arrow down

مواقف من الثبات في زمن الأزمات

خطبة لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد.

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإن الله تبارك وتعالى جعل لهذه الأمة منهاجًا واضحًا من خلاله ينطلق العلماء والدعاة إلى الله عز وجل، ويسير على ذلك عامة الناس، وإن الابتلاء سُنة من سنن الله تعالى يبتلى الله عز وجل عباده، ويكون صاحب الإيمان الأقوى هو الذي له النصيب الأوفر من ذلك الابتلاء، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب -وفي رواية: على قدر- دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».

وهذا البلاء يقع اختبارًا من الله عز وجل لعباده بمختلف طبقاتهم، ولهذا الابتلاء فوائد عظيمة تستخلص من ذلك الابتلاء فمن ذلك.

1- تربية أصحاب الإيمان، وصقل معادنهم، وتمحيص ما في قلوبهم، فالله عز وجل يربّي عباده المؤمنين بالابتلاء ليصقل معادنهم، ويظهر إيمانهم ويقويه، وذلك لتهيئتهم لما هو أعظم فيظهر الثبات من غيره ويظهر الصادق من الكاذب.

2- تكفير السيئات، فإن الله عز وجل قد جعل الذنوب كفارات، وجعل الابتلاء كفارات يكفّر الله عز وجل بها ذنوب المبتلين.

3- تطهير الصفّ المؤمن من أولئك الذين يدعون الإيمان، والانتساب ادعاءً، ولهذا تظهر تيارات النفاق أثناء الابتلاء ويظهر المحق من الدعي.

4- تمييز الصادق من غيره. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

5- رفع الدرجة والمنزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان الأنبياء في الدرجات العليا من الجنة. وهذا الابتلاء كما قلنا في الخير والشر {… وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] يحصل للإنسان فيما يعطيه الله من الخير ويحصل كذلك لما يبتلى الإنسان من الشر، فكل ذلك ابتلاء من الله عز وجل وقلنا: إن الأنبياء هم أشد الناس بلاءً لقوة إيمانهم، ولأن الله تعالى اصطفاهم اصطفاءً تامًّا، ولهذا يكون ابتلاؤهم أعظم، ثم يتدرج بعد ذلك بالأمثل فالأمثل، وكل ما كان الصحابي أو الحواري أصلب في إيمانه كان ابتلاؤه أعظم، ولهذا لو نظرنا في سير الأولين نجد الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس أولئك الرجال الأبطال الذين أحاطوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم إحاطة السوار بالمعصم ليسوا بالابتلاء كأولئك الذين جاءوا متأخرين بعد فتح مكة أو غير ذلك من الغزوات أو الفتوحات حتى إيمان أولئك لم يكن فيه شيء من الصعوبة كما كان إيمان الأولين وسنأتي إلى طرف من هذا إن شاء الله تعالى.

وعلى كل حال فمن قرأ في كتاب الله تعالى وتفسيره، ونظر في التواريخ يجد أن الأنبياء ابتُلوا بلاءً عظيمًا؛ وذلك لأن أقوامهم كذّبوهم ورموهم عن قوس واحد، ومنهم من قُتل ومنهم من حُبس ومنه من كُذّب، ومنهم من اتهم إلى آخر ذلك، ومع هذا كانت صلابتهم واضحة، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن النبي يُبعث يوم القيامة ومعه الرهط، ويُبعث ومعه الرجل والرجلان، ويبعث وليس معه أحد، وهذا يدل على ثباته حتى مماته رغم تلك المحن التي واجهها، والتي وقفت حجر عثرة في طريقه إلا أنه ثبت على منهجه ولم ينحرف يمنة أو يسرة.

أقول أيها الإخوة: إن قدوتنا الأولى هو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب الله عز وجل، وبما أوحى إليه من سنته صلى الله عليه وآله وسلم لذلك كان ذلك هو المعيار والمنهاج في قضية الثبات من غيره، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان معروفًا بصدقه وأخلاقه وأمانته، وكان الناس جميعًا يثقون به غير أنه لما خالفهم في دينهم، وجاء يدعوهم إلى توحيد الله تعالى واجهوه بالتكذيب وبالتنفير منه وبشتى التهم، لكن مع هذا بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتًا داعيًا إلى الله عز وجل، ولم ييأس بل حتى أحيانًا الشبه والأطروحات التي يطرحها بعض الناس في بعضهم البعض أحيانًا قد تورث عند الإنسان الشكوك، بل قد يصل الإنسان أحيانًا إلى درجة الأوهام والوساوس، ويصل أحيانًا إلى درجة التصديق لما يطرحه الناس، فإذا به أحيانًا يُجَنّ نتيجة ما يطرحه الناس عنه يفعل ويفعل، ويفعل حتى ينحرف عقله وفكره، وبالتالي ينحرف منهجه والأطروحات التي طُرحت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست بالأمر السهم كانوا يقولون: كاهن، مجنون، ساحر، إنما يعلمه بشر وهلم جرا.

بل إنهم لما ييأسوا من هذا كله تتبعوا أثره صلى الله عليه وآله وسلم، صاروا ينطلقون من مكان إلى آخر؛ حيث ينطلق صلى الله عليه آله وسلم، وكلما تكلم أو ألقى في خطبة قام بعض أقاربه كعمه ومن نحا نحو أولئك يقولون لا تصدقوا هذا الرجل، قد صبا وترك دينه وأصابه الجنون، فينطلق صلى الله عليه وآله وسلم قافلاً إلى بيته مغمومًا مهمومًا، بل يذهب إلى المكان البعيد داعيًا إلى الله عز وجل فيجد نفس المواجهة، كما حصل له في الطائف صلى الله عليه وآله وسلم رجع مهمومًا مغمومًا، ومن شدة غمه صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المرات أنه خرج هائمًا على وجهه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفق إلا في قرن الثعالب، مكان قريب من مكة، معنى أنه صار يهيم صلى الله عليه وآله وسلم وصار يمشي ولا يعرف إلى أين يمشي حتى وصل إلى هذه المنطقة من شدة البلاء الذي أصابه صلى الله عليه وآله وسلم من قومه، وقد اشتكى صلى الله عليه وآله وسلم إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذكر لها طرفًا مما حصل له صلى الله عليه وآله وسلم هذه مرحلة رأى المشركون أنهم لم يحققوا شيئًا نتيجة تلك الدعايات وتلك التهم التي طرحت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم انقلبوا إلى أمر آخر وهو محاولة التفاوض معه صلى الله عليه وآله وسلم؛ لعلهم يصلون معه إلى شيء من أنصاف الحلول.

فمن ذلك أنهم قالوا له: اعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة. وهذا في الحقيقة فيه تعليم للإفراد والجماعات أنه يجب عليهم أن يسيروا وفق سير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه القضايا، فإن أعداء الدين لا شك أنهم يفرحون إذا استطاعوا أن يميلوا الفرد المؤثر أو الجماعة المؤثرة إلى أنصاف الحلول، أو إلى أنه يترك ما عليه من المنهج مقابل حثالة من الدنيا منصب أو شيء من المال أو ما شاكل ذلك، فإذا به يطيح ويترك منهجه، فحاولوا التفاوض مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، هم رءوا أن هذه القضية قضية عقلية، ويمكن أن يتقبل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان ما عنده مبدأ وما عنده ثبات أو غرضه نيل حظ من هذه الدنيا، تمامًا كما يفعل في هذه الأزمنة المتأخرة، التيارات العلمانية والحكومات بحجة الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة أنه بالإمكان إذا صعد المسلم هكذا يوهمونه أنه لا بأس أن يحكم الإسلام فترة من الزمان أربع سنوات أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك إذا نجح شيوعي يفتح له الباب، ثم يأتي بعد ذلك غير هذه التيارات يفوز وينجح، وإذا به يحكم ولا شيء، فحاولوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعبد هو آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة لكنه أبى ذلك وأنزل الله تعالى كما ذكر المفسرون في هذه القضية قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون].

لم يفلحوا في هذه القضية، فانطلقوا إلى نقطة أخرى، وهي قضية التنازل ما رضيت بهذا الحل إذًا لابد من إيجاد حل آخر أنك تتنازل عن شيء مما تدعو إليه، بمعنى خفّف الأمر قليلاً، ولا تكن بهذه الطريقة المتشددة يمكن أن نتقبل لكن كان صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الأمر له اجتهاده وهو أنه كان يلتفت إلى رءوس القبائل، وهذه لفتة كريمة منه صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه يرى أن بإسلام أولئك الشيوخ والمؤثرين الذين يؤثرون على من بعدهم وقد حصل مثل هذا حينما انطلق مصعب بن عمير رضي الله عنه- داعيًا إلى الله عز وجل، فلما أسلم سعد بن عبادة وغيره من كبراء القوم أسلم بإسلامهم خلق كثير ولم يتأخر عن الإسلام إلا نفر يسير من قبلتي الأوس والخزرج، ولكن لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا من التنازل ثبته الله تعالى على ما هو عليه من المنهج وما يدعو إليه منه دين الله عز وجل فقال الله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]، لو تنازلت لهم قليلاً لتنازلوا لك. قال الله تعالى: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً} [الإسراء: 74].

وكان دأبه صلى الله عليه وآله وسلم يثّبت من حوله والثبات على ما هم من الحق، وألا ينحرفوا قيد أنملة؛ لأن هذا الانحراف يجر إلى انحراف غيره وهذا التنازل إلى تنازل مثله، وهنالك أناس أخذوا بالرخصة التي رخص الله لهم بها وأناس بقوا ثابتين حتى توفاهم الله عز وجل، لقد لقي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المرات أنه رُمي على ظهره صلى الله عليه وآله وسلم سلى الجزور، ولم يرفعه عنه غير ابنته فاطمة رضي الله عنها وسُبَّ سبًّا شديدًا من قبل قومه.

من أمثلة ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما دعاهم وأتوا إليه مسرعين؛ لأنهم يعرفون أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما دعاهم إلا لأمر مهم فقال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، بعد أن قال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي»؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قط، فقال له أبو لهب عليه من الله ما يستحق: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ وكان يمر على أصحابه رضي الله عنهم لا يجد لهم إلا أن يثبتهم مثل قوله لعمار وأسرته: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»، وهذا الأثر وإن كان فيه شيء من الانقطاع فهو مرسل إلا أن أصحاب السير والتاريخ يحتجون به.

أصحاب النبي صلى الله عليه،آله وسلم لاقوا أيضًا أذى كثيرًا الذي لو استعرضه الإنسان من خلال قراءة سيرهم لوجد أنه لا يستطيع أن يتحمل عشر معشار ما تحمله الصحابة -رضي الله عنهم-، وخاصة الأوائل منهم كبلال بن رباح رضي الله عنه فلقد عذّبه قومه عذابًا شديدًا، وكان عبدًا مملوكًا ولما شرح الله تعالى صدره للإسلام ابتُلي بلاءً شديدًا، لكنه رضي الله عنه صبر وضرب أروع الأمثلة في الثبات فلقد كان يُضرب بالسياط، ويحرق بالنار، وكان يسحب على الأرض وتُطرح الصخرة العظيمة على صدره، ثم يسحب في الرمضاء فلا يزيده ذلك إلا أن يقول: "أحد أحد" تلك العبارة المدوية التي تهز الجبال والتي تقضّ مضاجع المشركين، لكن الله تعالى ثبّته وأعلى ذكره، وجعله دعامة من دعائم هذا الدين وصخرة تكسرت فيها جماجم المشركين الذين كانوا يريدون أن يردوه عن دينه؛ من خلال تعذيبه وضربه وابتُلي ابتلاء شديدًا، لكنه رضي الله عنه صبر وضرب بذلك مثلاً عظيمًا فلم يصده ما لقي من التعذيب عن أن يثبت على دينه، وأن يصبر على ذلك الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والحقيقة أن الذي يقرأ في تراجم وسِيَر الصحابة والعلماء الذين ابتُلوا في سبيل هذا الدين من الأمور التي تعطي دفعة قوية في الثبات على دين الله عز وجل، خصوصًا ونحن في آخر الزمان؛ حيث تكثر فيه الفتن والابتلاءات والمحن، فبلال رضي الله عنه صبر وثبت على منهجه ولم يُفتن ولم يرتد، وكانت العاقبة له ولأمثاله ليس عند بلال شيء من الدنيا يخاف عليه، لأنه كان عبدًا مولى كان وقته وعمره وحياته في سبيل خدمة سيده، وبالرغم من أنه كان على دينه وعلى الإسلام لم يكن عنده شيء من الدنيا يخاف عليه أو يفتتن به، لكن هناك أناس أيضًا ضربوا مثلاً في الصبر والثبات مع أنهم كان عندهم شيء من الدنيا مما يلتف إليه كان الأنبياء من قبل في اشتداد الفتن والمحن عليهم كانوا ينتقون الناس ويصطفون اصطفاءً للمواجهة والقتال في سبيل الله عز وجل، فلقد كان يقال من تزوج ولم يبن فلا يخرج معنا حتى لا يفتن ويفر من الزحف فيكون ذلك من الموبقات، فكان ينهى أن يكون للشخص شيء خلفه ينظر إليه أو يطمح إليه أن يكون في مثل هذه المواطن؛ لأن هذه المواطن تحتاج من الإنسان الإقدام وعدم الالتفات إلى الخلف والفرار والتولي يوم الزحف الذي هو من كبائر الذنوب.

ومصعب بن عمير الذي ضرب مثلاً في الثبات على دينه إذ ابتُلي وكان في غاية من النعيم والترف فلقد كان يمر في شوارع مكة بعد ساعات من مروره الناس يقولون: مر مصعب بن عمير من هذا الطريق، من طيب الرائحة، فلما قذف في قلبه الإيمان ابتلي من الأقربين قبل الأبعدين، فهذه أمه منعته كل شيء كانت تعطيه، ومع هذا صبر رضي الله عنه، كان غنيًا مترفًا لكنه لما أسلم حُوصر حصارًا شديدًا هذا الحصار من جميع النواحي وحُبس رضي الله عنه لكن ما زادته هذه الفتن إلا نضوجًا تمامًا كما يفتن الذهب فيستخرج منه الخبث فيبقى جوهرًا ومعدنًا نقيًا، ولما علموا أن ذلك ما يزيده إلا صبرًا وثباتًا بعد ذلك أفرج عنه وانطلق رضي الله عنه داعيًا إلى الله عز وجل، وفتح الله عليه وصار سفيرًا للإسلام وصارت سيرته وترجمته عطرة، وستبقى كذلك إلى أن يشاء الله عز وجل.

بل كان من هؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم من ربما ترك ما عنده من الدنيا ولا يلتفت إليها تمامًا كما فعل صهيب الرومي رضي الله عنه حينما أراد الهجرة وأُدرِكَ، فقال لهم: "أعطيكم ما عندي من المال وتتركوني"؟ لأنهم عيبوه قالوا له: جئتنا صعلوكًا وتنطلق الآن وقد أخذت من الأموال كذا وكذا، وأوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فلما وصل قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بخ بخ، ربح البيع أبا يحيى» أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه كان شغوفًا بتتبع الحق ومعرفته وفعلاً وصل إليه، وبمجرد أن عرف الحق خرج منطلقًا إلى الكعبة وصرخ بما يعتقده في هذا الدين ولقي منهم ضربًا وبلاءً شديدًا ما يستطيع أحد أن يتحمله مع أنه لا يزال دقائق أو ساعات معدودة لدخوله في هذا الدين، غير أنه لم يرتد رضي الله عنه، ولم يتلكأ في أن يستمر في حمل هذه الدعوة المباركة، وإيصالها إلى قومه والدفاع عنها أيضًا.

عمار بن ياسر وأبوه وأمه رضي الله عنهم ابتلوا بلاءً شديدًا بمجرد ما أسلموا، وكانت أمه أول شهيدة في الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليهم فلا يجد ما يواسيهم به غير الكلمات يقول لهم: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».

كعب بن مالك وصاحباه حينما تخلفوا عن غزوة تبوك ابتُلوا أيضًا بلاءً شديدًا؛ إذ إنه حصل لهم مقاطعة من الأقربين والأبعدين فنُهِيَ الناس عن السلام عليهم، بل قيل لزوجاتهم: أن ينطلقن إلى أهاليهن، وبقوا وحيدين كان يأتي هؤلاء إلى المسجد النبوي يسلمون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الصحابة رضي الله عنهم ما أحد يسلم عليهم أبدًا حتى حصل لهم من الضيق ما ذكره الله تعالى ضاقت عليهم أنفسهم والأرض بما رحبت، لكن مع هذا جاءهم الفرج؛ نتيجة أنهم صبروا وصدقوا الله تعالى بل إن كعب بن مالك رضي الله عنه ترسل إليه رسالة من ملك الروم يقال له: إن صاحبك قد قلاك فالحق بنا نواسك. يعني تعال إلينا ارتد عن دينك ونعطيك ما تريده، فيقرأ تلك الرسالة ثم يقول: "وهذا أيضًا من البلاء" ثم يرمي بتلك الورقة إلى التنور، وهذا في الحقيقة يعطي لنا جميعًا جرعة في الثبات على المنهج الذي نحمله، وأن الإنسان لا ينبغي أن يكون له كالشاة العائرة ينطلق هنا قليلاً وهنا قليلاً، وتجد من هذه الفتن كثيرة يعني ليست القضية مجرد وريقات تُكتب لك: تعال الْحَقْ بنا نواسك فحسب، فلعل القضية تكون مجرد جلسة ولمحة ومجرد قصة، وما شاكل ذلك فينبغي للإنسان أن يكون ثابتًا لا يلتفت إلى مثل هذه الأمور، وفي الحقيقة أنه إذا وجد أحيانًا شيء من الخوف على بعض الشباب ليس أن تعالى فتح عليه ويسر له وأنه يذهب ليعمل ها هنا، وإنما أن تكون هذه القضية قضية مطردة يعني كلما جاء شخص آخر انتقل إلى هنا وإلى هنا فيصير في الحقيقة يتلاعب بدينه ويصير في الحقيقة ما عنده قدرة ولا جرأة على أن يثبت على دينه، فينبغي أن تؤخذ من هذه المواقف أسوة ومثلاً في الثبات على المنهج الذي يتحمله الإنسان ويرتضيه، وألا يلتفت إلى يمين أو يسرة، فإن أمور الدنيا يعطيها الله عز وجل من يحب ومن لا يحب لكن الثبات على الدين وعلى المنهج لا يؤتيه الله عز وجل إلا من أحب.

أمثلة أخرى أيضًا من مواقف الثبات كثيرة جدًّا وإن كان في بعض هذه المسائل ما يمكن أن يقال: إن هذا ما درج عليه الأولون ثم صار الأمر إلى غير ذلك، فمن هذا سعيد بن جبير رضي الله عنه لما رأى من الحجاج ومن الظلم والجور الذي كان في ذلك الزمان خرج وأخذ مجموعة من الناس وصار مدافعًا منافحًا عن الحق الذي يرتئيه، وبالرغم من أنه لقي من الحجاج بلاء عظيمًا إلا أن الله تعالى توفاه وهو ثابت

على ذلك ولا أطيل في هذا، فيمكن أن يرجع إلى ترجمة سعيد بن جبير الذي قال فيه الإمام أحمد: "قُتل سعيد بن جبير والأمة أحوج ما تكون إلى علمه" فارجعوا إلى ترجمته في سير أعلام النبلاء على سبيل المثال.

