arrow down

يوم الجمعة: فضله وآدابه

خطبة لفضيلة د. عبدالوهاب بن لطف الديلمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله أسبغ علينا من النعم مالا يحصيه إلا هو، وهو صاحب المن والفضل، ونسأله دوام نعمائه والتوفيق لأداء شكرها، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه.

أما بعد: معشر المسلمين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى التي لا فوز ولا نجاح ولا فلاح بدونها. واعلموا أن الله تعالى اختار من خلقه ما شاء ففضله على سائر المخلوقات، فضل الإنسان على كثير من خلقه { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء: 70].

وجعل مكة أشرف بقاع الأرض، اختصها ببيته الحرام أفضل بيوت الله، وفضل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضل ليلة القدر على سائر الليالي: كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس، يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»(1). ولأجل ذلك الفضل فإن الله تعالى خصه بأمور لا توجد في غيره من أيام الأسبوع، فهو اليوم الذي تكرم الله بأن جعله عيداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففرض عليهم تعظيمه كما جعل السبت لليهود، والأحد للنصارى، ففي صحيح مسلم، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة،نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق»(2)،

وفي يوم الجمعة ساعة الإجابة، لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا استجاب له، ما لم يسأل حراماً، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه»(3). وروى مسلم أيضاً أن هذه الساعة، ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، كما روي أنها ساعة بعد العصر، وأنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وفي إبهامها ترغيب للإكثار من الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، فمما روي عنه صلى الله عليه وسلم قول: «فأكثروا من الصلاة لي في يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»(4). وفرض الله في هذا اليوم صلاة الجمعة وتوعد تاركها والمتهاون بها أشد الوعيد، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أحمد ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس: ثم احرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم»(5).

وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة وابن عمر: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»(6)، وروى الخمسة وأحمد: «من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه»(7).

وللجمعة سنن وآداب ينبغي المحافظة عليها من ذلك: الاغتسال يوم الجمعة والتطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير إلى المسجد والدنو من الإمام والإكثار من الصلاة وإذا خرج الإمام أمسك عن الكلام روى أحمد والبخاري عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى»(8)، وفي رواية «وزيادة ثلاثة أيام»(9)

وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثم يصلي ما كتب له، ما يدل على أنه لم يكن هناك يوم الجمعة من نوافل الصلاة ما هو معين بعدد أو وقت ولكن من أتى المسجد فله أن يصلي ما يشاء قبل أن يدخل الإمام في الخطبة إلا أن الداخل لا ينبغي له أن يجلس حتى يصلي ركعتين سواء جاء والإمام يخطب أو جاء قبل ذلك، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: أصليت قال لا؛ قال قم فصل ركعتين»(10).

ويخطئ الذين يقومون والإمام يخطب فيصلون بعد أن كانوا قد صلوا وجلسوا فهذا مخالف لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فليس بعد دخول الإمام في الخطبة من ذكر ولا كلام إلا ركعتي التحية للمسجد للداخل.

ويحرم الكلام والإمام يخطب كما يحرم الاشتغال بكل ما يصرف عن الاستماع للإمام والإصغاء لما يقول.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت»(11).

وفي رواية لأحمد: «ومن لغا فلا جمعة له»(12). فإذا كان قولك أنصت لصاحبك وهو أمر بمعروف يحرمك من أجر الجمعة فبالأولى غيره من الكلام بل لقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يتكلم والإمام يخطب بالحمار يحمل أسفاراً، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: « من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت:ليس له جمعة»(13). أي كما أن الحمار لا ينال من حمل الكتب إلا التعب والمشقة دون أن يستفيد شيئاً مما فيها فكذلك الذي يحضر الجمعة ثم يتكلم ليس له من جمعته إلا تعبه ومجيئه إلى المسجد دون أن يكسب من وراء ذلك من الأجر شيئاً، واحذروا رحمكم الله من تخطي الرقاب عند دخول المسجد، فقد ورد النهي عن ذلك فيما رواه أبو داؤود والنسائي وأحمد عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت»(14).

وقد روى أحمد أيضاً عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار»(15). أي كالذي يجر أمعاءه في النار لذلك ينبغي على من أتى الجمعة أن يبكر ولا يقعد في صف حتى يعلم أن الصف الذي أمامه لا يوجد فيه مكان ومن ابتلي بالتأخر فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس إلا أن العلماء أجازوا التخطي لاثنين للإمام إذا لم يكن له باب من جهة القبلة يدخل فيه ولمن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي والذي يترك الفرجة أمامه ولا يسدها حتى يأتي آخر فيتخطاه إلى تلك الفرجة يكون هو الجاني على نفسه والمهدر حق نفسه من حرمة التخطي.

هذه الحقوق والسنن والآداب التي تتعلق بالجمعة، فاحرصوا عليها تقبل بها صلاتكم ويضاعف لكم الأجر وتكونوا قد أديتم حق الجمعة لما أرشدكم إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال: 24]. وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

الحمد لله يهدي لنوره من يشاء نحمده جعل عبادته ومرضاته غاية أحبابه وأوليائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والسائرين على منهاجه إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول أي ما يجده المؤذن والمصلي في الصف الأول من الأجر- ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»(16).

وقوله: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله»(17)، أي يتأخرون عن الصلاة في الصفوف الأولى حتى يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه. إننا نشاهد كثيراً من المصلين يقعدون عن المسابقة في مواطن الخير فيؤثرون الصلاة في مؤخرة المسجد في حين أن الصفوف الأولى غير تامة ولكي ينال المصلي مجلساً في الصفوف الأولى ويسلم من إيذاء الناس وتخطيهم فعليه بالتبكير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح -أي خرج في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»(18).

ومن أراد أن يصلي نافلة بعد صلاة الجمعة فليصل أربعاً في المسجد أو ركعتين في البيت أو ركعتين في المسجد وركعتين في البيت كل ذلك ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن عمر وغيره(19).

وهذا الذي ذكرناه عن الجمعة لم نستقص فيه كل ما جاء في السنة عنها ويتبين بذلك ما لهذا اليوم من عظيم الفضل وما يجب على المسلمين فيه من المزيد في الشكر لربهم المنعم المتفضل جل وعلا.

وأن يشتد حرصهم على كل ساعة من ساعاته، فيكثرون فيه من القرب وفعل الخيرات ولكن الذي يؤسف له أن كثيراً من الناس يحولون هذه المقاصد الشرعية الحسنة إلى مقاصد سيئة يسهرون ليلة الجمعة في اللهو واللعب والإثم، فلا ينامون إلا في ساعة متأخرة من الليل حتى يؤدي بهم ذلك إلى تضييع صلاة الفجر وربما ضيع بعضهم صلاة الجمعة أيضاً أما نهار يوم الجمعة فالأمر أدهى من ذلك وأمر، تراهم يخرجون في هذا اليوم العظيم وكأنه يوم مجون وخلاعة وفسوق يخرج الكثير بعوائلهم وقد حسرت المرأة عن ثيابها لِتَفْتِن ثم تُفْتَن، ثم يجاهرون ربهم بالمعاصي في ساعات فضيلة من هذا اليوم حيث يجتمع الرجال والنساء في أماكن السباحة والخلاعة دون حياء ولا خجل.

هذا ما يجب علينا من التنبيه والبيان والحجة على من يسمع ويُعْرِض لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً ولا يجعل قيمة لأوامر الله ونهيه والله شهيد على ما تعملون.

________________________

(1) مسلم ج2، كتاب الجمعة باب فضل يوم الجمعة برقم 18: 585 محمد فؤاد عبد الباقي.

(2) مسلم ج2، كتاب الجمعة باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة برقم 22-856، صـ586.

(3) مسلم 2/ 583، حديث رقم: 852،

(4) راجع مسلم ج2 كتاب الجمعة باب في الساعة التي يوم الجمعة 13-852، 16-853، وصحيح سنن أبي داود ج1/924-1046.

(5) مسلم ج1 كتاب المساجد مواضع الصلاة 254-652.

(6) مسلم ج2، كتاب الجمعة باب التغليظ في ترك الجمعة برقم 40-865.

(7) صحيح الترمذي ج1 414-504 وقال الألباني صحيح.

(8) البخاري ج1 الجمعة 843. وفي المسند ج9/23771. صدقي محمد جميل العطار.

(9) الزيادة عند مسلم 2/ 587، حديث رقم: 857.

(10) البخاري 1/ 889، ومسلم ج2 الجمعة برقم 55/ 596.

(11) مسلم 2، كتاب الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة 12/ 583، وفي صحيح أبي داود 1/983-1112 قريباً من هذا.

(12) الفتح الرباني 6/62 رقم 1563.

(13) الفتح الرباني 6/97 رقم 1599 من حديث بن عباس، باب المنع من الكلام والإمام يخطب.

(14) الفتح الرباني 6/71 رقم 1573 وصحيح أبي داؤود 1/989، وفي النسائي 3/103 رقم 1399، وقال الألباني صحيح.

(15) أحمد 3/417، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/179: فيه هشام بن زياد وقد أجمعوا على ضعفه أنظر الميزان 4/298 برقم 9223.وضعفه الألباني في سلسلة الضعيفة 6/312

(16) البخاري 2/ 222، حديث رقم: 590، ومسلم 1/ 325، حديث رقم: 437.

(17) مسلم 1/ 325، حديث رقم: 438.

(18) البخاري 1/841. مسلم 2/10/850، وفي صحيح أبي داؤود 1/338-351. وفي صحيح الترمذي ج1/413-503.

(19) مسلم 2 كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة باب 67-881، وباب68/600.