arrow down

المجتمع المنشود

زرع الله جل وعلا في فطرة الإنسان الميل إلى معايشة أفراد جنسه والأنس بهم وإقامة العلاقات التبادلية والتكاملية معهم ووجود المعايشة الاجتماعية شرط أساسي في تمدين الإنسان ورقيه ونموه المتكامل فهو لا يتعلم اللغة ولا يكتسب العادات والتفكير الراقي ولا يرقى بسلوكه إلا من خلال تعاونه مع أخيه الإنسان، وحين هبط آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة لم يهبط وحده وإنما هبطت معه زوجه حواء ليشكلا معاً نواة الجماعة الإنسانية الأولى، وهبط معه إبليس – عليه لعنة الله – ليكون وجوده في الأرض جزءاً من الابتلاء وبوابة مُشْرَعة للصراع بين الحق والباطل الذي سيمكن الإنسان من الوعي بذاته وأنه في صراع وحرب مع الشيطان فيجتنب الشيطان وطرقه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام:153].

الترابط الاجتماعي:

حين تطلب الجماعة أو الدولة من أفرادها نوعاً من التجانس والتماثل والتعاون والمحبة؛ فإنها لا تفعل ذلك دون أن تقدم الثمن فهي تلبي لأبنائها مقابل ما تطلبه منهم ولذلك يصح القول إن الدولة أو الجماعة لا تستطيع لأن تمارس فرض قوانينها وتعاليمها وأنظمتها الاجتماعية إلا على مقدار ما تقدمه لأفرادها من حاجتهم وتطلعاتهم حيث يعتزون في هذه اللحظة إلى طاعتها والانتساب إليها.

وحين نطالع التعاليم الإسلامية العظيمة نجد العجب العُجاب فنجد أن المجتمع المسلم يكون حريصاً على تقديم كل ما في وسعه من تعاطف وتضامن مع أبنائه كما أنه يحث الفرد على الحرص على مجتمعه ومحاولة الامتثال له والانسجام معه في كل ما لا يشكل خروجاً عن المعتقدات الدينية الأساسية والمبادئ العامة التي على المجتمع أن يرضخ لها حكاماً ومحكومين.

وعلى سبيل المثال فنجد من حقوق الفرد على الدولة ما يلي:

أولاً: تحقيق ذاته:

1- يفسح المجتمع الإسلامي لكل فرد فيه مجال الريادة والأفضلية والصدارة على مقدار ما يتمتع به من خصال الخير والكمال من وجهة نظر الشريعة الإسلامية وذلك يقطع النظر عن نسب ذلك الفرد وعرقه وقبيلته وجاهه وماله، وفي هذا يقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

ويصل تحقيق ذاته أن يتولى حتى الرئاسة العليا في الدولة كلما كان كفؤاً لذلك وقد ولي المسلمون عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أبابكر رضي الله عنه وهو من تيم أذل فخذ في قريش وحين بلغ أباه أبا قحافة – والد أبي بكر – ما صنعه الناس تعجب من ذلك وقال: لله في خلقه شئون، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى أسامة بن زيد وهو مولى إمارة جيش فيه أبوبكر وعمر على ما هو معروف.

2- ثانياً ومن حقول الفرد على الدولة تعليمه:

وأقول باختصار ليس هناك أمة من الأمم نظرت إلى العلم نظرة احترام وتقدير كما فعلت أمة الإسلام في أيام حضارتها الزاهية فهو عندها من أعظم القربات إلى الله تعالى ويصل التعلم في أحيان كثيرة إلى درجة الواجب الشرعي وهو في كل حين واجب حضاري والعلم لا يعرف أجلاً أو حداً إلا بانتهاء العمر، وكما ورد في الأثر "اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً – يعني للعلم – ولا تكن الخامسة فتهلك، وسئل عبدالله بن المبارك إلى متى تكتب الحديث وتطلب العلم فقال: "لعل الكلمة التي انتفع بها لم أسمعها بعد".

وقيل للإمام أحمد رحمه الله إلى متى يكتب الرجل العلم فقال للسائل: حتى يموت.. وليس هذا المجال مجال الكلام عن العلم ولكنني أطالب الدول العربية ودولتنا خاصة بتسيير سبل العلم وتكريم المعلمين وفتح المجال لأبنائنا إلى التعلم وعدم تعقيد القضية وعدم قبول من له واسطة أو هو ابن مسئول أو ابن له حظوة بل العلم للجميع.

وعدم وجود شروط متشددة تمنع طلابنا من الإقبال على التعلم وإننا لنفخر ونحن مصنفون على أننا دولة فقيرة أن يوجد في بلادنا سبع جامعات حكومية ومثلها أو أكثر من الجامعات الأهلية.

وأقول لتجار المسلمين للمقتدرين منهم إن أفضل البذل في بناء الجامعات حتى ولو كانت أهلية وبناء المدارس وبناء دور تحفيظ القرآن الكريم.

من فعل ذلك فهي الأمة التي تحترم نفسها..

3- ثالثاً: مما يجب على الدولة للفرد أن توفر له شعوره بالانتماء لأمته ودينه ووطنه.

فالمجتمع المسلم يؤمن للمسلم الشعور بالانتماء كما يدفع عنه مشاعر الاغتراب ويقدم له الدعم المعنوي من إجراءات كثيرة جداً حيث يشعره باهتمام الناس به من خلال إلقاء السلام عليه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقي السلام على الأطفال، وزيرته وعيادته إذا مرض من خلال مشاركته في أفراحه وتعزيته عند مصابه والذب عنه إذا ظُلِم وإغاثته في حالة الأزمات، والذب عن عرضه، والدفاع عنه في حال غيابه وكف الأذى عنه ونصحه وتشجيعه على أعمال الخير وغير ذلك مما يجعل المسلم يحس بأنه عضو في دولة توليه ما يستحقه الرعاية والاهتمام.

أما حين يشعر المسلم أنه مطارد من دولته أو أمنه لأن دول الغرب ترى في المنتمي لمجتمعاتنا عائقاً في الوقوف في مطامعها وتسليمه لدول الشر والكفر لأنه إرهابي هنا تكون الدولة قد تخلت عن مهمتها الاساسية وهي شعور الفرد بالانتماء إليها وإنها حامية له، وتريد دول الغرب أن توجد الفوضى والبغضاء في مجتمعاتنا فهلا انتبهنا وشعرنا بذلك..

4- رابعاً: ومما يجب للفرد على الدولة: عدم الظن به {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ} [الحجرات:12].

وما دام النص منصباً على أكثر الظن والقاعدة أن بعض الظن إثم.. وبهذا يطهر المجتمع المسلم ويطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء فيقع في الإثم ويحرص القرآن على أن يكون المجتمع المسلم نقياً بريئاً من الهواجس والظنون أبيضٌ يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء والبراءة التي لا تلوثها الرَّيب والشكوك والطمأنينة التي لا يعكرها اقلق والخوف، وما أجمل الحياة في مجتمع بريء من الظنون..

بل إن الأمر لا يقف في الإسلام عند تربية الضمائر والقلوب بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في دولة واحدة فلا يؤخذن بظنة ولا يحاكمون بريبة ولا يصبح الظن أساساً لمحاكمتهم؛ بل لا يصح أن يكون أساساً للتحقيق معهم ولا للتحقيق حولهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ويعلمنا: «إذا ظننت فلا تتحقق» ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم وحرياتهم واعتباراتهم حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم، أما أن يسجن المرء سنتان ثم يقال له هذا ظن هذا اشتباه في الاسم فهذا ليس من الإسلام وليس من حقوق الفرد على دولته.

فانظروا أيها الإخوة إلى أي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم ينتهي إليه هذا النص { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ...}.

وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان هل فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا وقام عليه المجتمع المسلم فعلاً وحققه في واقع الحياة بعد أن حققه في واقع الضمير.

5- خامساً: ومما يجب على الفرد على دولته عدم التجسس عليه وعلى أسرته وعلى حريته.

والقرآن يعلمنا ذلك يقول جل وعلا: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12].

والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات والاطلاع للسوءات، والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوءاتهم وهذا يتمشى مع أهداف الإسلام في نظافة الأخلاق والقلوب.

ولكن الأمر أبعد من هذا أثراً فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية.

إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور ولا أن تُمس بحال من الأحوال.

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم آمنين على بيوتهم آمنين على أسرارهم آمنين على عوراتهم ولا يوجد مسوغ أو مبرر مهما يكن لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس فالناس على ظواهرهم وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم، وليس لأحد أن يظن أو يتوقع، وكل ما لك على الناس أن تأخذ بالجريمة عند وقوعها وانكشافها مع الضمانات الأخرى التي يُنص عليها بالنسبة لكل جريمة، عن زيد بن وهب قال: أُتي ابن مسعود فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمراً فقال عبدالله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.

وعن مجاهد: لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم» [رواه أبو داود].

وهكذا يأخذ الإسلام طريقة في النظام العملي للمجتمع الإسلامي ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب بل صار سياجاً منيعاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم فلا تمس من قريب أو بعيد تحت أي ذريعة أو ستار، فأين أيها الإخوة هذا المدى البعيد وأين هذا الأفق السامي السامق وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظاً لحقوق الإنسان بعد ألف وأربعمائة عام..

أين هذا من أمريكا التي اخترعت القانون السري بعد أحداث 11 سبتمبر وحق لها أن تتجسس وتعتقل المسلمين في بلدها شهوراً بدون أي دليل بحجة حفظ الأمن..

لقد آن الأوان أن نفتخر بديننا وشريعتنا وقيمنا ومبادئنا.

6- سادساً: ومما يجب للفرد على الدولة عدم إشاعة العنصريات والمذهبيات والحزبيات.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].

يا أيها الناس يا أيها المختلفون أجناساً وألواناً المتفرقون شعوباً وقبائل إنكم من أصل واحد..

يا أيها الناس في المجتمع الواحد إياكم والتناحر والخصام والعصبيات لا يجوز هذا تهامي وهذا تعزي وهذا حاشدي وهذا بكيلي وهذا دحباشي وهذا شافعي وهذا حنبلي وهذا زيدي، إنها جاهلية دعوها فإنها منتنة ..... يا للأنصار يا للمهاجرين....

يا أفراد المجتمع جميعاً: ليس للون والجنس والقبيلة والعشيرة والبيت والنسب من حساب في ميزان الله إلا ميزان التقوى، ميزان واحد تتحدد به القيام ويعرف به فضل الناس {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} والكريم حقاً هو الكريم عند الله، بلال...

وهكذا تسقط جميع الفوارق وتسقط جميع القيم ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.

7- سابعاً: ومن حقوق الفرد على الدولة أن توفر له الرخاء المادي والمعيشة الكريمة والراتب المجزي.

والإسلام كما يعلمنا لم يُغْفِل الحالة المادية للترابط بين أفراد المجتمع حيث يأمر المجتمع بمساعدة الفرد عند حاجته من أموال الزكوات والصدقات والكفارات والنذور والقرض الحسن كما أنه يساعده من خلال الاقتطاع من مال الجماعة حين تدعوا الحاجة بما يؤمن له الكفاية على مقتضى ما يراه الحاكم المسلم مناسباً حين يفعل أفراد المجتمع ذلك بتوجيهات الإسلام يكون أفراد المجتمع أرغد الناس عيشاً وأكثرهم أمناً وطمأنينة وشعوراً بالتضامن الأخوي..

أما حقوق الدولة على الأفراد فهي باختصار ولا يتسع المجال للتوسع وسأناقش ذلك في خطب لاحقة، أولاً من حقوق الدولة على الفرد:

1- التوافق مع المجتمع: وأقصد محاولة الفرد المسلم التماثل والتوافق مع مجتمع من خلال مبادئه العليا ومراعاة أعرافه وآدابه في إطار الشريعة وليس ذلك فحسب وإنما الدعوة إلى تلك المبادئ والآداب ومساعدة الآخرين على تمثلها وحمايتها والدفاع عنها.

2- ثانياً من حقوق الدولة على الفرد: المبادرات الخيرة:

المبادرات الخيرة في بناء مجتمعه والتطوع الكريم لمساعدة أبنائه على حل مشكلاتهم المعنوية والمادية على قدر الاستطاعة عن طريق الجمعيات الخيرية وعن طريق الكفالات كفالات الأيتام ونحو ذلك.

3- ثالثاً: ومن حقول الدولة على الفرد تأدية الحقوق والواجبات، تأدية الحقوق العامة التي يفرضها العيش في مجتمع سواء أكانت تلك الحقوق معنوية أم مادية سواء أكانت عمل في الدولة أم عمل في مجال خاص، الاهتمام بالوظيفة ومساعدة الدولة على إرساء النظام والقانون وعدم أخذ الرشوة وعدم التحايل على المال العام وعلى ممتلكات الدولة فهذه ملك للشعب بأجمعه، الدفاع عن الوطن الذي نعيش فيه وبذل النفس والمال في درء العدوان عنه والمحافظة على سمعته بين الأمم.

4- رابعاً: ومن حقوق الدولة على الفرد أو الأفراد:

المحافظة على حيوية المجتمع وجعله يسير في الاتجاه الصحيح وذلك من خلال مبدأ النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسن والاقتصاد في الإنفاق وحفظ الموارد المادية المتاحة واستغلالها على الوجه الأمثل والمحافظة كما قلنا على مرافق الدولة العامة والمساهمة في تنمية هذه المرافق وصيانتها.

وخلاصة القول: أن الفرد المسلم يشعر أن رقيه في النهاية مستمد من رقي مجتمعه ولنعلم أن الانتساب إلى شعب عظيم قوي يرفع من قدر المرء مهما كان والانتساب إلى أمة وضيعة ينزل بقدر المرء مهما كان، ثم إن النهوض بالمجتمع المسلم من القربات التي على المسلم أن لا يحرم نفسه منها كما أن علم الأفراد والدولة والمؤسسات والسلطات الاجتماعية والحكومية المختلفة أن يساعد بعضها بعضاً على العيش في المجتمع بأمان وأمن وكرامة.

وأن نساعد بعضنا في الوصول إلى حقوقنا المشروعة وأن نحاول تهيئة الفرص المتكافئة للجميع وإذا لم نفعل ذلك تحول المجتمع إلى كتل من الأجساد ولا تربط بينهم سوى روابط شكلية تافهة سهل الحصول على تفككها وانهيارها في أي لحظة وحينئذ لن يكون هناك رابح ولن ينجو أحد...

خطبة لفضيلة

د. علي بن محمد مقبول الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 10 / صفر / 1438هـ

 

10 / نوفمبر / 2016م