وهذا مثلاً أيضًا عفان بن مسلم الصفار ابتلي في محنة خلق القرآن، وكانت فتنة محنة خلق القرآن في أواخر عهد المأمون سنة 218هـ تقريبًا وتبنت الدولة في ذلك الوقت فكرة القائلين بخلق القرآن وهي معروفة لدينا والحمد لله تعالى أنها عقيدة زائغة، الصحيح ما درج عليه أهل السنة والجماعة من أن القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، ثم بعد ذلك رفع هذا التبني على كل حال في خلافة المتوكل 234هـ تقريبًا، وكان تنفيذ هذه الفكرة على مراحل: منها مثلاً أنه كان يكتب الحاكم في ذلك الزمام إلى المناطق أو إلى الإمارات أن يطلب العلماء والقضاة أن يبتلوا بهذه القضية بحجة أن أمير المؤمنين لا يقبل ولاية من لا يعتنق هذه الفكرة، ويعتبر كافرًا تمامًا كما تبناه المعتزلة، فكان الوالي يستدعي القضاة ويبتليهم بهذه القضية ماذا تقول في القرآن؟ فمنهم من يتنازل ويجيب، ومنهم من يتأول، ومنهم من يستخدم التقية، ومنهم من يثبت ويصبر، واتخذت الحكومات المتعاقبة طرقًا شتى في ابتلاء الناس في هذه القضية، من ذلك أنها كانت تقطع الرواتب عن كل من لم يأخذ بهذا المنهج من أولئك عفان بن مسلم الصفار رحمه الله تعالى وهو من رجال الصحيح دخل عليه الخليفة وطلب منه أن يجيب في هذه المسألة، فلم يجب وثبت على ذلك، فقيل له إذًا نقطع ما كنت تحصل عليه من الراتب، فقال لهم بمعنى الكلام: الرزق على الله تعالى، ثم خرج أولئك النفر من بيته، وأغلق الباب قالوا في ترجمته أنه لم تغرب عليه الشمس حتى طرق عليه الباب طارق لا يدري ماذا حصل ولم يكن موجودًا ولم يصل الخبر إلى هذا الرجل وكان من تجار البلدة طرق باب هذا العالم ورمى بصُرّة من المال إلى داخل البيت، وكان في ذلك الوقت كما ذكر في ترجمته أنه لا يملك شيئًا في تلك اللحظة، وقال له: ولك في كل شهر مثلها نتيجة أنه ثبت على منهجه، ولم يجد في هذه المحنة والرزق كما قال رحمه الله تعالى الرزق بيد الله تعالى.

من ذلك وفي نفس المحنة الإمام أحمد رحمه الله ضرَب مثلاً في الثبات في هذه المحنة، ولقد سجن هو وثلاثة، أما اثنان فأجابا بسرعة، وقالا بخلق القرآن، وأما الثالث فإنه بقي أيامًا، ثم استخدم التقية، أجاب تقية ولم يجب اعتقادًا، أما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فإنه ثبت وابتُلي بلاءً شديدًا، فلقد سجن وكُبّل بالأغلال وضُرب بالسياط حتى كان يغمى عليه، وطلاب العلم ينتظرونه في الخارج معهم الأقلام والأوراق ينتظرون ماذا سيقول فلم يبقى في هذه المحنة إلا هو فيقال له: أجب، خذ بالرخصة، وقد ترخص خلق عظيم، وصار في حقهم في الحقيقة مسبّة، ولذلك يجرح بعضهم نتيجة أنه أجاب بخلق القرآن، فيقال له أجب، ارفع عن نفسك البلاء عند رخصة، فيقول: "أبدًا إذا اتقى العالم متى يعرف الجهال الحق"، أنا يمكن أن آخذ بالتقية وأجيب تقية لكن الجهال متى يعرفون أن هذا الحق فصبر وتحمل البلاء العظيم في هذه المحنة حتى إنه قال لأحد منهم: اخرج إلى خارج الغرفة وانظر من يوجد في الخارج، فخرج فإذا بطلاب العلم ينتظرون ماذا سيقول الإمام أحمد قال له: لم أجد إلا طلاب العلم قال له: نعم يريدون أن يكتبوا ماذا سأقول، والحمد لله أن الله تعالى ثبته رحمه الله ولم يكتب عنه إلا الحق في هذه المحنة ولقب بإمام أهل السنة والجماعة.

وهذا أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ضرب مثلاً آخر في الثبات، فلقد ابتُلي بلاءً شديدًا نتيجة الوشاية به من المتصوفة والأشاعرة ومن غيرهم من أهل الطوائف الضالة. لكنه صبر على ذلك كله وسُجن عدة مرات، بل توفي وهو في السجن فلم يؤثر عنه أنه تنازل أو أنه مال يمنة أو يسرة، بل كان رحمة الله تعالى عليه أعدل بأهل البدع من أنفسهم، لم يتجرأ عليهم ولم يستخدم نفس الأساليب التي استخدموها لا من قريب ولا من بعيد، وهنالك قضية مداهمة التتار للبلاد الإسلامية لم يقم في هذه القضية إلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لا حاكم ولا عالم، فقد ذهب إلى الخليفة وجهّز الجيوش وكان يخطب فيهم خطبة الواثق بنصر الله عز وجل فيقول لهم: "أنتم منصورون" فيقال له: قل إن شاء الله فيقول: إن شاء الله أقولها تحقيقًا لا تعليقًا، فلما جمع الجيوش وكان في صفّ المقاتلين كان فيهم من المرجفين والمنافقين العدد الكثير وكانوا يصدرون المقالات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ويتهمونه ويخذلون الناس من حوله، لكنه رحمه الله تعالى صبر وتجشم الصعاب وتحمل القضية التي لم يتحملها الخليفة في ذلك الوقت، وفعلاً كانت الوقعة في رمضان وأمر الجند بالإفطار، وكان يفطر أمامهم ليقتدوا به رحمه الله تعالى، وثبّته الله تعالى في هذه المحنة كذلك، ونصر الله تعالى المسلمين، ودحر الله تعالى التتار ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك، وكان كسر شوكتهم في المعركة التي تعرف بشقحب.

ومن ذلك سيد قطب رحمه الله تعالى، ونحن هنا لا نتكلم بالطبع عن قضايا منهجية أو أخطاء أو زلات، وإنما نتكلم عن ثبات المسلمين أو المؤمنين فسيد قطب رحمه الله تعالى أيضًا كان من جملة الدعاة الذين يدعون إلى تحكيم شريعة الله عز وجل، كان يتكلم في اليهود والنصارى ويفضح خططهم ودسائسهم، صلبًا في الحقيقة في هذه المسألة، وكتابه في ظلال القرآن شاهد على ذلك سُجن في البداية رحمه الله تعالى وابتلي بلاءً شديدًا حتى حكم عليه بالإعدام، وأُخذ إلى الساحة أمام الناس لتضرب عنقه ويشنق فيأتي إليه بعض الناس يلقنه الشهادة يقول له قل: لا إله إلا الله، فيصرخ رحمه الله تعالى قائلاً لهم: فلم تقتلونني إذًا أنتم؟ أنتم ما قتلتموني إلا من أجل لا إله إلا الله، إلا أنني أردت أن تكون لا إله إلا الله هي التي تسير وتحكم الناس في حركاتهم وسكناتهم، فثبت حتى آخر رمق من حياته رحمه الله، ونسأل الله عز وجل أن يكتبه في سجل الشهداء.

من ذلك الألباني رحمه الله ابتلي بلاءً شديدًا سجن عدة مرات نتيجة الوشايات من قبل الصوفية بالذات، ولكنه استمر داعيًا على الله عز وجل ثابتًا على الكتاب والسنة، وما هي إلا أيام فإذا بهذه السحابة تنقشع وإذا بمنهج الشيخ ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها ويذيع صيته، وتكون له اليد الطولى واللمسات الواضحة في إيجاد هذه الصحوة المباركة في هذه الأزمان المتأخرة، وما من كاتب يكتب في المجالات الشرعية إلا وهو من العيال على الألباني رحمه الله، ولقد شُرّد وطُرد من بلد إلى بلد، لكنه مع هذا ضرب أروع الأمثلة في الثبات والصبر على الدعوة.

هذه بعض القضايا التي هي في الحقيقة وأنا أعتذر للإخوة هذه فقط مجرد خواطر في ذهني، وإلا فأنا على حسب ما عندي من المعلوم أن محاضرتي غدًا وليست اليوم وهذه المحاضرة في الحقيقة مهمة جدًّا، وأنا آمل أن أعيد النظر فيها وأحضرها تحضيرًا جيدًا، ولعلها تلقى إن شاء الله تعالى في مكان آخر لما لها من الأهمية وأنا متأكد أن الشواهد كثيرة جدًّا في هذا المجال، والذي سيتكلم في هذا الجانب سيثري هذه المحاضرة إثراءً كبيرًا لكن حصل شيء من الإرباك في قضية الجدول، والله يسامحنا ويسامح من كان السبب في هذا الإرباك، واعذروني على كل حال فهذا جهد المقل.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .