arrow down

أعياد الكفار وأحكام المشاركة فيها

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأحبة في الله : لقد كانت للأمم السابقة حضارات وعادات ..وكانت للقرون البالية تقاليد واعتقادات.. فيا ترى ما موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الحضارات الفارسية والرومانية ؟ وما منهجه عليه الصلاة والسلام من تلك التقاليد والعادات ؟!!

هل كان صلى الله عليه وسلم يحرص على موافقة يهود في أفعالهم ؟ هل كان صلى الله عليه وسلم يوافق النصارى في تصرفاتهم ؟ هل كان يأمر أصحابه بالسير على منوال أهل الكتاب ؟ هل كان صلى الله عليه وسلم يشاطر الفرحة أهل الكتاب ؟ هل كان يشاركهم في أعيادهم واحتفالاتهم ؟

دعونا.. نستقرأ سنته.. ونروي سيرته.. ليتبين لنا منهاجه العظيم.. وهديه المستقيم.. في تعامله مع أهل الكتاب.. هاهو صلى الله عليه وسلم يؤمرنا أن نقرأ في صلاتنا.. بل وفي كل ركعة من ركعات صلاتنا.. ما يجسد هذا المعنى العظيم .. معنى مخالفة أهل الكتاب وعدم التشبه بهم ..فيقول صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وفاتحة الكتاب ..احتوت على معنى جلل ..حق له أن يكرر في اليوم والليلة سبع عشرة مرة ..إنه سؤال الله تعالى الهداية إلى الطريق المستقيم ..صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. أي يا الله ..يا ربنا ..أرشدنا ووفقنا للطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. ولا تجعلنا يا ربنا مع المغضوب عليهم ..وهم اليهود الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه ..ولا الضالين ..وهم النصارى ..الذين عبدوا الله تعالى على جهالة وغواية ..إنه ترسيخ للمبدأ العظيم ..مبدأ البراءة من اليهود والنصارى حتى أنك تسأل الله تعالى مرارا على أن لا يجعلك منهم !!

ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ..وجد أهلها يلعبون في يومين ..فقال عليه الصلاة والسلام : ما هذان اليومان ؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما . يوم الأضحى ، ويوم الفطر " رواه أبو داود؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك أهل المدينة على ما كانوا عليه من الفرح واللعب بأعياد المشركين بل أنكر عليهم ..وبين لهم أن الله تعالى قد عوضهما خيرا من هذين العيدين ..مما يبين لك بجلاء ..أن من أسس النبي صلى الله عليه وسلم أن تتميز أمته ..وأن تحتفظ بأخلاقها المستمدة من شريعة ربها ..وهدي نبيها صلى الله عليه وسلم . فقد ميزها الله بأعيادها ..وميزها بلغتها ..وميزها بشريعتها ونظامها .

ولما جاء إليه صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله : إني نذرت أن أنحر إبلا ببُوانة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ..فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك .. فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم " .. فلا إله إلا  الله .. إنه التميز التام .. والمفاصلة الكاملة .. بين أهل الحق .. وأهل الباطل .. لقد نهى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم  أن يذبح هذا الرجل بمكان كان الكفار يعملون فيه عيدا .. حتى الأماكن التي تقام فيها احتفالاتهم ثم تركوها يجب هجرها .. وترك الذهاب إليها .. فكيف بمن يشاركهم في احتفالاتهم ؟ كيف بمن يفرح بعيدهم ؟ كيف بمن يهنئهم ؟ كيف بمن يبعث برقيات التهاني لهم ؟‍‍‍ وعندما اهتم صلى الله عليه وسلم كيف يجمع الناس للصلاة، اقترح بعضهم النفخ في البوق، فقال:هو من أمر اليهود، ثم اقترحوا ضرب الناقوس فقال:هو من فعل النصارى، كما لم يوافق صلى الله عليه وسلم على إيقاد النار، وأمر بلالاً بالأذان.. لقد كان صلى الله عليه وسلم يسعى لطمس كل معالم أهل الكفر ..حتى بلغ به الأمر..أن يأمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات .. وصفات الطاعات ..لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم . ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعاً من سائر أمورهم ، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أهل الجحيم ، كان أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم .

هكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم .. يريد لأمته الاستقلالية التامة .. يريد لأمته التميز عن الأعداء .. يريد لأمته أن تكون نبراسا للأمم ..وضياءً للشعوب .. ولذا حذر صلى الله عليه وسلم أمته من تقليد غيرها قولاً وفعلاً، فقال: " من تشبه بقوم فهو منهم" فأي تحذير أعظم من هذا التحذير ؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بأهل الكتاب ، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ..)

أيها المسلمون :ومع هذا التحذير الشديد ..إلا أن الواقع اليوم ..يندى له الجبين ..من مسارعة البعض إلى التشبه بالأعداء ..ومشاركتهم في أفعالهم وأقوالهم .. مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى. قال: فمن؟))  كيف يرضى مسلم أو مسلمة ..أن يتشبه بأهل الكتاب في لباسهم وهو يقرأ قول الله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}؟ كيف يرضى مسلم أو مسلمة أن يتكلم برطانتهم بلا حاجة وهو يقرأ قول الله تعالى : ] ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارً حسداً من عند أنفسهم[ ؟  كيف يجامل المسلم على حساب عقيدته ويشارك النصارى في شعائر كفرهم وأعيادهم وهو يقرأ قول الله سبحانه:{ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}  ؟

كيف يشارك المسلم النصارى في احتفالاتهم وهو يقرأ قوله تعالى: { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون}

كيف يهنأ المسلم النصارى في عيد رأس السنة وهو يقرأ قوله تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}

كيف يبعث المسلم برقية تبريك للنصارى الحاقدين وربنا يقول :{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}.

 إني لأعجب والله .. أشد العجب .. من أولئك الذين رأوا بأم أعينهم ما فعله النصارى الحاقدين بإخوانهم المؤمنين .. من قتل وتشريد .. وطرد وتعذيب .. في أفغانستان وفي فلسطين الجريحة ..ومع كل هذه الآلام .. وتلك الجراحات .. إلا أننا نرى تسارع البعض للارتماء بأحضان الغرب.. ألا تكفي الأدلة القرآنية .. والأحاديث النبوية .. والوقائع التاريخية .. أدلة قاطعة  على ما تكنه صدور القوم ضد الإسلام وأهله ؟‍‍ أيليق بعد هذا أن يشارك النصارى في عيد رأس السنة ؟!!

إن عداوة الكفار بجميع مللهم ونحلهم.. يهوديهم ونصرانيهم عداوة أزلية باقية ما بقي الليل والنهار، وأن هذا هو قدر هذه الأمة، وأنه لا سلام إلا بإسلام القوم وإلا { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} ،{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون{ ، { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين} .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

أيها المسلمون: إن  تهنئة  الكفار في أعيادهم التي يعظمونها مثل أعيادهم التي يحتفلون بها كعيد الميلاد وعيد الفصح أو عيد الحب أو أعيادهم الوطنية أو ذكرى إنجاز من إنجازاتهم التي يراد بها في حقيقة الأمر تدمير الإسلام والمسلمين ،أمر محرم شرعا  .

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : ( وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول : عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب ؛ بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج المحرم ونحوه وكثيرا ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفرا فقد تعرض لمقت الله وسخطه ) وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبات حرام لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبات أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من تشبه بقوم فهو منهم" .

قال العلامة ابن عثيمين: ( من فعل شيئا من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة أو توددا أو حياء أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم ) وإن مِن صور المشاركة بأعيادهم والتي لا تجوز وقل من يتنبه لها هو أن بعض أصحاب المحلات التجارية يضع بعض الزينات أو التخفيضات ، أو أية دعاية بهذه المناسبة. فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا نقمة القهار ..وسخطة الجبار ..

اللهم ..

خطبة لفضيلة

د. محمد بن عبدالله الهبدان

عضو رابطة علماء المسلمين

الأربعاء 29 / ربيع الأول / 1438هـ

28 / ديسمبر / 2016م