arrow down

الحذر من فتنة النفاق

خطبة لفضيلة د. مراد بن أحمد القدسي

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ النفاق بعد غزوة بدر: (( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ))[الأنفال: 49].

تحذير القرآن والسنّة منه وخوف السلف:

القرآن:

ذُكِر في 17 سورة، ابن القيم: \"كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم\".

(( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ))[النساء: 145]، (( وعَد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ))[التوبة: 68]، (( إذا جاءك المنافقون))، ((فما لكم في المنافقين فئتين ))[النساء: 88]، ((إن المنافقين يُخادعون))[النساء: 142].

السُنّة:

روى الطبراني عن عمران: ( إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي منافق عليم اللسان).

خوف السلف:

جاء في الترمذي والبخاري عن ابن أبي مُليكة: \"أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلّهم يخاف النفاق على نفسه\".

وأبو الدرداء يتعوَّذ من النفاق بعد التشهٌّد فلما سُئل قال: دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فينخلع منه.

جاء في الترمذي والبخاري عن الحسن: \"ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنَه إلا منافق\".

عمر يسأل حذيفة صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل تجدني يا حذيفة من المنافقين، خشية على نفسه، وروى مسلم في صحيحه أنه دخل الصديق وحنظلة الأسيدي على رسول الله فقال حنظلة لرسول الله: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله: (وما ذاك)، قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله: (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)[ثلاثة مرات].

وسُئِل أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: ومن يأمن على نفسه النفاق.

مظاهر النفاق:

1- المسارعة في الموالاة (( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا))، ((بَشِّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً))[النساء: 138139]، ((فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ))[المائدة: 52].

2- المداهنة للظلَمة روى البخاري عن محمد بن زيد أن ناساً قالوا لجده ابن عمر: \"إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلّم إذا خرجنا من عندهم؟ قال: كنّا نعُد هذا نفاقاً على عهد رسول الله\".

3- ذا الوجهين:

وفي الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة:((تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدّهم له كراهية، وتجدون شر الناس ...)).

4- الكراهية لانتصار دين الرسول.

5- الاستهزاء بالدين وأهله.

(( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزُين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً ))[الفتح: 12].

6- يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف (( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيدِيَهم نسوا الله فنسِيَهم إن المنافقين هم الفاسقون ))[التوبة: 67].

7- القسوة عند سماع القرآن (( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ))[التوبة: 124- 125].

8- منع الصدقة (( هم الذين يقولون لا تُنفِقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ))[المنافقون: 7]، ((الذين يلمزون المُطّوِّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ))[التوبة: 79]، (( ومنهم من يَلمِزُك في الصدقات فإن أُعطُوا منها رضوا))، (( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ))[التوبة: 75- 77].

9- التثبيط في الجهاد (( فَرِح المُخَلَّفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون))[التوبة: 81]، (( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين))[التوبة: 49]، (( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجروا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ))[التوبة: 46- 47].

10- التّخلٌّف عن الصلاة (( إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً))[النساء: 142].

وفي الحديث المتفق عليه في رواية عن أبي هريرة:(أثقل الصلوات على المنافقين: الفجر والعشاء)، وروى مسلم من حديث ابن مسعود: (لقد رأيتنا مع رسول الله وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق).

11- علامات: وفي حديث متفق عليه عن ابن عمرو: (أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).

12- إظهار الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

13- إظهار الغيرة على الدّين (( وَليَعلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُم تَعَالَوا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادفَعُوا قَالُوا لَو نَعلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعنَاكُم هُم لِلكُفرِ يَومَئِذٍ, أَقرَبُ مِنهُم لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفوَاهِهِم مَّا لَيسَ فِي قُلُوبِهِم وَاللّهُ أَعلَمُ بِمَا يَكتُمُونَ ))[سورة آل عمران: 167].

14- إظهار المحبة للناس مع وقوع القلب في الحقد والحسد.

15- ترك الاهتمام بالدين وإنما يهتمّون بأنفسهم (( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية ))[آل عمران: 153].

خطر النفاق: فهم أهل خِداع وتلبيس: ويتمثّلُ ذلك بالآتي:

تسويغهم عزل الإسلام عن الحياة السياسية والاقتصادية.

رفع لواء الحرب ضد المسلمين بحُجّة الإرهاب.

الاهتمام بالاحتفال والأعياد.

إقامة المؤتمرات الإسلامية والاهتمام بها.

إظهار الفساد بمظهر الصلاح.

تحريف نصوص الشريعة بحجة: رفع الحرج – لا يُنكر تَغَيٌّر الأحكام لتغير الأزمان.

عدم التحاكم إلى الشريعة فيما فيه مضرة لهم: (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ))[النساء: 61]، (( وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ))[النور: 48].

أسباب النفاق:

حب المال والجاه والمنصب.

أعداء الإسلام.

البيئة.

الأحزاب العلمانية.

عدم وصول الإيمان إلى القلب: (( ومن الناس من يقول آمنا بالله باليوم الآخر وما هم بمؤمنين ))[البقرة: 8]، (( قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ))[الحجرات: 14].

بغض الإسلام وأهله: لحماية النفس والمال. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله)).

آثاره:

1- ينخر في جسد الأمة بالفرقة - ذو الخويصرة ، عبد الله بن سبأ - وذلك بالاستماع لهم (( وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ))[المنافقون: 2]، ((وفيكم سمّاعون لهم))[التوبة: 47].

2- تمرير مخطّطات الأعداء.

3- الوقوع في الذلّة روى الإمام أحمد من حديث ابن عمر: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).

4- فقدان الشخصية المتميزة.

5- تلبيس الحق بالباطل وغياب الفضيلة.

6- طمس معالم الإسلام.

7- تأخّر النصر والتمكين.

آثاره عليهم:

المرض (( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ))[البقرة: 10].

عدم الانتفاع بالذكر (( وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ))[التوبة: 124- 125].

انكشاف حالهم (( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ))[محمد: 29-30].

الإركاس (( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ))[النساء: 88].

يخدعهم الله (( إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ))[النساء: 142].

أجدر أن لا يعلموا (( الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ))[التوبة: 97].

نسيان الله لهم (( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ))[التوبة: 67].

الندم حين تفشل مخططاتهم (( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ))[المائدة: 52].

عدم النور (( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور ))[الحديد: 13- 14].

العذاب (( بشِّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً ))[النساء: 138].

مع الكافرين (( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع الكافرين والمنافقين في جهنم جميعاً ))[النساء: 140].

العذاب في الدنيا والآخرة (( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ))[التوبة: 101]، (( إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم مصيراً ))[النساء: 145].

كيف نتعامل معهم:

عدم الموالاة (( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ))[آل عمران: 118]، (( يا أيها النبي اتق الله و لا تُطع الكافرين والمنافقين ))[الأحزاب: 1].

زجرهم ووعظهم (( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ))[النساء: 63].

عدم الدفاع عنهم (( إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ))[النساء: 106- 107].

الجهاد والغلظة عليهم (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ))[التوبة: 73].

عدم تسويدهم روى أبو داود والنسائي عن بريدة (لا تقولوا للمنافق سيد).

عدم الصلاة عليهم (( ولا تُصَلِّ على أحد منهم مات أبداً ))[التوبة: 84].

لا تُصلِّ في مساجدهم (( لا تقم فيه أبداً ))[التوبة: 108].

عدم الجلوس معهم (( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم ))[النساء: 140].

ترك الاستغفار (( لهم استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ))[التوبة: 80].