arrow down

حقوق الفرد على الدولة

خطبة لفضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

نظرة الإسلام نظرة شاملة.

زرع الله جل وعلا في فطرة الإنسان الميل إلى معايشة أفراد جنسه والأنس بهم وإقامة العلاقات التبادلية والتكاملية معهم، ووجود المعايشة الاجتماعية بين أفراد المجتمع شرط أساسي في تمدن الإنسان ورقيه ونموه المتكامل فهو لا يتعلم اللغة ولا يكتسب العادات والتفكير الراقي ولا يرقى بسلوكه إلا من خلال تعاونه مع أخيه الإنسان وحين هبط آدم عليه السلام من الجنة لم يهبط وحده وإنما هبطت معه زوجه حواء ليشكلا معاً نواة الجماعة الإنسانية الأولى، وهبط معهما إبليس عليه لعنة الله ليكون وجوده في الأرض جزءاً من الابتلاء وبوابة مشرعة للصراع بين الحق والباطل الذي يمكن الإنسان من الوعي بذاته وأنه صراع وحرب مع الشيطان فيجتنب الشيطان وطرقه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام:153].

لكن أخي المسلم كيف نوجد الترابط الاجتماعي؟!

حين تطلب الجماعة أو الدولة من أفرادها نوعاً من التجانس والتماثل والتعاون والمحبة؛ فإنها لا تفعل ذلك دون أن تقدم الثمن فهي تلبي لأبنائها مقابل ما تطلبه منهم ولذلك يصح القول إن الدولة لا تستطيع أن تمارس فرض قوانينها وتعاليمها وأنظمتها الاجتماعية إلا على مقدار ما تقدمه لأفرادها من حاجتهم وتطلعاتهم حيث يعتزون في هذه اللحظة إلى طاعتها والانتساب إليها.

وحين نطالع التعاليم الإسلامية نجد العجب العُجاب فنجد أن المجتمع المسلم يكون حريصاً على تقديم كل ما في وسعه من تعاطف وتضامن مع أبنائه كما أنه يحث الفرد على الحرص على مجتمعه ومحاولة الامتثال له والانسجام معه في كل ما لا يشكل خروجاً على المعتقدات الدينية الأساسية والمبادئ العامة التي على المجتمع أن يرضخ لها حكاماً ومحكومين.

وعلى سبيل المثال فنجد من حقوق الفرد على الدولة ما يلي:

أولاً: تحقيق ذاته:

يفسح المجتمع الإسلامي لكل فرد فيه مجال الريادة بالأفضلية والصدارة على مقدار ما يتمتع به من خصال الخير والكمال والنظافة الشخصية؛ وذلك بقطع النظر عن نسب ذلك الفرد وعرقه وقبيلته ونسبه وجاهه وماله.. وفي هذا يقول القرآن {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، ويصل تحقيق ذاته أن يتولى الرئاسة العليا في الدولة كلما كان كفواً لذلك.

وقد ولى المسلمون عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وهو من تيم أذل فخذ في قريش وقد ذكر المؤرخون أن أبا قحافة والد أبي بكر رضي الله عنه حين بلغه ما صنعه من انتخاب ابنه تعجب من ذلك وقال: لله في خلقه شؤون.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى أسامة بن زيد إمارة جيش فيه أبوبكر وعمر وهو مولى كما هو معروف في التاريخ.

أيها الإخوة في الله:

ثانياً: من حقوق الفرد على الدولة تعليمه:

وأقول باختصار ليس هناك أمة من الأمم نظرت إلى العلم نظرة احترام وتقدير كما فعلت أمة الإسلام في أيام حضارتنا الزاهية فهو عندها من أعظم القربات إلى الله تعالى ويصل التعلم في أحيان كثيرة إلى درجة الواجب الشرعي وهو في كل حين واجب حضاري، والعلم لا يعرف أجلاً أو أحداً إلا بانتهاء العمر، وكما ورد في الأثر: "أغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً يعني للعلم ولا تكن الخامسة فتهلك" وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالماً أو متعلماً».

وسئل عبدالله بن المبارك إلى متى تكتب العلم وتطلب الحديث فقال: لعل الكلمة التي انتفع بها لم أسمعها بعد، وقيل للإمام أحمد رحمه الله إلى متى الرجل يكتب العلم؟ فقال للسائل: حتى يموت.

وليس هذا المجال مجال الكلام عن العلم لكنني أطالب الدول العربية والإسلامية وخاصة دولتنا بتيسير سبل العلم وإكرام المعلمين، وفتح المجال لأبنائنا إلى التعلم وعدم تعقيد القضية وعدم قبول إلا من له واسطة أو هو ابن مسئول أو نحوه؛ بل واجب أن تفتح الدولة المجال أمام الجميع وهو ما يعرف اليوم بمبدأ تكافؤ الفرص الذي يتيح لكل فرد في المجتمع أن يصل إلى المكان الذي يستحقه بجده واجتهاده وكفاءته لا يقف في وجهه عائق من فقر أو نسب أو جاه أو حزبية أو انتماء بحيث يستطيع اختيار الدراسة التي يريدها، استحق ذلك بجده واجتهاده أما حين تفتح التخصصات النادرة لفئة محدودة من الناس ليس لجدهم وإنما لأنهم أبناء الذوات والمسئولية أو أبناء رؤساء الأحزاب والتنظيمات والانتماءات هنا يكثر الحقد والحسد والبغضاء بين أفراد المجتمع.

وإننا أيها الإخوة لنفخر ونحن مصنفون على أننا دولة فقيرة أن يوجد في بلادنا ثمان جامعات حكومية ومثلها أو أكثر من الجامعات الأهلية.

وإنني أقول لتجار المسلمين والمقتدرين إن أفضل البذل هو في بناء الجامعات ولو كانت أهلية وبناء المدارس وبناء دور تحفيظ القرآن الكريم.

إذا فعلنا ذلك فنحن أمة تحترم نفسها ويحترمها الآخرون ومن عجيب ما قرأته عن حضارة الأندلس أن الأوروبيين كانوا يتعلمون في الأندلس وإذا عاد أحدهم إلى بلده تكلم بلغته الأصلية ثم طعم.

أيها الإخوة في الله

 ثالثاً ومن حقوق الفرد على الدولة: أن توفر له شعوره بالانتماء لأمته ودينه ووطنه.

فالمجتمع المسلم يؤمن للمسلم الشعور بالانتماء كما يدفع عنه مشاعر الاغتراب ويقدم له الدعم المعنوي من إجراءات كثيرة جداً حيث يشعره باهتمام الناس به من حيث السلام عليه وزيارته وعيادته إذا مرض، ومن خلال مشاركته في أفراحه وتعزيته في مصابه والذب عنه إذا ظُلم وإغاثته في حالة الأزمات والذب عن عرضه والدفاع عنه في حال غيابه وكف الأذى عنه ونصحه وتشجيعه على أعمال الخير وغير ذلك مما يجعل المسلم يحس بأنه عنصر في دولة توليه ما يستحقه من الرعاية والاهتمام والاشتراك في حب الوطن وعبادته بغير ميزان الشرع كما يقول البعض اليوم:

وطني لو صوروه لي وثناً لهممت ألثم ذلك الوثنا.

أو يقول:

ويا وطني لقيتك بعد يأسٍ *** كأني لقيت بك الشبابا

أدير إليك قبل البيت وجهي *** إذا فُهْتُ الشهادة والمثابا

عجايب: رجل يفوه الشهادتين والمتاب ويدير وجهه إلى وطنه قبل أن يديره إلى الكعبة.. إن بعضهم يريد حب الوطن ولو كان على الكفر، يجتمع تحت مظلة الوطن أو الوطنية بدون جامع وهو الإسلام وقد قال أحدهم:

هبوني ديناً يجعل العرب أمةً *** وسيروا بجثماني على دين برهم

ألا حبذا الكفر يوحد بيننا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

أيها الإخوة: حب الوطن أمر جبلي لا يحمد بذاته ولا يذم وحديث حب الوطن من الإيمان حديث موضوع ولو كره الوطنيون.

فإذا كان أخي المسلم حب الوطن مدعاة للدفاع عنه ضد العدو الظاهر الذي يريد احتلاله بالسلاح وضد العدو المتستر الذي يريد احتلاله بالفكر والانحلال فنعما هو وهذا هو الحب الذي نريده:

بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنا *** بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

ولست أبغي سوى الإسلام لي وطناً *** الشام فيه ووادي النيل سيانِ

وحيثما ذكر اسم الله في بلدٍ *** عددت أرجاءه لها من لب أوطاني

هذا هو حب الوطن المبارك إما إن كان حب الوطن مدعاة للعبودية له والتضحية بالدين في سبيله فهي عندئذ وثنية بلا قناع!!

أيها الإخوة في الله: رابعاً من حقوق الفرد على دولته عدم الظن به {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، وما دام النص منصباً على أكثر الظن والقاعدة إن بعض الظن إثم وبهذا يطهر المجتمع المسلم ويهز القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء فيقع الإثم.

ويحرص القرآن في الآية السابقة على أن يكون المجتمع المسلم نقياً بريئاً من الهواجس والظنون أبيض يكن لأبنائه المودة التي لا يخدشها ظن السوء والبراءة التي لا تلوثها الرِّيب والشكوك والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والخوف.. وما أجمل الحياة في مجتمع بريء من الظنون.

بل إن الأمر لا يقف في الإسلام عند تربية الضمائر والقلوب بل إن هذا النص {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} يقيم مبدأً في التعامل وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في دولة واحدة فلا يؤخذون بظنة، ولا يحاكمون بريبة، ولا يصح الظن أساساً للتحقيق معهم.. ولا للتحقيق حولهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ويعلمنا: «إذا ظننت فلا تتحقق» ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء مصونة حقوقهم وحرياتهم واعتباراتهم حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه ولا يكفي الظن بهم لتعظهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم...

أما أن يسجن الإنسان سنتان ثم يقال له هذا ظن هذا اشتباه في الاسم فهذا ليس من الإسلام وليس من حقوق الفرد على دولته.. فانظروا أيها الإخوة إلى أي مدى من صيانة كرامة الإنسان وحريته وحقوقه ينتهي إليه هذا النص { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.

وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق هل فيها هذا المدى الذي هتف به القرآن للذين آمنوا وقام عليه المجتمع المسلم فعلاً وحقيقة في واقع الحياة بعد أن حققه في واقع الضمير.

أيها الإخوة في الله: ومما يجب على الفرد على دولته عدم التجسس عليه وعلى أسرته وعلى حريته.. والقرآن يعلمنا ذلك فيقول جل وعلا: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تجسسوا ولا تحسسوا» والتجسس قد يكون هو الحركة الثانية للظن قد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات والاطلاع على السوءات والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوءاتهم وهذا مما يتماشى مع أهداف الإسلام في نظافة الأخلاق والقلوب.. وفي اعتقادي أن الأمر أبعد من هذا أثراً فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي وفي إجراءاته التنفيذية والتشريعية.

إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور ولا أن تُمس في حال من الأحوال.

وفي المجتمع المسلم وهذا من حق الفرد على دولته أن يعي الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرهم، آمنين أسرارهم، آمنين على عوراتهم، ولا يوجد مسوغ أو مبرر مهما يكن لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات حتى ذريعة تتبع الجريمة والتحقق منها لا يصلح هذا في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس؛ فالناس على ظواهرهم وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم في مخالفات وجرائم، وليس لأحد أن يظن أو يتوقع، وكل ما لك على الناس أن تأخذ بالجريمة عند وقوعها وانكشافها مع الضمانات الأخرى التي يُنص عليها بالنسبة لكل جريمة، عن زيد بن وهب قال أُتي ابن مسعود فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمراً فقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.

وعن مجاهد: لا تجسسوا خذوا بما يظهر لكم ودعوا ما ستر الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لو تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم» [رواه أبو داود].

وهكذا أيها الإخوة الأفاضل يأخذ الإسلام طريقة في النظام العملي للمجتمع الإسلامي ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب بل صار سياجاً منيعاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم فلا تمس من قريب أو بعيد تحت أي ذريعة أو ستار.. فأين الأخوة هذا المدى البعيد وأين هذا الأفق السامي السامق، وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظاً لحقوق الإنسان بعد ألف وأربعمائة عام من هذا النص الشريف.

أين هذا من الدول الأوروبية وأمريكا التي اخترعت القانون السري بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحق لها أن تتنصت وتتجسس وتعتقل المسلمين في بلادها شهوراً بدون أي دليل أو حجة لكن حجتهم مكافحة الإرهاب.. كلمة مطاطة لا أول لها ولا آخر.

لقد آن لنا أن نفتخر بديننا وشريعتنا وقيمنا ومبادئنا.

أيها الإخوة في الله ومما يجب للفرد على دولته عدم إشاعة العنصريات والمذهبيات والحزبيات المفرقة للأمة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

يا أيها الناس الأفراد يا أيها الجماعات يا أيها المختلفون أجناساً وألواناً والمتفرقين شعوباً وقبائل إنكم من أصل واحد وأب واحد.

يا أيها الناس في المجتمع الواحد إياكم والتناحر والخصام والعصبيات والمذهبيات لا يجوز هذا.

هذا تهامي وهذا تعزي وهذا حاشدي وهذا بكيلي وهذا دحباشي وهذا حضرمي وهذا شافعي وهذا حنبلي وهذا زيدي...

إنها جاهلية دعوها فإنها منتنة.

لقد كانت كلمة الأنصار وكلمة المهاجرين...

يا أفراد المجتمع جميعاً ليس للون والجنس والقبيلة والعشيرة والبيت والنسب من حساب في ميزان الله إلا ميزان التقوى.. ميزان واحد تتحدد به القيم ويُعرف به فضل الناس {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} والكريم حقاً هو الكريم عند الله... هذا بلال بن رباح... سلمان منا آل البيت...

وهكذا تسقط جميع الفوارق وتسقط جميع القيم ويترفع ميزان واحد بقيمة واحدة وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر وإلى هذه القيمة اختلاف البشر في الميزان..

سابعاً: أيها الإخوة ومن حقوق الفرد على دولته أن توفر له الرخاء المادي والمعيشة الكريمة والراتب المجزي:

وهذا منصوص عليه في ديننا يقول صلى الله عليه وسلم: «من ولي لنا شيئاً وليس له دابة فليعط دابة وليس له داراً فليعط داراً» بل إن عمر رضي الله عنه كان يعطي المولود نفقته حتى يكبر والقانون في حقوق الإنسان على أن للفرد الحق في العمل وحرية اختياره بشروط عادلة والحق في الأجر المساوي للعمل والكافي لمعيشته وأسرته والحق في الانضمام إلى النقابة المختصة؟

لماذا كثرت السرقات؟ لماذا كثر الحقد والحسد والنظرة السوء تجاه كل مستور الحال لماذا زاد الحقد بين الراعي والرعية؟ السبب هذا الغلاء الفاحش وإنني أذكر حكومتنا بالتزاماتها وأذكر أيضاً رئيس الدولة فرئيس الدولة كالأب للأسرة ولذلك قرن بينهما في الحديث الذي رواه الشيخان في المسئولية «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته».

وكما أن مهمة الأب ليست مقصورة على حماية أسرته فحسب بل هو مسئول عن راعية شئونها جميعاً كذلك الإمام في الدولة الإسلامية هو مسئول عمن استرعاه الله إياهم مسؤولية الوالد عن أولاده وقد بلغ هذا الإحساس بالمسئولية عن الأمة وأموالها وحقوقها حداً عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعله يقول: "لو مات جمل ضياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه".

وبلغ هذا الإحساس بالمسئولية عند عمر بن عبدالعزيز حداً جعله يجلس في مصلاه واضعاً خده على يده ودموعه تسيل على خديه فتقول له زوجته فاطمة: مالك؟ فيقول ويحك يا فاطمة لقد وُلِّيت من أمر هذه الأمة ما وُلِّيت ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته فرحمت نفسي فبكيت".

من أهم واجبات الحكومة أن تقيم العدل وليس من العدل أن يجوع الفقراء أو يحرموا من حاجاتهم الأساسية وفي المجتمع خير وأغنياء قادرون على البذل والعطاء، فيجب على حكومتنا أن يكون لها عناية خاصة بذوي الدخل الضئيل وإتاحة الفرصة لهم ليكسبوا ويغنوا أنفسهم ولو كان ذلك بالتضييق بعض الشيء على أصحاب الثروات الكبيرة.

إنني أتعجب عندما ذهبت بالأمس إلى أحد أسواقنا وشاهدت الباعة.. إلى أين يذهبون يسرقون يقتلون.. لماذا لا ندعهم يعملون.. ننظم عملهم بدل أن يتحكم فيهم أهل البلدية.

إنني أقولها وبصراحة إن من حق الفرد على دولته إذا شحت موارد رزقه أن يصرخ في وجه الحاكم الذي هو الأب والحامي والناصر أن يصرخ مطالباً بحقه وحق بنيه في مال المسلمين وأن الحاكم والمسئول لا يضيق ذرعاً بصراخ هذا المسكين بل يسارع إلى إجابة طلبه.

وأن السياسة الراشدة هي التي تفتح أبواب العمل للفقراء القادرين عليه وتيسر أسبابه، وتعمل على تنحية مواردهم ليستغني هؤلاء بمواردهم التي يجنونها بجهدهم الخاص عن طلب المعونة من الدولة ما أمكن ذلك وهذا ما يوحي به قول عمر "فالكلأ أيسر علي من الذهب والفضة" إذا فعلنا ذلك كان المجتمع أكثر أمناً وطمأنينة وأرغد الناس عيشاً وشعوراً بالتضامن الأخوي.

حقوق الدولة على الفرد لا يتسع المجال للتفصيل في ذلك وسأناقش القضية في خطب لاحقة إن شاء الله لكنني أقول:

1- من حقوق الدولة على الفرد: التوافق مع المجتمع وأقصد بذلك محاولة الفرد التماثل والتوافق مع مجتمع من خلال مبادئه العليا ومراعاة أعرافه وآدابه في إطار الشريعة وليس ذلك فحسب بل الدعوة إلى تلك المبادئ والآداب ومساعدة الآخرين على تمثلها وحمايتها والدفاع عنها.

2- ثانياً من حقوق الدولة على الفرد المبادرات الخيرة في بناء مجتمعه والتطوع الكريم لمساعدة أبناء مجتمعه على حل مشاكلهم المعنوية والمادية على قدر الاستطاعة.

عن طريق الجمعيات والمؤسسات المدنية عن طريق كفالة الأيتام ومساعدة الشباب على الزواج عن طريق المساعدة في بناء الطرق ونحو ذلك.

3- ثالثاً: من حقوق الدولة على الفرد تأدية الحقوق والواجبات:

تأدية الحقوق العامة التي يفرضها العيش في مجتمع واحد سواء أكانت تلك الحقوق معنوية أم مادية سواء أكانت عملاً في الدولة أم عملاً في مجال خاص، الاهتمام بالوظيفة ومساعدة الدولة على إرساء النظام والقانون وعدم أخذ الرشوة وعدم التحايل على المال العام وعلى ممتلكات الدولة فهذه ملك للشعب بأجمعه.. الدفاع عن الوطن الذي نعيش فيه وبذل النفس والمال في درء العدوان عنه والمحافظة على سمعته بين دول العالم وشعوبه.

4- رابعاً: من حقوق الدولة على الفرد:

المحافظة على حيوية المجتمع وجعله يسير في الاتجاه الصحيح وذلك من خلال مبدأ النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة والاقتصاد في الإنفاق وحفظ موارد الدولة المتاحة واستغلالها على الوجه الأمثل والمحافظة كما قلنا على مرافق الدولة العامة والمساهمة في تنميتها وصيانتها.

 

وخلاصة القول: إن الفرد المسلم يشعر أن رقيه في النهاية مستمد من رقي مجتمعه ولنعلم أن الانتساب إلى شعب عظيم قوي يرفع من قدر المرء مهما كان والانتساب إلى أمة ضعيفة ينزل بقدر المرء مهما كان.. ثم إن النهوض بالمجتمع المسلم من القربات التي على المسلم أن لا يحرم نفسه منها، كما أن على الأفراد والدولة والمؤسسات والسلطات الاجتماعية والحكومية المختلفة ان يساعد بعضها بعضاً على العيش في المجتمع بأمان وأمن وكرامة، وأن نساعد بعضنا في الوصول إلى حقوقنا المشروعة وأن نحاول على تهيئة الرفص المتكافئة للجميع، وإذا لم نفعل ذلك تحول المجتمع إلى كتل من الأجساد لا تربط بينهم سوى روابط شكلية تافهة سهل الحصول على تفككها وانهيارها في أي لحظة وحينئذ لن يكون هناك رابح ولن ينجو أحد..