arrow down

الأم في الإسلام

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي قرن بر الوالدين بتوحيده، وأكثر في كتابه من تكراره وتأكيده، وجعله سبباًً لعونه وتأييده، وخص الأم بمزيد اهتمام معللاً بما قاسته من أتعاب وآلام، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله القائل: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا ً وهات» صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، وعلى من بهم اقتدى وعلى طريقهم سار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله:.

الإخوة الأكارم:

احتفل العالم قبل يومين بما أسموه عيد الأم، نعم يقولون عيد الأم، فهل أعطوا الأم بذلك حقها؟ هل أنزلوها منزلتها اللائقة بها؟

الجواب: لا، وإنما يدل فعلهم ذلك على أنهم يعترفون بحقها ولكنهم يعترفون أيضاً أن ذلك الحق مسلوب، وأن مكانتها منقوصة، وأنها تعاني من الإهمال والتضييع الشيء الكثير، فلذلك تجدهم يذكِّرون بها ويلفتون إليها الأنظار في خضم ذلك الإهمال والنسيان يوماً واحداً في السنة، ثم ينصرفون عنها ويدعونها.

فابحث عن الأم عند أبناء الحضارة الغربية والمتأثرين بهم من أبناء الشرق من مسلمين وغيرهم، تجد أن صدورهم وبيوتهم قد ضاقت بالأمهات فعشن منعزلات في بيوتهن الخاصة يكابدن الألم والحسرة والوحدة، أو في غرف الملاجئ حيث العجزة والمشردون في الوقت الذي تتسع صدورهم وبيوتهم للكلاب فيخصصون لهن مساكن خاصة في بيوتهم ويطعمونهن كما يطعمون أولادهم وينفقون عليهن من الطعام والنظافة والعلاج كل غالي ونفيس، هذه هي الحضارة الغربية وتلك هي مكانة الأم عندهم فلا غرابة أن خصصوا لها يوماً معلوماً في السنة للتذكير بها والالتفات إليها لرد شيء من الجميل وليوم واحد فقط.

أما نحن معشر المسلمين فلا نعترف بتلك الأعياد الجاهلية ولا نتشبه بأعدائنا فيها، حيث قد جعل الله لنا من الأعياد ما يكفينا، ويقوم بحاجة نفوسنا، ويؤدي الغرض من وجود الأعياد، كما أن لنا من قيم ديننا وأخلاقه وجميل معاملاتنا ما يغنينا عن ذلك بل يرفعنا به عليهم درجات، إننا نجد في الإسلام كل يوم تطلع فيه الشمس عيداً لآبائنا وأمهاتنا بل عيدا ً لسائر جوانب حياتنا، ألم يقل الله لكل واحد منا: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء:23].

ويقول الله عز وجل مخاطبا ًكل إنسان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

لقد قرن الله توحيده في عبادته ببر الوالدين وليس في هذا الموضع من القرآن فقط ولكن في ثلاثة مواضع أخرى، وفي الآية الأخرى يقول وقد قرن بين شكر الله وشكر يقول: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15].

بل يقول كذلك: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فقرن شكره بشكر الوالدين ونبه في هاتين الآيتين إلى مزيد من المزية التي تحظى بها الأم وذلك لمزيد الألم والتعب والمعاناة التي تعانيها الأم في حال الحمل وفي حال الولادة.

وبعبارة أصرح يبين النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الأم وتقديمها على الأب ومضاعفة الإحسان إليها أضعاف الإحسان إلى الأب، أتى رجل فقال: «يا رَسُولَ اللَّهِ! من أَحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال أُمُّكَ قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ؟ قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أَبُوكَ»(1).

فهل هذا الإحسان مختص بيوم واحد لا والله، بل هو مطلوب في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات حياتنا، أن يكون يوم بر وإحسان وعطف ولطف على والدينا، وعلى أمنا بشكل أخص، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة تحت أقدام الأم كناية عن أن تلك الجنة لا تنال إلا ببرها والتواضع لها وخفض الجناح بين يديها، وكأن الولد من شدة انطراحه بين يدي أمه ملق نفسه تحت قدميها، قال صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستأذنه في الغزو: «هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها» (2).

فيا عباد الله!

هذه منزلة أمك وتلك مكانتها، وذلك أجر وثواب برها، إنه سعادة الدنيا والآخرة، فإياك.. إياك أن تغتر بما تشاهد وتسمع من معاملة الغربيين والمتشبهين بهم ممن لا يذكرون أمهاتهم إلا في يوم واحد من السنة، إياك أن تنشغل عن أمك بزوجتك أو بأولادك أو بوظيفتك وأعمالك أو برفقتك وزملائك أو بملاهيك وملذاتك، فتلك كلها لذة عابرة وغرور زائل، ولكن السعادة الأبدية هي في بر الوالدين والإحسان إليهما،هي في تكريم الأم، كما يريد الله، وكما سن وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد قرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» (3)، وإذا رضي الله عنك فأي سعادة أعظم من ذلك؛ لأنه سيرضي عنك كل أحد ويرضيك بما قسم وقدر لك، فإن عشت مرضياً عنك راضٍ بما قسم لك فأي سعادة أعظم من هذه السعادة التي ترفل فيها في حياتك، وما تنال بعد ذلك من رضوان الله وأثر رضوان الله إذا لقيته سبحانه وتعالى في قبرك وحشرك في الجنة، حين يرضى الله عنك فلا يسخط.

أخي العزيز وفقك الله!

إنه بمقدار السعادة في الدارين والرضا من رب العالمين، وأنواع المزايا التي ينالها البارون بوالديهم وبوجه أخص بأمهاتهم فإن العكس صحيح، فبمقدار عقوق الوالدين والانتقاص من حقوقهما وإهمالهما أو أذيتهم يكون الشقاء الذي لا سعادة معه، والانحطاط الذي لا رفعة معه، والعذاب الذي لا قدرة عليه في الدنيا ولا في الآخرة، وبمقدار ما تعاملُ والديك يعاملك أولادك فالبر سلف كما يقال.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بابان معجل عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق»(4). البغي والعدوان والاعتداء على الآخرين، هذا يعجل الله عقوبته في الدنيا وعلى الباغي تدور الدوائر، والآخر عقوق الوالدين، فإذا عق والديه سلط الله عليه من يؤذيه حتى الأولاد الذين من أجلهم عق والديه، فأساء إلى أبيه وأمه من أجلهم في زعمه وظنه أن يكون الانصراف إلى الوالدين مضيعاً لتربية الأولاد، فانصرف عنهما إلى الأولاد؛ فيصرف الله الأولاد عنه ويصبحون شقاء عليه جزاء وفاقاً لما فعل بوالديه.

وهنا قصة رجل فاضل صالح عابد رغم أنه من أفضل الناس، وقد قيل أنه نبي، كان في صلاته في النافلة يناجي ربه سبحانه وتعالى مستغرقاً في أفضل عمل لديه، فنادته أمه: يا جريج! يا جريج! فقال في نفسه: أمي وصلاتي، فقدم الصلاة وأعرض عن أمه، فلما لم يجبها دعت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -أي البغايا والزانيات- وهو على هذه المكانة من العبادة والطاعة، وعلى هذا الزهد والورع والتقوى، فحيكت مؤامرة من قومه حتى أوتي به ووُجه بتلك البغي الزانية تتهمه وتقول أنه هو الذي زنى بها..

الشاهد من هذا أن الله استجاب دعوة هذه الأم رغم أن ابنها كان متأوِّلاً ويرى أنه لا يجوز أن يخرج من الصلاة من أجل أمه، فكيف إذا كان هذا الابن في معصية أو نوم أو أي شاغل من الشواغل دون هذه الشواغل العظيمة فيسمع أمه وهي تنادي فيرفض كلامها ويعرض عنها وربما يتلذذ بأذيتها وبحسرتها؟؟ إنها تتألم لعدم إجابته فيصر على ذلك، كيف يكون الحال؟ كيف إذا دعت عليه؟ ماذا سيكون وضع دعائها عليه؟ ماذا ستكون عقوبته؟ نعم، فإيانا أيها الأخوة من أن نكون كذلك.

أيضاً الرسول صلى الله عليه وسلم يجعل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ويخص الأم فيقول: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ} (5).

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يبرون والديهم ويرتفعون بذلك درجات في الدنيا وفي الآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد والثناء والوصية:

عباد الله! هناك بعض الخوارم التي تخرم البر بالوالدين، وتوقع في العقوق، تنقل من يفعل ذلك من الرضوان إلى السخط نسأل الله العافية، من ذلك:

1- احتقارها وتسفيه رأيها خصوصاً من بعض المتعلمين والمتعلمات

فعندما تكبر الأم وتكون في كثير من الأحيان بطبيعتها غير متعلمة جاهلة أمية لا تعرف طباع وتصرفات هذا الجيل في أمور كثيرة، فتجد أن ابنها أو بنتها يحتقرونها لذلك، يرونها متخلفة جاهلة غبية بليدة؛ فلذلك يعاملونها بنوع من الاحتقار والازدراء، ويترفعون بأنفسهم عليها، تتكلم بالنصيحة وقد تكون مخطئة فيها فيقابلونها بالهزء والسخرية، تأمر بالشيء فإذا بهم يقابلون أمرها بعدم المبالاة على الأقل، وربما بأشعارها أن هذا أمر غير مقبول ولا يتوافق مع ما نحن فيه.

أيها الإخوة! إن من أعظم وأصعب ما يكون على قلب الوالدين احتقارهما، نعم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ} (6) أي: أخ لك تحتقره فهو غاية في الشر، فكيف إذا كان هذا الاحتقار للأم أو للأب؟!!

لا شك أنه أبعد وأبعد، وأشد وأنكى، فلنحذر أشد الحذر، ونعم هيا بنت وقتها وعصرها وعصرنا هذا تغير لكن يبقى لها احترامها وتقديرها، وحتى لو أتت بأمر غير مناسب فلنقل لها ونظهر الرضا بما تقول والتلبية لطلبها ونفعل ما هو الخير، لا يلزم أن نطبق ما تقول لكن يلزم أن نشعرها بأننا راضون وقابلون ومستعدون لتلبية طلبها، ثم نفعل لها ما هو في صالحها أو في صالحنا أو ما فيه الخير، هي لن تصر على طبيعة الأمر بالذات فلنتق الله في هذا.

2- التضجر من كليهما أو طلباتهما:

وقد قال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]، بعض الناس يبتلى ابتلاء، قد تكون الأم أو الأب كثير الطلبات وكثير الكلام ونحو ذلك، فإذا به يتضجر ويتألم ويُظهر ذلك لها، هذا إذا تأدب أما قليل الأدب فأنتم تعلمون فأنه يواجهها مواجهة صريحة: "اسكتي - يكفي - ما نحن بحاجه إلى هذا الكلام - طفشتنا - كسرت رؤوسنا".

وما أشبه ذلك من العبارات التي لو قيلت لرجل في الشارع لآلمته فضلاً عن أن تقال لأبيك أو لأمك، والله قد أدبنا كما سمعتم في الآية: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء:23] يعني: مجرد أن تتأفف من كلامها ومعاملتهما أن منهي عن ذلك: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24] عندما لا تتحمل قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً، فإياك أن تُظهر التضجر من طلباتها وكلامها وأوامرها، حتى وإن أخطأت لا يلزمك أن تطبق ما تطلب وتقول، لكن يلزمك أن لا تعارضها وتظهر لها الشقاق والعناد، لا تظهر لها أنها لا تفهم شيء ولا تعرف وأنها ثقيلة عليك.

3- الانشغال عنها بالأعمال أو الدراسة حتى بالزوجة والأولاد:

فالله قد جعل لكلٍ حق وعلينا بالعدل، العدل أن تعطيها حقها، وتعطي زوجتك حقها، وتعطي أولادك حقهم، لكن لا تبخس أحد لصالح الآخر، والأصل هما الوالدان والأم أكثر وأكثر.

4- إتباع الزوجة وتقديمها على الأم:

وهذا قد تحدثنا عنه في أكثر من خطبة، أن يميل الإنسان مع زوجته ويلقي ظهره إلى والدته، ويصدق ما تقوله الزوجة ويكذب أمه، دائماً يكون مائلاً ويظهر ميله، فهذا من خوارم برها ومن عقوقها، فنسأل الله العافية، مع التذكير أننا لا نطلب بل لا يجوز أن تطيعها في المعصية وتطيعها في ظلم الزوجة، لا، لكن في نفس الوقت لا تقدم الزوجة عليها.

5- البرم بها حال كبرها وإظهار ذلك عند الآخرين وأشد من أن يظهره أمامها

فالتبرم بالوالدين خصوصاً عندما يتقدم السن ويصبح أحدهما في الحال الذي وصانا الله بهما: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} [الإسراء:23] في هذا الحال يأتي الشيطان وتأتي النفس الأمارة بالسوء، وتأتي سوء التربية أيضاً وسوء الخلق، وإذا بهذا الإنسان يضيق ويضجر لأن والده وأمه مريض يحتاج إلى من يغسل له، يحتاج إلى من يلبسهما الملابس، إلى من يقلبه على فراشه، إلى من يحمله إلى قضاء حاجته، في هذه الأحوال وهو يرى نفسه أنه كبير وأنه مسئول أو تاجر يشتغل في هذه الأشغال.

لا بأس فأنت ذو مكانة كبيرة فلك أن تضع نفسك في هذه المكانة، لكن عليك أن تأتي بوالدتك أو كليهما وبمن يقوم بحاجتيهما على الوجه الأكمل مع مرورك وإشرافك وحضورك بين يديهما، ولو في بعض الأوقات حتى لا ينقص عليهما شي ويفقدانك، فرؤيتك مجرد رؤيتك يعتبر عندهم شيء غالٍ وثمين.

 6- غيبتها وكشف أسرارها للآخرين

بعض الناس يغتابون الوالدين، يجلس مع إخوانه أو زملائه أو مع بعض الناس: "والله يا جماعه الشيبان هؤلاء تعب، أبوي البارح لقي كذا وكذا، أمي عملت كذا وكذا" ينقل ما ستره الله سبحانه وتعالى في هذا البيت إلى الناس ويجعلها فاكهة يتفكه بها هو وزملاؤه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إن الغيبة كلها حرام وكلها من الكبائر، فكيف إذا كانت في حق أبيك وأمك وبدون مسوغ ولا داعي إلى ذلك؟؟ فكيف يكون هذا؟

أيضاً: التقصير في تلبية طلباتهما على العموم، هناك كثير من الأمور ينبغي أن نتنبه لها حتى لا نقع في عقوق والدينا وأمهاتنا التي هي من أكبر الكبائر، وحتى ننال السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وعلى الوالدين والوالدة بشكل أخص على كل واحد منهما أن يعين أولاده على البر:

أولاً بحسن تربية الولد، فهو لا يكون صالحاً إلا إذا أحسنا تربيته.

الأمر الثاني أن يحسن الأب والأم أخلاقهما مع أولادهما ومع زوجات أولادهما وأولاد أولادهما، فإذا كان هو حسن الأخلاق طيب المعاملة قوبل بمثل ذلك وخير، وإن كان سيئ فالشيطان ينزل في نفوس الأبناء والأولاد وإذا بهم يكافئونه بشر مما فعل، وهناك أمر أخير وخطير يفعله الوالدان يفقدون به بر أولادهما، وهو الميل بأن يميل الأب أو تميل الأم إلى أحد الأولاد دون الآخرين، هذه في حق الابن من أخطر الأمور وأشدها وأثقلها على النفوس؛ ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لك في الْبِرِّ سَوَاءً؟ قال: بَلَى، قال: فلا إِذًا»(7) تعدل بينهما تجد البر منهما، أما أن تميل إلى هذا فسوف يعقك الآخر ويحقد عليك وربما أدخلتهما في نزاع وشقاق وأحقاد وبغضاء فيما بينهم البين، وتورث ذلك حتى إلى أولادهم.

نسأل الله أن يجعلنا من البارين بوالديهم إنه سميع مجيب

________________________________________

(1) متفق عليه، البخاري رقم: (5626) ومسلم رقم: (2548).

(2) رواه ابن ماجه والنسائي وغيرهما وصححه الألباني.

(3) رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم: (3507).

(4) رواه الحاكم عن انس رضي الله عنه وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم: (2810).

(5) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، البخاري رقم: (2277)، ومسلم رقم: (593).

(6) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رقم: (2564).

 

(7) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، البخاري رقم: (2446) ومسلم رقم: (1623).