arrow down

شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية العالم البحر الفذ في الدفاع عن الحق.. أقام الله به الحجة ونصر به أهل السنة.. -قدس الله روحه-

مقال لفضيلة أ.د. محمد بن عبدالعزيز العواجي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

 هناك مؤتمر حصل قبل مؤتمر الشيشان بقرون عدة، وكان الهدف نفس الهدف:

محاولة جمع جميع طوائف المبتدعة تحت عباءة (أهل السنة والجماعة) وإقناع الناس بذلك، ولو بالاستعانة بالسياسي، وتحجيم الطريقة السلفية وأنها طائفة من الطوائف الأخرى في الأمة، فيها حق وباطل، وليست هي لوحدها (مذهب أهل السنة والجماعة)!.

كان ذلك المؤتمر في دمشق الشام سنة ٧٠٥هـ، برعاية من نائب السلطنة بدمشق، وافتتح المؤتمر، وانعقد في عدة مجالس، واستجوب فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وناقشوه في مضمون العقيدة التي كتبها لبعض أهل واسط.

وقد دوّن شيخ الإسلام للتاريخ أعمال هذا المؤتمر.

دُعي شيخ الإسلام إلى هذا المؤتمر من دون سابقِ ترتيب ودون إشعار بعنوان المؤتمر.

افتتح السلطان جلسة المؤتمر الأول، يقول شيخ الإسلام: "فقال لي: هذا المجلس عُقد لك؛ فقد ورد مرسوم السلطان أن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد [يعني العقيدة الواسطية]".

هذه أول محاولة لتحجيم السلفية؛ حيث نسب هذا الاعتقاد للشيخ ((عما كتبتَ))، وليس هو مذهب أهل السنة!.

فأجاب الشيخ: "أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم".

فشلت المحاولة الأولى؛ بطلب الشيخ التحاكم إلى الأصول الأولى الشرعية الصحيحة!.

طلبوا حينئذ إحضار العقيدة الواسطية؛ لتقرأ ويناقش الشيخ فيما كتب، وكانت اعتراضاتهم وشبههم تتهاوى أمام ذلك الجبل الأشم والطود الشامخ.

أما السلطان فكان واضحًا ميله إلى أولئك الأشاعرة المتمالئين على الشيخ، ولما رأى ضعف أجوبتهم خاف أن يحصل نقيض المقصود بخروج الشيخ منتصرًا!

يقول شيخ الإسلام: "ولما رأى هذا الحاكم العدل تمالؤهم وتعصُّبهم ورأى قلة المعاون منهم والناصر وخافهم قال: أنتَ قد صنفت اعتقاد الإمام أحمد؛ فنقول: هذا اعتقاد أحمد !".

يشرح ابن تيمية مقصود السلطان بهذه العبارة وغرضه فيقول: "يعني: والرجل يصنف على مذهبه؛ فلا يعترض عليه؛ فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم"!.

هذه محاولة ثانية من السلطان لتحقيق مقصوده؛ فليس مقصوده الوصول إلى الحق في المسائل؛ وإنما هدف المؤتمر: تحجيم مذهب السلفية وأنه بعض من الطوائف الباقية، كلها على حق وكلها مذهب أهل السنة، وكلها تنتمي لطريقة السلف!!.

تفطّن ابن تيمية لهذا أيضًا فأجاب: "ما جمعتُ إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجىء به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد !. وقلت مراتٍ: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين؛ فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك!".

باءت المحاولة الثانية بالفشل!.

طلب الخصوم أن تنتهي أعمال هذا اليوم من المؤتمر، ويكملوا في وقت آخر.

وكان غرضهم من هذا التأجيل كما يقول ابن تيمية: "ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويُحضِروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم ليتمكنوا من الطعن والاعتراض".

انتهت الجلسة الأولى من المؤتمر والتي انعقدت يوم الاثنين ٨ رجب ٧٠٥هـ.

ويذكر ابن تيمية مجريات ما حصل معه خلف الكواليس قبل انعقاد الجلسة الثانية، وأنه اجتمع به بعض الأشاعرة الذين خافوا أن ينتصر عليهم ابن تيمية، وأن يثبت في ذلك المجلس أن ما يقوله مذهب السلف، وبالتالي لا يجرؤ هؤلاء الأشاعرة من إظهار معتقدهم!.

ومن طريف ما حصل كما يقول ابن تيمية: "حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية وقد اجتمع بي: لو قلتَ هذا مذهب أحمد بن حنبل وثبتّ على ذلك لانقطع النزاع!!."

يقول ابن تيمية: "ومقصوده: أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة!!.

فقلت: لا والله، ليس لأحمد بن حنبل بهذا إختصاص وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث

وقلت أيضا هذا اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو إجماعا سلفيا وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين أتباع الفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية".

الجلسة الثانية: الجمعة ١٢ رحب ٧٠٥هـ:

افتتح ابن تيمية المؤتمر بالتأكيد على مقصد الاجتماع ونبذ الفرقة، وأن كل مسلم عاقل يدعو إليه، ولكن لا يتأتى إلا بالاجتماع على الأصول الشرعية الصحيحة، وليس يتحقق هذا الاجتماع على الأصول البدعية، ولو وجد سندًا من الساسة!.

فقال: "إن الله أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف وقال لنا في القرآن: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وقال (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)، وقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات)، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار وهتكت الأستار وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول".

في هذا المجلس أحضر هؤلاء الأشاعرة رجلاً من كبار أئمتهم ليناظر ابن تيمية، فكانت من هذا الشيخ الكبير الذي أحضروه محاولة لأن يجعل ما جاء به الشيخ إنما هو من مذهب "الفرقة الحنبلية" التي خالفت بقية مذاهب أهل السنة!.

فقال هذا الرجل الكبير: "لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر ومن أكبر أئمة الإسلام لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء"!

فأجابه الشيخ ابن تيمية: "فقلت أما هذا فحقٌّ، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب الى الشافعي أناس هو منهم بريء، وانتسب الى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم، وقد انتسب الى موسى عليه السلام أناس هو بريء منهم، وانتسب الى عيسى عليه السلام أناس هو بريء منهم، وقد انتسب الى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أناس هو برئ منهم، ونبينا قد انتسب اليه القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم"!!.

ثم يؤكد ابن تيمية أن ما يدعو إليه هو منهج الكتاب والسنة وطريقة سلف الأمة، ليس لشخص منهم به اختصاص!.

وأخذوا في هذا المجلس في مناظرة الشيخ، وتتهاوى شبههم أمام ثباته، ولم يحصل للقائمين على المؤتمر مقصودهم من تحجيم ما يدعو إليه ابن تيمية من عقيدة السلف، وأن مذهب أهل السنة يضم كل طوائف "المبتدعة" الكلامية من الأشعرية والصوفية وغيرهم.

انتهى المؤتمر.

وكانت توصية هذا المؤتمر الوحيدة:

((استدعاء ابن تيمية من الشام إلى مصر، وأقيمت عليه دعوى عند القاضي ابن مخلوف، وأدخل على إثرها السجن))!!!

للاستزادة ينظر مجموع الفتاوى- المجلد الثالث- ص١٦٠