arrow down

فتنة القبر وضمته

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين، أما بعد؛ فلا يمكن أن تستقر للعبد قدم في الإسلام إلا بعد أن يُؤمن بجميع الغيبيات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن هذه الغيبيات: مسألة فتنة القبر، وضمته، ونعيمه، وعذابه.

فتنة القبر

فتنة القبر من العقائد التي ذكرها ربنا سبحانه تعالى في القرآن الكريم، ودلت عليها سنة نبينا صلى الله عليه وسلم

فما هي الفتنة؟

الفتنة في لغة العرب: الاختبار والامتحان.

وفي الشرع هي: سؤال الملكين الميت عن ربه ونبيه ودينه.

أدلة فتنة القبر

ثبتت الفتنة هذه بالقرآن في قوله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء ) [إبراهيم/27].

فمعنى الآية: أنَّ الله يثبت المؤمنين عند الفتنة في قبورهم ويوفقهم لسديد القول وصحيح الجواب، بخلاف غيرهم من الذين لا ينالهم توفيق الله جزاءَ ما فعلوه في الدنيا من الكفر والنفاق. فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ» رواه الشيخان.

فلا خلاف بين المفسرين في أنَّ هذه الآية دالة على إثبات فتنة القبر، ولكنهم اختلفوا في موضع الشاهد منها، فمنهم من قال: الشاهد قوله تعالى: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وجعل الحياة البرزخية من الحياة الدنيا، ومنهم من جعله في قوله: {وفي الآخرة}، فجعل الحياة البرزخية أولى درجات الآخرة. قال الإمام الطبري رحمه الله: "تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم" [جامع البيان (7/446)].

وأثبت ذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منــها:

حديث البخاري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوحي إلي: أنكم تفتنون في قبوركم». ولمسلم: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ».

قال النووي رحمه الله: "كفتنة الدجال، أي: فتنة شديدة جدا، وامتحانا هائلا، ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" [شرح النووي على مسلم (6/ 206)].

ومن الأدلة:

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرجه الشيخان في صحيحهما: «اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ».

وفتنة النار قال ابن حجر رحمه الله في تفسيرها: "سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير}» [فتح الباري لابن حجر (11/ 177)].

ومن الأدلة:

قوله صلى الله عليه وسلم: «أما فتنة القبر، فبي تفتنون، وعني تسألون» رواه أحمد.

ومنها: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتان القبر، فقال عمر: أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، كهيئتك اليوم» فقال عمر: بفيه الحجر! رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، والطبراني بإسناد جيد.

قال الشيخ أحمد البنا الساعاتي رحمه الله: "هذا القول من عمر رضي الله عنه كناية عن أنه إذا رُدَّت إليه روحه يستطيع أن يدافع عن إيمانه بالجواب الذي يُسكت الفتَّان ويقنعه، وإنما صدر منه –رضي الله عنه- لرسوخ الإيمان في نفسه، وثباته في قلبه، ويستعمل العرب هذا اللفظ دائما كناية عن الجواب المسكت" [الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني (8/107)].

ومنها حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وفيه: «تعاد روحه في جسده، فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، و يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الاسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعثت فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت. وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عزوجل: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}... فتعاد روحه في جسده، فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، و يجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقول له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت، ولا تلوت» رواه أحمد وأهل السنن.

و"هاه هاه": كلمة تقال للتوجع.

ومنها ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ -أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ، أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ:مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ:قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ.فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» رواه الترمذي.

والنكير والمنكر ضد المعروف، سميا بذلك لأن الميت لا يعرفهما، ولم ير مثل صورتهما.

والسواد للبدن، والزرقة للعين، والله أعلم.

ومن أدلة فتنة القبر ما جاء عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رواه أبو داود.

ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفتنة" [مجموع الفتاوى (4/257)].

وحكم عليها بذلك السيوطي رحمه الله [شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (1/121)],

مَن المفتون في قبره؟

لا خلاف في أنَّ الذي يُفتن: المؤمن والمنافق، وأنكر بعضهم أنَّ الكافر يُفتن مستدلاً بدليل عقلي وهو: لا فائدة من سؤاله؛ لأنه قد بان كفرُه. والصحيح ما قضى به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة الكافر كما في حديث البراء، وأما قوله: بان كفرُه فإن المؤمن الذي بان إيمانه يُفتن فما الفائدة من سؤال؟؟ فمثل هذه الأمور الواجب على المسلم أن يُسلِّم فيها لله تعالى وألا يُقحم عقله فيها.

الناجون من فتنة القبر

1/ الشهيد:

فقد سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» رواه النسائي.

2/ المرابط:

والرباط: حراسة ثغور المسلمين.

حدَّث فَضالةُ بن عبيد رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» رواه أبو داود والترمذي.

وعَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» رواه مسلم.

3/ من مات يوم الجمعة أو ليلتها:

قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر» رواه أحمد.

ضمة القبر

وأما ضمة القبر فللناس أجمعين، المؤمنين والكافرين والمنافقين.

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» رواه أحمد.

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ في سعد بن معاذ رضي الله عنه: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» رواه النسائي.

وعن أبي أيوب رضي الله عنه: أن صبيًا دُفنَ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَبِيُّ» رواه الطبراني في المعجم الكبير.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك. فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال الله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة}، وقال: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر}، فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي. ومع هذه الهزات، فَسَعْدٌ –يعني ابن معاذ- ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء رضي الله عنه. كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم ولا خوف؟! سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد" [سير أعلام النبلاء (1/290-292)].

وقال الشيخ النَّفْراوي المالكي: "وأما ضمَّةُ القبر فلا بد منها، وإن كانت تختلف باختلاف الدرجات" [الفواكه الدواني (2/688)].

ومما يدل لهذا قولُ ربنا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، فهذا بشارة تصاحب المتقين في جميع مراحل حياتهم.

 

أجاب عنه

د. مهران ماهر عثمان

عضو رابطة علماء المسلمين

الأربعاء 14 / جمادى الآخر / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa