arrow down

شَهْرُ رَجَبٍ بَيْنَ الاتِّبَاعِ وَالابْتِدَاعِ

إن أشرف العمل في الدنيا اتباع الكتاب والسنة، لأنهما الوحي المبين، والحبل المتين، والصراط المستقيم إلى جنات النعيم.

قال تعالى: " قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " ([1]).

وقال تعالى: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ([2]).

وفي مقابل ذلك فإن من أقبح العمل، وأعظم الفِرى الافتئات على الشرع، والجرأة عليه بالقول أو العمل.

قال تعالى: " وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ " ([3]).

 وقال تعالى: " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " ([4]).

وعن وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَقُلْ»([5]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «...وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ([6]).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» ([7]).

وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ([8]).

وعن الْعِرْبَاضِ رضي الله عنها قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا" فَقَالَ:«أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ([9]).

من فوائد هذه الأدلة: أن العبادة توقيف على الشارع الحكيم، لا يجوز لأحد مهما علت رتبته أن يزيد فيها أو ينقص، فمن فعل ذلك مستحلاً فقد كفر، أو متأولاً بقصد القربى فقدأحدث وابتدع، أو غافلاً جاهلاً فقد عصى وأثم.

ولقد رأينا كثيراً من الناس في بلاد الإسلام  يزاولون بعض الأعمال في شهر رجب؛ بقصد القربى وزيادة الأجر من غير أن يتحروا دليل الشرع في ذلك؛ فآثرنا بعد الاستعانة بالله سبحانه أن نبين ما أُحْدِثَ من أعمالٍ في هذا الشهر وما شُرع فيه، وبالله التوفيق:

أولاً: صلاة الرغائب:

وهي اثنتا عشرة ركعة، تصلى بين المغرب والعشاء في ليلة الجمعة الأولى من شهر رجب، يُسلَّم عند كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بعد فاتحة الكتاب سورة القدر ثلاثاً، وسورة الإخلاص اثنتي عشرة مرة، فإذا أتمهن صلى بعدهن على النبي صلى الله عليه وسلم  سبعين مرة.

والحق في هذه الصلاة أنها بدعةٌ محدثةٌ في دين الله عز وجل، لم تُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ من القُرُونِ الأُولَى.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رحمه الله : "وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها"([1]).  

وقد بناها المبتدعة على حديث موضوع باتفاق جماهير أهل العلم.

وقد أبان الطرطوشي رحمه الله  بداية وضعها ، فقال:"وأخبرني أبو محمد المقدسي ، قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان ، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمئة ، قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس ، يعرف بابن أبي الحمراء ، وكان حسن التلاوة ، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان... إلى أن قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمئة ، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك"([2]).

وقال النووي رحمه الله :"هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والإعراض عنها ، وإنكارها على فاعلها"([3]).

وقال ابن النحاس رحمه الله :"وهي بدعة ، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين"([4]).

وقال ابن تيمية رحمه الله :"وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها ، بل هي محدثة ، فلا تستحب ، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام ، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً"([5]).

ثانياً: خصوصية الصيام في رجب:

لا يجوز تخصيص شهر رجب بصيام من بين سائر الشهور؛ لأن التخصيص بالعبادة لا يصح إلا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، وقد أفاد العلماء أنه لم يصح في هذا الشأن من الأحاديث والآثار شيء، فكل ما ورد فيه فهو شديد الضعف، بل جلها من الموضوعات المكذوبات.

قال ابن رجب رحمه الله :"وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم  ولا عن أصحابه"([6]).

بل قد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يزجر الناس على صيامه، فعنه رضي الله عنه أنه: كان يَضْرِبُ أَكُفَّ الرِّجَالِ فِي صَوْمِ رَجَبَ، حَتَّى يَضَعُونَهَا فِي الطَّعَامِ، وَيَقُولُ: «رَجَبُ وَمَا رَجَبُ" إِنَّمَا رَجَبُ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تُرِكَ»([7]).

قال ابن تيمية رحمه الله :"وَأَمَّا صَوْمُ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَا يَعْتَمِدُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَيْسَتْ مِنْ الضَّعِيفِ الَّذِي يُرْوَى فِي الْفَضَائِلِ بَلْ عَامَّتُهَا مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ الْمَكْذُوبَاتِ وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  كَانَ إذَا دَخَلَ رَجَبٌ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ).

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ، وَفِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ لَكِنْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَضْرِبُ أَيْدِيَ النَّاسِ؛ لِيَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الطَّعَامِ فِي رَجَبٍ. وَيَقُولُ: لَا تُشَبِّهُوهُ بِرَمَضَانَ.

وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى أَهْلَهُ قَدْ اشْتَرَوْا كِيزَانًا لِلْمَاءِ وَاسْتَعَدُّوا لِلصَّوْمِ فَقَالَ: " مَا هَذَا فَقَالُوا: رَجَبٌ فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُشَبِّهُوهُ بِرَمَضَانَ" وَكَسَرَ تِلْكَ الْكِيزَانَ "([8]).

