arrow down

إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل زمانك، فانظر إلى التزامهم بمقتضى عقيدة الولاء والبراء

رحم الله ابن عقيل الحنبلي القائل: (ذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون، هذا يقول: حديث خرافة والمعري يقول :

تلوا باطلا وجلوا صارماً      وقالوا صدقنا فقلنـا نعم

يعني بالباطل كتاب الله عز وجل. وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب. وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى) [الآداب الشرعية لابن مفلح جـ1/255].

أبو العلاء المعري الذي أعمى الله بصيرته قبل بصره، وطمس فطرته، وصمّ أذنيه عن سماع الحق، ولهذا قابل الأحكام الشرعية بالرد على الله ورسوله بالقياس الفاسد، والآراء المضمحلة، والأهواء المضلة حيث اعترض على نصاب السرقة، وهو ربع دينار، في مقابل دية اليد، بخمسمائة دينار من الذهب، فقال أخزاه الله:

يد بخمسمائة من عسجد وديت      ما بالها قطعت في ربع دينار

تناقض مالنا إلا السكوت لـــه      ونستجير بمولانا من النــــــار

فرد عليه القاضي عبدالوهاب بن نصر المالكي البغدادي، نثراً وشعراً، وبكت عليه، وسخر منه، حيث قال نثراً:

لما هانت، خانت. أي اليد.

وشعراً:

عز الأمانة أغلاها وأرخصهـــــا      ذل الخيانــــــة فافهم حكمـــــة البار

وكذلك رد عليه شمس الدين الكردي قائلاً:

 قـــل للمعري: عار أيمــــــــا عار      جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عارِ

لا تقدحــــن زِناد الشعر عن حكــم       شعائــر الشرع لا تقــــــــدح بأشعار

فقيمــة اليد نصف الألف من ذهب      فإن تعدت فـــــــــــــلا تسوى بدينار

قال ابن القيم مبيناً الفرق بين دية اليد وقطعها في السرقة: (وأما قطع اليد في ربع دينار، وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة، فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف فقطعها في ربع دينار، حفظاً للأموال، وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظا لها وصيانة، وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين) [إعلام الموقعين لابن القيم جـ2/82. إشارة إلى ما زعمه المعري].

أما ابن الراوندي الزنديق فلا غرابة أن يصدر منه مثل هذا الكفر البواح، إذ هذا من أقل سوآته، ولهذا ختم الإمام الذهبي رحمه الله ترجمته في السير قائلاً: (لعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى) [سير أعلام النبلاء للذهبي جـ14/62].

فما فائدة الذكاء من غير زكاء النفس وتطهيرها؟ "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" [سورة الشمس: 9_10].

وقال ابن عقيل كذلك في (الفنون): وهو مصنف ضائع بتكون من ستمائة مجلد: (الصحابة رضي الله عنهم آثروا فراق نفوسهم لأجل مخالفتها للخالق سبحانه وتعالى، فهذا يقول: زنيت فطهرني، ونحن لا نسخوا أن نقاطع أحداً فيه لمكان المخالفة) [الآداب الشرعية لابن مفلح جـ1/253].

السبب الذي جعل الصحابة رضوان الله عليهم يجودون بأنفسهم، ويقدمون حقوق الله وحقوق الرسول على حظوظ أنفسهم، تحقيقهم لعقيدة الولاء والبراء فهجر أهل الأهواء من المبتدعة والفساق الداعين المجاهرين ببدعم وفسقهم من أقوى لوازم عقيدة الولاء والبراء.

أما في عصرنا هذا فقد ضعفت عقيدة الولاء عند البعض، وانعدمت بالكلية، عند قطاع كبير من المنتسبين إلى الإسلام ولهذا لا يقوى جل المسلمين الآن على هجر أهل البدع الكفرية ولا على الكفار بل نجد البعض الآن موالٍ لكثيرٍ من الكفار، ومعاد لإخوان العقيدة ورفقاء الدرب، وذلك لغياب الأخوة الإيمانية. بل بلغت الجرأة ببعض من لا خلاق له حيث يريد رفع الكفر عن الكفار من اليهود والنصارى ويدعو للتقارب الديني وجمع اليهود والنصارى والمسلمين تحت حزب واحد وهو الحزب الإبراهيمي، بله وهناك من يدعو إلى كتابة القرآن والتوراة والإنجيل، في مصنف واحد، وأن يجمع بين المسجد والكنيسة والمعابد في مكان واحد!!

هذا الخلط والتلبيس والتدليس سببه منافقة الكفار، والتودد إليهم، والتشبه بهم.

ما أكثر أمثال وأشباه ابن الراوندي والمعري في زماننا هذا، الذين عُظِّموا وقُدِّسوا واتخذوا قادة ورؤساء ومجددين، بسبب الفساد العقدي والتسيب الفكري وتبني الفكر الإرجائي من غير انتساب له، وغياب العلماء الصادعين بالحق أو تقاعسهم وسلوكهم أسلوب التنازلات والمساومات والمجاملات، مما جعل الكثير من المسلمين في حيرة من أمرهم لا يدرون عمن يصدون. وبمن يقتدون حيث اختلطت الأوراق، فخوِّن الأمين، واستؤمن الخائن، وصُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادق، فأضحى المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة.

رحم الله الإمام الشافعي عندما جاء يعوده حفص الفرد المعتزلي الذي لقبه بالمنفرد لمفارقته جماعة المسلمين، وقال له: هل عرفتني؟ فرد عليه الشافعي: لا حياك الله ولا بياك، وإياك أن تأتيني مرة ثانية.

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد.

والحمد لله رب الأرباب، والصلاة والسلام على محمد وأصحابه والأتباع.

كتبه

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الجمعة 1 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa