arrow down

حكم الاحتجاج بالخلاف بين العلماء للأخذ بما تهوى النفس

أجاب فضيلة أ.د. حسن بن محمد شبالة ( عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين )

السؤال:
كثيراً ما يتعلل النساء المتبرجات بأن مسألة الحجاب مسألة خلافية بين أهل العلم، فلماذا تشددون في هذا الباب وتلزمون المرأة برأي واحد، أو بقول واحد، هذا كلامهم في الحجاب، وقد تكون هي غير منتقبة وكاشفة رأسها وكاشفة ساقيها وذراعيها؟

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم.

أولاً: هناك أمر متفق عليه وأمر مختلف عليه، الأمر المتفق عليه هو: ضرورة أن تستر المرأة سائر جسدها بما لا يؤدي إلى الفتنة من الجلباب ونحوه، والمسألة المختلف فيها هي مسألة الوجه والكفين؛ فالخلط في قضايا الحجاب وأنها كلها خلافية هذا خلط باطل يروج له المنهزمون، ولذلك إذا تحدثنا عن المسألة الخلافية فنتحدث عن الوجه والكفين، أما باقي جسد المرأة فمتفق عليه بين أهل العلم على ضرورة أن تستر المرأة سائر جسدها.

إذا جئنا نتحدث عن المسألة الخلافية في الوجه والكفين، فأولاً: شبهة أن كل قضية فيها خلاف يؤدي ذلك إلى أن يذهب الإنسان فيها مذاهب حسب ما يحلو له هذه مشكلة عظيمة وعويصة، الأصل في المسلم أولاً أن لا يتخذ من الخلاف فرصة للتهرب من الشرع، بل يبحث عن الراجح ويتحرى الصواب، ويسأل أهل العلم، حتى يصل إلى قناعة بما يجب عليه شرعاً أن يعمله.

والخلاف كما قلنا هو مشكلة العصور المتأخرة، حتى قال صلى الله عليه وسلم:«إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً» فبين أن الخلاف سيقع، ولكن قال:«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي».

إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى وجود الخلاف في أي مسألة سواء علمية أو عملية، وأرشد إلى الحل والعلاج، فالذين يظنون أن الخلاف لا حل له إنما هو بسبب عدم عودتهم إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه العلماء الراسخين في العلم.

من تتبع الرخص في دينه فإنه سيتزندق، وكثير من الناس اليوم يصيرون إلى الأقوال الشاذة لغرض شهواني في قلوبهم، وفتنة في قلوبهم، وشهوات في نفوسهم، هذا من حيث العموم، أما من حيث الخصوص فيجب أن نبحث عن هذه المسألة في القرون التي كان للإسلام فيها عزة ومنعة، وكان العلماء الراسخون موجودون، لا ننظر إلى هذه القضية في العصور المتأخرة.

لو قرأنا مثلاً مسألة الحجاب في العصور الأولى، سواء عصر الصحابة أو من بعدهم، لوجدنا أنه لم يكن الأمر بهذه الصورة التي فيها قتامة وكثرة الخلاف في المسألة ونحو ذلك.

حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم النقاب على المحرمة ماذا يستفاد منه، لا تلبس المحرمة القفازين ولا تنتقب، ماذا يفيد عند الذين يبحثون في مسائل هذه الأحكام؟ أيضاً آيات الحجاب ما كان عليه أهل العلم، حتى أن عمر رضي الله عنه كان إذا رأى أمة تحتجب نهاها وانتهرها، وقال:" أتتشبهين بالحرة".

كذلك الحجاب بصورة عامة إذا ذكرت في أحاديث فيها بعض الضعف أو بعض الاستدلال، في النهاية يتفق أهل العلم على أن الفتنة إن وجدت فالواجب أن تدفع هذه الفتنة سداً للذريعة.

ذكر هنا البيهقي نصاً طيباً يمكن الاستفادة منه، وهو ما حصل لحفصة بنت سيرين، وهي من إحدى عالمات السلف في الحديث، أخت محمد بن سيرين رحمه الله تعالى، لما كان يأتي تلاميذها وقد كبرت في السن، فكانت تحدثهم من وراء حجاب، فقالوا لها:" قد قال الله:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60]، قالت: ماذا يقول الله بعد هذه الآية؟ فقرأ عليها التلاميذ {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور:60]، قالت: هو ذاك".

يعني: حتى مع الإذن لمن وصلت إلى مرحلة من العمر، وصارت لا تفتن ونحو ذلك إلا أنه مطلوب منها أيضاً مزيد من العفة.

نخلص من جميع أقوال علماء المذاهب لمن تريد أن تتتبع مسألة الحجاب في كتاب قيم للشيخ محمد المقدم" عودة الحجاب، ستجدون أقوالاً للفقهاء والعلماء مسبورة منصوص عليها نخلص منها إلى أن جميع مذاهب الأئمة الأربعة يرون أن وجوب تغطية المرأة جميع بدنها على الأجانب، سواء من يرى أن الوجه عورة أو من يرى أنه ليس بعورة، أنه واجب للفتنة والفساد وحصول رقة الدين الموجودة في هذا العصر.