ويستثنى من ذلك صيام الكفارة والنذر والقضاء، وصيام من كانت له عادة كالاثنين والخميس، أو ثلاثة الأيام البيض، أو كصيام داود عليه السلام، فكل ذلك مشروع لا في رجب وحده بل في جميع الشهور، إلا رمضان والعيدين والتشريق. 

ثالثاً: الاحتفال في ليلة السابع والعشرين من رجب:

قد ظن كثير من الناس أن ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، وهو ظنٌ مجرد عن الدليل، إذ لم يصح من السنة شيء في ذلك، وأما ما روي عن القاسم بن محمد: أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم  كان في سابع وعشرين من رجب فهو ضعيف لا يصح([9]).

قال أبو شامة رحمه الله :"وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب"([10]).

وقال ابن القيم رحمه الله :قال ابن تيمية رحمه الله : "وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ جَعَلَ لِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ فَضِيلَةً عَلَى غَيْرِهَا، لَا سِيَّمَا عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَلَا يَذْكُرُونَهَا، وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ صلى الله عليه وسلم  وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَا ذَلِكَ الْمَكَانِ بِعِبَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، بَلْ غَارُ حِرَاءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الْوَحْيِ وَكَانَ يَتَحَرَّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقْصِدْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ، وَلَا خُصَّ الْيَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْوَحْيُ بِعِبَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا خُصَّ الْمَكَانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالْوَحْيِ وَلَا الزَّمَانُ بِشَيْءٍ، وَمَنْ خَصَّ الْأَمْكِنَةَ وَالْأَزْمِنَةَ مِنْ عِنْدِهِ بِعِبَادَاتٍ لِأَجْلِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمَانَ أَحْوَالِ الْمَسِيحِ مَوَاسِمَ وَعِبَادَاتٍ، كَيَوْمِ الْمِيلَادِ، وَيَوْمِ التَّعْمِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ.

وَقَدْ «رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه جَمَاعَةً يَتَبَادَرُونَ مَكَانًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا" ، قَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ"! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَإِلَّا فَلْيَمْضِ»([11]).

وقال ابن العطّار الشافعي رحمه الله : "ورجب ليس فيه شيء من ذلك-أي الفضائل- سوى ما يشارك غيره من الشهور، وكونه من الحُرُم ، وقد ذكر بعضهم أن المعراج والإسراء كان فيه ولـم يثبـت ذلك والله أعلم"([12]).

وقال ابن القيم رحمه الله :"ولم يقم دليلٌ معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها ، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره بخلاف ليلة القدر"([13]).

وعلى فرض الصحة، فلا يجوز أن يُتَّخَذَ ذَلِكَ اليومُ عيداً، ولا أن يُحْتَفَلَ في ليلته بما اعتاد الناس على فعله في الأعياد من القصيد والأشعار والمدائح وأكل الحلوى ونحوها، فإن هذا من المحدثات التي لم تعرف إلا في الأزمان المتأخرة.

رابعاً: خصوصية العمرة في رجب:

اختلف أهل العلم في حكم تخصيص العمرة في شهر رجب على قولين:

الأول:قال بعدم الجواز، وأن تخصيص شهر رجب بالعمرة لا أصل له، وهو مذهب ابن العطار الشافعي، حيث قال رحمه الله : "ومما بلغني عن أهل مكة زادها الله شرفاً اعتيادُ كثرةِ الاعتمار في رجب، وهذا مما لا أعلم له أصلاً ، بل ثبت في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) ([14])([15]).

والثاني: قال بالجواز، وهو مروي عن جملة من السلف منهم عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم  اعتمر في رجب ، فأنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها وهو يسمع فسكت([16]).

وكَانَ ابْنُ عُمَر رضي الله عنهما، يُعْجِبُهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي رَجَبٍ شَهْرٍ حَرَامٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ السَّنَةِ([17]).

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ:«كَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَمِرُ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَتَعْتَمِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رَجَبٍ، تُهِلُّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»([18]).

وعَنْ حَاطِبٍ رضي الله عنه قَالَ:«اعْتَمَرْتُ مَعَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي رَجَبٍ»([19]).

قال ابن رجب رحمه الله :"واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضاً.

ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه ، فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة ، والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحج ، وذلك من إتمام الحج والعمرة المأمور به .

وهذا([20])رأي جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعلى وغيرهم"([21]).

وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله  عن تخصيص رجب بالعمرة، فقال:(كان السلف يفعلونها وثبت ذلك عن عمر وابن عمر وكان السلف يفعلونها ولا بأس بها).

خامساً:  العتيرة (الرجبية):

وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية...وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا طلب أحدهم أمراً نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر.

واختلف العلماء في حكم العتيرة على أقوال:

القول الأول :أن العتيرة مستحبة ، والدليل على ذلك الأحاديث الدالة على الأمر بها، فعَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ، هَلْ تَدْرُونَ مَا العَتِيرَةُ" هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ» ([22]).

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَقِيقَةِ" .... وَسُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ" فَقَالَ: «الْعَتِيرَةُ حَقٌّ»([23]).

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ»([24]) أي لا عتيرة واجبة.

و قوله صلى الله عليه وسلم : «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ»([25]) أي اذبحوا إن شئتم ، واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان ، لا أنها في رجب دون غيره من الشهور([26])، وهذا قول الشافعي رحمه الله .

قال النووي رحمه الله : "وقد نص الشافعي رحمه الله  في سنن حرملة أنها إن تيسرت كل شهر كان حسناً ، فالصحيح الذي نص عليه الشافعي رحمه الله  واقتضته الأحاديث أنهما –الفرع والعتيرة–لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا"([27]).

القول الثاني:أنها جائزة من غير استحباب ولا كراهة؛ للأحاديث التي تقضي([28])بالترخص فيها.

وأجابوا عن قوله صلى الله عليه وسلم : «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» بثلاثة أوجه :

أحدها :أن المراد نفي الوجوب كجواب الشافعي رحمه الله  السابق .

الثاني  :أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم .

الثالث:أن المراد أنها ليست كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم.

وقد نسب النووي هذا القول : إلى ابن كج والدارمي من الشافعية.

القول الثالث :أنها مكروهة، قال ابن المنذر رحمه الله : "وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية ، وفعله بعض أهل الإسلام ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم   بهما ، ثم نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال :«لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ»، فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنها ، ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم  كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما، والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة: (إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ..إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَعًا)([29]).

وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا([30]).

والحاصل: أن الأمر بالعتيرة مرفوع، ومن أراد أن يذبح، فليذبح لله في أي وقت، من غير تخصيص لشهر دون آخر، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ابن رجب الحنبلي/لطائف المعارف (ص: 118).

([2]) الطرطوشي/ الحوادث والبدع (ص:103).

([3]) النووي/فتاواه (ص:57).

([4]) ابن النحاس/تنبيه الغافلين(ص:496).

([5]) ابن تيمية/مجموع الفتاوى (23/132)،(23/134-135).

([6]) المرجع السابق.

([7]) الطبراني/الأوسط/ح(7636)(7/ 327).

([8]) ابن تيمية/مجموع الفتاوى(25/290-291).

([9]) ابن رجب الحنبلي/لطائف المعارف(ص:121).

([10]) أبو شامة/ الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص:74) .

([11]) ابن القيم/ زاد المعاد (1/ 58-59).

([12]) ابن العطار/حكم صوم رجب وشعبان(ص:34).

([13]) ابن القيم/ زاد المعاد (1/57).

([14]) البخاري/صحيحه/ح(1782)(3/3) ،مسلم/صحيحه/ح (1256)(2/ 917).

([15]) ابن العطار/حكم صوم رجب وشعبان(ص:46).

([16])البخاري/ صحيحه/ح(1776)(3/2)، مسلم/ صحيحه/ح(1255) (2/916- 917).

([17]) الخلال/ فضائل شهر رجب(ص: 63).

([18]) ابن أبي شيبة/مصنفه/ح(13329)(3/189).

([19])ابن أبي شيبة/مصنفه/ح(13334)(3/190).

([20])أن الإتيان بالحج في سفرة  والعمرة في سفرة أخرى – والله أعلم – وليس المراد استحباب العمرة في رجب.

([21]) ابن رجب الحنبلي/لطائف المعارف (ص:125-126) .

([22]) الترمذي/ سننه ح(1518) (4/99)، وقال الألباني: صحيح.

([23]) أحمد/مسنده (3/183)، النسائي/سننه(7/168)،  السيوطي/ الجامع الصغير (2/187)ح (5674) وقال: حسن .

([24]) البخاري/صحيحه/ح(5473)(7/ 85)، مسلم/صحيحه/ح (1976)(3/ 1564).

([25]) أبوداود/سننه/ح(2830)(3/ 104)، وقال الألباني: صحيح.

([26]) النووي/المجموع(8/445) .

([27]) النووي/ المجموع (8/445، 446) .

([28]) عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو الباهلي قال : سمعت أبي يذكر أنه سمع جده الحارث بن عمرو لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ...... فقال رجل من الناس : يا رسول الله العتائر والفرائع " قال : (من شاء عتر ومن شاء لم يعتر ، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع ، وفي الغنم أضحيتها ) وقبض أصابعه إلا واحدة .

عن مخنف بن سليم قال : كنا وقوفاً مع النبي صلى الله عليه وسلم  بعرفات فسمعته يقول: ( يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة " هي التي تسمونها الرجبية ) .

([29]) أحمد/مسنده (5/76)، أبو داود/ سننه/ح(2830) (3/255)، الحاكم/ المستدرك (4/235)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي .

([30]) ابن القيم/تهذيب سنن أبي داود(4/92و93)، الحازمي/الاعتبار (ص: 159-160) .

كتبه

د. سلمان بن نصر الداية

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 2 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa