arrow down

دعوى الجاهلية

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمن )

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي حكم أن الفتنة أشد من القتل، وقرر أن الأخوة بين المؤمنين هي الأصل، وحذر من طاعة أعدائه لما فيها من تفريق بين المؤمنين، وإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين. والصلاة والسلام على من حذر من دعوى الجاهلية، وعدها معصية كبيرة جلية، وتبرأ من الداعين إليها والمحرضين عليها لما يترتب عليها من مفاسد دينية ودنيوية، صلى الله عليه وعلى اله وصحبه الذين وصفهم الله بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

أما بعد:

فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله:

عباد الله: يقول الله - تبارك وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

ذكر أهل السير وبعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا بعد حادثة جرت للأنصار - رضي الله عنهم -، وذلك أن قبيلتي الأنصار الأوس والخزرج كان بينهما في الجاهلية حروب دامية وطويلة، وكانت الحرب فيها سجال بينهما، وقد استعملوا فيها جميع الأسلحة المادية والمعنوية ومن ذلك الأشعار وغيرها، وكانت اليهود تغذي ذلك وتدفع به لأجل أن تسيطر على الطرفين اجتماعياً واقتصادياً، فلما جاء الله بالإسلام انتهت الحروب وحل محلها أخوة الإسلام ونسوا ما كان بينهم من عداوات، فمر بهم وهو في بعض مجالسهم التي تجمعهم دون تمييز بعض اليهود، فساءه ما رأى وامتلأت نفسه الخبيثة غيضاً وحسداً؛ لذلك دس بينهم من يذكرهم ماضيهم وما كان بينهم من عداوات، وينشدهم بعض ما قيل في ذلك من أشعار من الطرفين، فما لبث أن هيج نفوسهم وأثار ضغائنهم وملأ صدورهم بالعصبية، كلاً لقومه حتى هموا بالقتال فيما بينهم، فسمع ر سول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وأسرعَ إليهم ووعظهم وذكرهم أخوة الإيمان، فعادوا إلى صوابهم، وأدركوا مكيدة عدوهم، وقاموا إلى بعضهم البعض يتعانقون ويتسامحون ويعتذر بعضهم إلى بعض، فنزلت الآيتان المذكورتان تذكرهم وتحذرهم من مكائد أعدائهم، وأن الاستماع إليهم والانجرار وراء إيحائهم، خطير قد يؤدي بالإنسان إلى الكفر الصريح أو التخلق بأخلاق الكافرين التي من أشهرها العداوة والبغضاء والتقاتل والتحارب فيما بينهم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) متفق عليه.

فإذا كان اليهود قد تمكنوا من جر الصحابة وبث العداوة والبغضاء فيما بينهم، أليس جديراً بنا أن نحذر من مكائدهم التي ظاهرها النصح وباطنها الكيد والمكر؟ أيها الإخوة وقد تكرر شيء من ذلك مرة أخرى في غزوة من غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث تضارب مولى للأنصار مع مولى للمهاجرين فصاح كل منهما بمواليه، وسرت الدعوى في الفريقين فهذا يقول: يا للأنصار، وهذا يقول: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأزعجه ذلك وخرج على أصحابه مغضبا يقول: ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة)).

وهاهم اليوم أهل الكتاب يعيدون ما بدأه أسلافهم من قبل هاهي أمريكا تعمل على ضرب المصريين بعضهم ببعض بأسلوبها الإجرامي الخبيث، حيث تعلن كلاماً وتوحي إلى أوليائها في السر كلاماً آخر، كل ذلك من أجل أن تدوم السيادة لها ولربيبتها إسرائيل في المنطقة، وهذا ما جعل مبارك يتمادى في صلفه وتجبره ويخرج على الناس بكلام يخيِّب الآمال، ويؤجج الثورة من جديد.

ما هي دعوى الجاهلية المنتنة؟

إنها العصبية، إنها التعصب على مسمى معين مهما كان ذلك المسمى، مسمى مناطقي، مسمى قبلي، مسمى حزبي، مسمى طائفي، كل ذلك من دعوى الجاهلية المنتنة.

ولو كان هناك مسمى يصح التعصب له وتفريق الناس من أجله لكان الاسم الذي سماهم الله به المهاجرين والأنصار-.

إن الدعاء بدعوى الجاهلية يجعلنا نتخلق بأخلاق الجاهلية، ونتصرف تصرفات الجاهلية، ونتعامل معاملة الجاهلية؛ فلذلك حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد التحذير كما حذر من أفعال الجاهلية نفسها وأرشدهم - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يتداعوا بالاسم الذي سماهم الله به (المؤمنين- المسلمين).

عباد الله: وهذا الذي قرره القرآن بقوله - تعالى -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وأما الأحاديث المقررة لذلك فكثيرة لا تحصى.

فمن يدعو إلى التفريق بين المؤمنين لاعتبارات طائفية أو حزبية أو مناطقية؛ فإنه يدعو إلى الدعوى الجاهلية التي حذر منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسماها منتنة.

وقد كنا مستاءين من الشعارات التي تكرِّس هذه الدعوى منذ برزت وزاد الاستياء هذه الأيام، حيث بدأت نذر الشر تتصاعد، وبدأت تنحى المنحى الانتقامي الذي يصل إلى التحريق والتخريب والاعتداء على الممتلكات بأفعال هوجاء مقيتة، تقابلها ردود أفعال مثلها أو أقبح منها، والأسوأ من ذلك والأقبح ما نقله شهودُ عيان من أن جهاتٍ أمنية كانت حاضرةً تتفرج على إحدى الفئات وهي تحطم وتهشم سيارات الناس الآمنين المنضوين في بيوتهم الذين لا ناقة لهم ولا جمل، فيما حصل بل يقول بعض أولئك الشهود أن تلك الجهة الأمنية كانت متعاطفة مع من يفسدُ ويخرب حتى يخيل لمن يراها أنها تحميهم وتشجعهم على ما يفعلون.

إن هذه الروايات - إن صحت - فإنها تدل دلالة واضحة على أن قادة تلك القوى الأمنية ما فهموا الرسائل الكبيرة والخطيرة التي أرسلها الشعب التونسي والشعب المصري، وأنهم لن يفهموا حقيقةَ واجبهم، وما يجب أن يفعلوه إلا بعد أن يقع الفأسُ في الرأس، وأنهم يريدون من الشعب اليمني رسالة جديدة أقوى وأعتى من رسالتي التونسيين والمصريين، وعندها يقول قائلهم: (الآن فهمتكم) حين لا يغني الفهم ولا تنفع التوبة.

إن تلك الجهةَ الأمنية إن صح ما نُسب إليها لتلعب لُعبةً قذِرة سوف تجر البلاد والعباد إلى فتنة لا يعلم مداها إلا الله، وسوف تكون هي أول من يحترق بنار تلك الفتنة، وكذلك كل من يلعبُ بهذه الأوراق؛ لأن هذا قلبٌ كامل لما أمر الله به من الإخوة وتأليف القلوب وجمع الكلمة، وقد قال الله - تعالى -: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال - تعالى -: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقاب).

وعلى جميع المؤمنين في هذه البلاد الذين تجمعهم كلمةُ التوحيد، ويشملهم اسم الإيمان والإسلام أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتمسكوا بتقوى الله، وأن يلتزموا حدوده، وأن يعرفوا حقوق إخوانهم المسلمين ويؤدوها، ويعرفوا حرمة المسلم في دمه وماله وعرضه، كما صدع بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع، حيث قال: ((إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)).

وعلينا جميعاً أن نتذكر ونذكر أنفسنا وإخواننا بقول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

الخطبة الثانية

- الحمد والثناء:

عباد الله: يقول الله - تعالى - بعد أن قصَّ قصة قوم لوط: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) قال ابن كثير - رحمه الله – "أي: أفلا تعتبرون بهم، كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها".

قلت: والشاهد من الآية: أن الواجبَ على الإنسان أن يعتبر بمن عاقبهم الله وسلّطَ عليهم بذنوبهم وجرائمهم؛ فيتجنب تلك الذنوب والجرائم حتى لا يقع له ما وقع لمن سبقه إذا سار على طريقهم.

ونحن اليوم ما كدنا نخرجُ من مشاهد العذاب والعقاب الذي صبه الله على نظام ابن علي وزبانيته في تونس، حتى بدأ سوطُ العذاب ينصب على نظام حسني مبارك وزبانيته وملأه، ومشاهد الحالة المصرية مازالت ماثلةً أمامنا نسمع ونرى العجائب، وفي بلادنا قد بدأت نذُرُ الفتنة والعذاب قبل تونس ومصر بزمن طويل، ولكن لطف الله بنا وعنايته بهذا البلد وأهله حال إلى الآن من الانفجار، والواجب علينا أن لا نأمن مكر الله، قال - تعالى -: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).

فليعلم كل يمني وعلى وجه الخصوص أصحاب القرار من أول مسئولٍ إلى آخر مسئول أنَّ من سار على الدرب وصل، وأن مَن زرع مثل زرع القوم فلن يجني إلا مثل ثمارهم.

وأتوجه اليوم بالخطاب إلى الأجهزة الأمنية فأقول: "إن وظيفتكم الوحيدة هي حفظ الأمن والاستقرار في البلد، مهمتكم توفير الأمن والطمأنينة لكل فرد من أفراد الشعب، وظيفتكم خدمة الشعب كما ترفعون الشعار " الشرطة في خدمة الشعب".

ولكن انطباع الناس عنكم وللأسف الشديد أنكم مصدر الخوف والقلق، وليس معنى ذلك أن كل شرطي وضابط في الأمن بأجهزته المختلفة سيئ ومتسلط، كلا، ولكن ذلك الانطباعَ ارتسم في نفوس الناس لوجود أناس سيئين لم يؤخذ على أيديهم، ولم يؤطروا على الحق أطراً، بل يُسكت ويعتذر عنهم، ويـُمكنون وتعطى لهم صلاحيات وامتيازات بدل أن يحاكموا ويعاقبوا ويبعدوا من مواقعهم التي أفسدوا من خلالها بين الدولة ومواطنيها، وهؤلاء كعاقر الناقة الذي جلب الهلاك لأمته كلها، قال - تعالى -: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا).

إن الذي عقر الناقةَ واحدٌ ولكنهم عندما سكتوا ولم يأخذوا على يده، جعلهم الله جميعاً عاقرين للناقة، وسلط عليهم العذاب جميعاً: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا).

إن التفكير بعقلية القمع والقهر وإذلال الشعوب قد أثبت فشله، ولم يعُدْ هناك من يفكر به أو يسلك طريقه، بعد أن أججَ ثورةَ الشارع التونسي لطمةٌ من شرطية لرجل فقير بسيط، وضاعف من هيجان الشارع المصري المحاولةُ اليائسة في قمع المتظاهرين بواسطة البلاطجة. فهل يعقلُ قادة أمتنا هذه الحقائق؟؟ ويطهروا أجهزتهم من العناصر الشريرة ذات الطبائع العدوانية؛ حتى يحافظوا على احترام تلك الأجهزة، ويرمموا ما لحقها من تشويه لدى عامة المواطنين.

إن الذي أمر بالاعتداء على لاعب نادي الشعب سعيد النوحي - والذي أمر بإطلاق النار على المتواجدين في الأرض المتنازع عليها في فوة خلف المنصة، وكلا الحادثين في أوائل هذا الأسبوع، أقول: إن هذين الشخصين يتحدث الناس عن سوابق لهما، وعن نفسيات حاقدة غير سوية يحملانها، ولا يمكن لجهاز الأمن أن يستعيد مصداقيته إلا بالتحلي بالشجاعة الكافية والعدل التام والحزم الصارم إزاءهما، وذلك بمحاكمتها المحاكم العادلة، وإنزال أقصى ما يوجبه القانون من عقوبة على من ثبت عليه الجرم، ثم طردهما، لا أقول من المحافظة بل من الخدمة، حتى لا يُرمى بمن هذه صفاته غيرنا من الناس: (فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وعلى الجميع أن يتقوا الله، وأن يحتكموا إلى شرعه، وأن يحكموا العقل وأن يتدبروا العواقب.

فالمطالبة بالحقوق العادلة حق بوسائلها الشرعية، وعلى المطالِب بها أن يسلك الطرق السلمية لذلك دون اللجوء إلى العنف، كما أن على من بيده الأمر أن يبادر بتلبية المطالب العادلة دون تسويف ولا مماطلة، و عليه أن يجعل هذا البيت المنبعث من معاناة كمعاناتنا نصب عينيه:

أَرى خَلَل الرَّمادِ ومِيض جَمْرٍ *** فيُوشِك أنْ يكون لها ضِرامُ

فإنّ النار بالعوديْن تُذْكى  *** وإن الحرب أوّلها الكلامُ

فقلت منَ التَّعجُّب ليت شِعْري  *** أَأَيْقاظٌ أُميَّة أم نيــامُ

فإنْ كانوا لحِينِهم نياماً  *** فقل قوموا فقد حان القيامُ

وخصوصاً أن بني أمية حينما لم توقضهم هذه الصرخة ذهبوا وذهبت دولتهم، وأُبيدوا إبادةً من أعظم الإبادات في التاريخ، فهل من معتبر؟!.

وأنا أحذر الجميع من الفتنة والفوضى إن وقعت في اليمن، فلن تقاس بما جرى في تونس ولا بما يجري في مصر لأسباب كثيرة ومعروفة.

أسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.