arrow down

جيل قرآني فريد

إن قرآن هذه الدعوة ين أيدينا وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه العملي وسيرته الكريمة كلها بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول رضوان الله عليهم لكن هذا الجيل لم يتكرر في التاريخ وإن كانت الأمة لا تخلو من نماذج وصلت إلى قرب ذلك الجيل!!

فهل كان غياب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السر؟

الجواب:

لو كان شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حتمياً لقيام الدين والدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للناس كافة وما جعلها الله آخر رسالة، وما وكَّل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان.

ولكن الله سبحانه تكفل بحفظ الذكر وعلم جل جلاله أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن أن تؤتي ثمارها، فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الرسالة وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان، إذن فالدين ينتصر ويوجد في حياة البشر حتى إذا غاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة.

إذن ما هي أسرار تفوق هذا الجيل القرآني الفريد؟ لعلنا أن نقتبس أثراً من آثارهم ونحاول أن نصل إلى ما وصلوا إليه...

السبب الأول: النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول:

كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن وحده ويتبع هذا النبع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه لأنه أثرٌ من آثار ذلك النبع فعندما ما سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن.

واقتصار الصحابة على ذلك النبع لا يعني أنه لا يوجد حضارات ولا ثقافات ولا علوم ولا مؤلفات ولا دراسات... كلا.

فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وعلومها ومبادئها وقوانينها، وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها.

كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة العربية فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العلمية والثقافات العالمية وإنما كان هدف الإسلام هو توحيد الأمة وتوحيد المنهج وتوحيد التلقي الذي تسير عليه.

ولعل هذا يفسر لنا السباق المحموم من الدول الغربية التي تريد أن تحذف بعض فقرات من القرآن أو السنة تتحدث عن يهود وأنى لهم هذا؟... وبغضهم وكفرهم ونقضهم للعهود؛ لأن ذلك كما يقولون يثير الحقد والكراهية في القرن العشرين...

إذن فالمحافظة على هذا النبع حتى لا تختلط الينابيع ويقل تأثير هذا النبع الصافي العظيم الذي أخرج ذلك الجيل...

السبب الثاني في ذلك الجيل القرآني الفريد هو: منهج التلقي...

لقد كانوا في الجيل الأول لا يقرأون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع، لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته.

استلقى الأمر ليعمل به فور سماعه كما يتلقى الجندي في الميدان "الأمر اليومي" ليعمل فور تلقيه.

لم يكن أحدهم يستكثر منه في الجلسة الواحدة لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، كان يكفيه عشر آيات يحفظها ثم يعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود...

هذا الشعور شعور التلقي للتنفيذ كان يفتح لهم آفاقاً من العلم والمعرفة والخشية والعلم، هل واقع المسلمين اليوم كذلك كم يوجد لدينا من حفظة لكتاب الله والعلماء العاملون الصابرون بقرآنهم... الخ.

التلقي والتنفيذ مباشرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً...

عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال كنت في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً وكانت يدي تطيش في الصحفة أي تتحرك وتميل إلى نواحي القصعة...

فقال لي: «يا غلام سم الله وكل...» فما زالت تلك طعمتي - أي صفة أكلي- بعد [رواه البخاري].

كان ابن عمر إذ قرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا...} [الحديد:16]، قال بلى يا رب بلى يا رب.

وخلاصة القول: إن التلقي والتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول، ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال اللاحقة، وما من شك أن هذا العامل التلقي للتنفيذ والعمل كان عاملاً أساسياً في اختلاف الأجيال اللاحقة كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد.

السبب الثالث من أسباب الجيل القرآني الفريد:

لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ما كان يشعر به في اللحظة التي يدخل فيها الإسلام يظن ويجزم أنه يبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في غير الإسلام.

كان الواحد منهم إذا غلبته نفسه مرة شعر في الحال بالإثم والخطيئة وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول ويجاهد من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني.

انظروا إلى حياة الناس اليوم:

- تقديم العادات القبلية على تعاليم الدين.

- تقديم أهواء النفس وشهواتها على تعاليم الإسلام...

- رضا الفرد منا بواقعه الذي يعيش فيه وهو ويعلم أن هذا الواقع فيه ما فيه من مخالفات شرعية ومن ظلم وإثم وغيرها.

- تقديم رغبات الأهل والأصدقاء والأحبار على تعاليم الإسلام ومن ثم نشعر أننا مسلمون وأننا ونحن بعد لم نتخلص من العادات والتقاليد والضغط النفسي لشهواتنا ونفوسنا.

قضية عمر مع ابنه عبدالله والإبل...

إنها نماذج استعلت لدينها وتركت عادات الجاهلية.

أسامة وشفاعته للمخزومية...

قصة سعد بن معاذ مع بني قريظة.

أقول ما تسمعون....

نماذج من الجيل القرآني الفريد.

- هم بشر يحبون ويكرهون يضعفون ويقوون.

ولا يقول قائل كيف نصل إليهم؟ إذا لم نصل إلى ما وصلوا إليه أو نقرب منهم على الأقل فهذا تمام الإسلام لأن الله يقول: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} [المائدة:3]، وإكمال الدين وإتمام النعمة يكون تطبيقه على واقع الناس...

خطبة لفضيلة

د. علي بن محمد مقبول الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 2  / ربيع الأول / 1438هـ

1 / ديسمبر / 2016م