إلى الشام أرض المنشر. رواه الترمذي وصححه الألباني.

إنها الشام خير أرض يُهاجَر إليها، ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يدل الناس عليها ويحسهم بالذهاب إليها.

عن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم -يعني الشام- قال: ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير". رواه أبو داوود وصححه الألباني.

نعم إنها الشام فيها أهل الحق يسكنون، وفيها يتدينون، وفيها يطلبون ويتعلمون، في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تزال من أمتي عصابة قوامة على أمر الله عز وجل لا يضرها من خالفها تقاتل أعداءها -إن كانوا نصيرية من حكامها قاتلوهم، وإن كانوا من أطراف من الرافضة قاتلوهم، وإن كانوا نصارى قاتلوهم- لا تزال في أمتي عصابة قوامة تقاتل أعدائها لا يضرها من خالفها -خالفها مجلس أمن، هيئة أمم، خذلتها جامعة دول عربية، خذلها رؤساء دول زمجروا وزجروا ووعدوا ثم انخذلوا- لا يضرها من خالفها...

وساق الحديث حتى قال صلى الله عليه وسلم: "هم أهل الشام.. هم أهل الشام.. هم أهل الشام" قال الصحابي:" لا يزال يكررها بإصبعه هم أهل الشام حتى شق ذلك على صحابته لما تعبت يد النبي عليه الصلاة والسلام". صححه الألباني

إنها الشام الأرض المباركة لم أباركها أنا ولا أنت ولم تبارك بأنساب أهلها ولا بشرفها، إنما باركها ربنا جل وعلا وهو سبحانه الذي يخلق ما يشاء ويختار.

قال عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنه: صلى بنا النبي عليه الصلاة والسلام ثم أقبل على القوم فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا" حديث صحيح.

إنها الشام، فيه صفوة عباد الله تعالى، وخير عباد الله تعالى في آخر الزمان هم الذين يكونون في الشام عندما يحشر الناس على وجوههم وعلى أقدامهم رجالاً وركبانًا ويجرون على وجوههم بنار تحشرهم إلى الشام خيار أهل الأرض من يكون ساكنًا في الشام يومئذ..

عن عبد الله بن حوالة أنه قال: يا رسول الله، اكتب لي بلدا أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر على قربك شيئًا -لو أعلم أنك تبقى في المدينة لاخترت قربك ومجالستك يا رسول الله فاختر لي بلدًا أكون فيه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله بن حوالة عليك بالشام.. عليك بالشام.. عليك بالشام ".

ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجه عبدالله كراهيته في أن يذهب إلى الشام، فقال عليه الصلاة والسلام: "هل تدرون ماذا يقول الله عز وجل؟ إنه يقول: أنت صفوتي من بلادي، وإليك المحشر" صححه الألباني.

ومن حديث عبدالله بن حوالة في رواية من هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: "عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه" يعني اختاره الله من أرضه "يجتبي إليه خيرته من عباده" رواه أبو داود وهو حديث صحيح.

إن أرض الشام فيه عقر دار المؤمنين، هي مستقر المؤمنين وهي مجتمعهم وهي مآبهم وهي مألف قلوبهم اختارها الله تعالى لذلك.

عن سلمة بن نفيل الكندي قال كنت جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل يا رسول الله: أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها، قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال " كَذَبُوا، الآنَ جَاءَ الْقِتَالُ ، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة.... ثم ساق الحديث فقال في آخره: "وعقر دار المؤمنين في الشام" يعني أي تلك الطائفة المنصورة المؤيدة يجعلها الله تعالى في الشام. أخرجه النسائي وصححه الألباني.

إن الشام هي الأرض التي تقصم الجبابرة، وتكسر ظهور القياصرة، وهي التي يُقتل فيها الدجاجلة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الإيمان يمان والكفر من قبل المشرق، وإن السكينة في أهل الغنم، وإن الربا والفخر في أهل الفدادين أهل الوبر وأهل الخيل، ثم قال: ويأتي المسيح من قبل المشرق -يعني المسيح الدجال- وهمته المدينة حتى إذا جاء دبر أحد تلقته الملائكة، فضربوا وجهه قبل الشام هنالك يهلك.. هنالك يهلك"كررها هو بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.. ففي الشام يقتل الدجال وهو الذي يسفك فيه دمه. رواه الترمذي.

 

إنها الشام هي أرض الغنيمة، هي أرض الرزق، هي أرض الإيمان، عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله استقبل بي الشام وولى ظهري اليمن، ثم قال لي: يا محمد إني قد جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقًا – يعني الشام، غنيمة يعني تقاتل في سبيل الله فتغنم- إني قد جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقًا وما خلف ظهرك مددًا" – يعني جنودًا يقاتلون معك في سبيل الله. رواه الطبراني وصححه الألباني.

نعم إنها الشام.. إن ذكرت الجهاد فاذكر الشام، إن ذكرت البطولة فاذكر الشام، إن ذكرت التضحية فاذكر الشام، إن ذكرت البسالة فاذكر الشام، إن ذكرت الإيمان والثبات على الحق والإصرار على الإيمان فلا بد لزامًا أن تذكر الشام.

ارفع لواء العز فوق هضابها *** واسلك سبيل الفخر تحت سحابها.

أطفال إدلب قد غدو أبطالها *** ورجال دير الزور هم أسود رحابها.

هذي بلاد دمشق يا قومي غدت *** وجهًا كئيبًا بعد كشف نقابها.

إني أرى والله أن بيوتنا صفوا *** صفوفا إلى دمشق وبابها.

أبطال حرب أو كماة كرامة *** هبوا لقتل الكلب في أعتابها.

إنها دمشق هل تدري ما هي دمشق؟ إن دمشق في آخر الزمان هي قاعدة المؤمنين، هي مجمع الجيش الذي يقاتل في سبيل الله، ويجاهد ويبذل روحه ودمه، ويفارق أهله وماله لرفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

إنها قاعدة جيش المؤمنين في آخر الزمان الذي لا يرضى بالشرك، ولا يرضى إلا بالتوحيد، لا يرضى إلا أن يدعى الله تعالى وحده لا شريك، إنك إذا ذكرت دمشق ذكرت ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى أخبر عن دمشق والغوطة وهو والله ما رآها ولا دخلها ولا رأى لها صورة ولا قابل أحد من أهلها، ومع ذلك أوحى الله إليه وهو لا ينطق عن الهوى.

فيها قاعدة المؤمنين الجهادية، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فسطاط المسلمين يوم الملحمة"، فسطاط يعني المكان والموقع والمدينة الذي يجتمع فيه الناس، قال: "فسطاط المسلمين يوم الملحمة"، يعني يوم الحرب العظيمة التي ينتشر فيها اللحم تحت الأقدام من شدة القتال، قال: "فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "من خيار مدائن الشام".

بجانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام:

"يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ" رواه أبو داوود وصححه الألباني.

الفسطاط المكان الذي يجتمع فيه الناس والغوطة هي الأرض الزراعية التي فيها ماء وزرع وبساتين، وكأنه والله عليه الصلاة والسلام يرى غوطة دمشق بعينه، وهو يصفه هذا الوصف.

وعن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بناء له، قال: فسلمت عليه، قال: من؟ قلت: عوف، قال: ادخل يا عوف – يعني ادخل في هذه الخيمة معي- قلت: أدخل كلي أم بعضي؟ قال: ادخل كلك، ثم قال عليه الصلاة والسلام يا عوف: "اعدد ستًا بين يدي الساعة". اعدُد ستة أمور تقع بين يدي الساعة: "موتي" فجعله موته بأبي هو وأمي وروحي عليه الصلاة والسلام أول أشراط الساعة، قال:" موتي" ثم ذكرها ثم قال والسادسة: "هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر يسرون إليكم على ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق" أخرجه أحمد وصححه الألباني.

إنك إذا ذكرت الجهاد وذكرت البطولة وأنت ترى هذه الأرواح تبذل في سبيل إعزاز دين الله، وترى تلك الأيدي تقطع وترى رؤوس فُصلت عن أجساد أصحابها، وترى عذارى قد هُتكت أعراضهن، ثم مُزقت أجسادهن، وترى أطفالاً نحلوا بعد نحر آبائهم وأمهاتهم، إنك لترى أن ربنا جل وعلا من حكمته سبحانه أنه يهيئ أهل الشام لإقامة الجهاد في سبيل الله ولا يزالون إلى اليوم يجتمعون تحت مسمى الجيش الحر قتالاً وجهادًا في سبيل الله بعد ما غيبهم ذلك الفاجر بشار الكلب بعدما غيبهم عن دينهم وعن صلاتهم وعن تلاوتهم للقرآن، ها هم اليوم يجتمعون اليوم تحت المساجد يقودهم أئمة وطلاب علم يتلون عليهم سورة التوبة وسورة الأنفال، ولا يزالون يقرءون إلى اليوم آيات الجهاد.

نفسي الفداء لجيش حرٍّ ماجد *** خاض المنون وبات في أنيابها

كل العمائم إن رفعت مقامها *** شسع المجاهد جل عن أشنابها

ولأنتمو أهل الرباط الحق إذ *** هم في رباط الزور في سردابها

أين الحرائر من صقور سمائها *** من بقها وبعوضها وذبابها

فامضوا كرامًا راشدين أمامكم *** ركب الشهادة أبشروا بثوابها

أيها المسلمون: إن دمشق على موعد مع رسول الله عيسى عليه الصلاة والسلام، عن النواف بن سمعان قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق" رواه الإمام مسلم.

وما اختار الله تعالى دمشق لينزل فيها عيسى ابن مريم مع وجود الدجال قبل نزول عيسى، فإن الدجال ينزل قبل عيسى ويعيث في الأرض فسادًا ثم يقضي الله تعالى أن ينزل عيسى لقتل الدجال، فلماذا اختار الله دمشق؟ لأجل أن ينزل فيها عيسى إلا أن أهلها في ذلك الزمان يكون لهم خير ناصر لدين الله تعالى.

يكون هم أهل التوحيد، أهل البسالة، أهل الشجاعة، أهل التضحية، فيستحقون أن ينزل بين أظهرهم نبي الله عيسى عليه السلام.

وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا ذلك في حديث أطوال قال: "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو قال: بدابِقَ -يعني بشمال سوريا، قال: فيخرج إليهم جيش من المدينة -يعني من مدينة دمشق- من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا -يعني للقتال الروم قد جاءوا من الشمال فنزلوا شمال سوريا يخرج عليهم جيش من مدينة دمشق- قال: فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بينا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فينهزم ثُلُث -يعني من المسلمين من شدة القتال- ولا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله -نسأل الله أن يجعلنا منهم- قال: ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدًا، فيفتَتحِون قسطنطينية -يعني ينتصرون على جيش الروم حتى يصعدون شمالاً حتى يصلوا إلى القسطنطينية- قال: فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد عَلَّقوا سُيوفَهُهْم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ فد خَلَفَكم في أهاليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبيناهم يُعِدِّون القتال، يُسَوُّون صفوفَهم، إذا أُقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله –يعني الدجال- ذاب كما يذوب في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده -يعني المسيح- فيريهم دَمه في حربته" رواه الإمام مسلم.

أيها المسلمون: لا يزال الله جل وعلا يؤيد الدين بأهل الشام، ولله تعالى حكمة عظيمة لا أدركها أنا ولا أنت، إلا أن ينبئنا الله تعالى بها، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا وقعت الملاحم -المعارك على المسلمين وقعت يمينًا وشمالاً وتسلط الأعداء عليهم- إذا وقعت الملاحم بعث الله جيشا من الموالي هم أكرم العرب فرسًا وأجودهم سلاحًا يؤيد الله بهم الدين" رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

"فيا طوبى للشام.. يا طوبى للشام.. يا طوبى للشام، تلك ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام " كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وصححه الألباني.

أيها المسلمون: إن إخواننا في الشام لا يخفى علينا حالهم، ولا يغيب عن أنظارنا مناظرهم وصورهم، إننا نبكي مع بكائهم، ونحزن لحزنهم، ونجد لموجدتهم، ولو كنا بينهم لدافعنا عن أعراضهم؛ لأنها أعراضنا ولسكبنا أرواحنا فداءً لأرواح إخواننا، فلهم أهل لنا وهم أحبتنا ولا يرضى مسلمًا أبداً أن يرى امرأة عفيفة نشأت على القرآن والحجاب يتأبطها فاجر تحت إبطه فيسوقها إلى مخدعه..

أي رجل يحل له أن ينام أو يسكت له دمع، أو يهدأ له بال وهو يسمع عن إخواننا مثل هذه الأحوال، لكننا واثقون بنصر الله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج: 39]، (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: 123]، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

بيّن الله جل وعلا أنه يبتلي عباده ليتخذ منهم شهداء، ولأجل أن يعرف صدقهم ولأجل أن يمحّص الصادق من الكاذب (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد: 31].

نبلوكم بالقتل تارة، ونبلوكم بالجرح تارة، ونبلوكم باغتصاب أعراضكم تارة، وذهاب أموالكم تارة، ونبلوكم بخذلان الناس لكم تارات.. لنعلم المجاهدين منكم لنعلم الصابرين هي رسالة إلى أهلنا في الشام..

إنما النصر صبر ساعة، وإذا اشتدت الأزمة فرجت، وأشد الليل ظلمة أقربه إلى الفجر، قلوب إخوانكم معكم، وأموالنا معكم، وسلاحنا -بإذن الله- سوف يكون قريبًا معكم، وأرواحنا معكم، وأيدينا ستقاتل في صفوفكم، أنتم المقدمة ونحن -بإذن الله تعالى- معكم نقاتل معكم قتالاً نرجو به وجه الله تعالى.

لا ينبغي أن يظن أهلنا في الشام أننا قصّرنا في حقهم أو تكاسلنا عنهم لكن الله جل وعلا له حكمة يقدر سبحانه وتعالى ما يشاء ويختار، ونسأل الله جل وعلا أن يشرفنا جميعًا بالجهاد في سبيل الله.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه ومن صار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين..

أسأل الله أن يشرفنا جميعًا بالجهاد في سبيل الله، وأن يأخذ ربنا من دمائنا حتى يرضى، وأن يتوفانا ربنا وهو راضٍ عنا وأن نكون ممن يغفر لهم من أول قطرة من دمه..

أسأل الله أن ينصر الشام وأهله، أسأل الله أن ينصر إخواننا هناك، أسأل الله أن يؤيدهم بتأيده، وأن ينصرهم بنصره، وأن يقويهم بقوة من عنده، اللهم أمددهم بملائكة السماء بعظمتك وبجنود الأرض بقدرتك، اللهم سدد رميهم واجمع كلمتهم ووحد صفوفهم يا رب العالمين..

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين.

خطبة لفضيلة

د. محمد بن عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 5 / محرم / 1438هـ

 

6 / أكتوبر / 2016م