arrow down

الصائمون حقا

بقلم فضيلة د. محمد بن عبدالله الهبدان ( عضو رابطة علماء المسلمين )

مع قدوم رمضان هذا الشهر المبارك تتهيأ نفوس المسلمين للصيام وكل له من صومه حظ من الثواب بحسب عزمه وحزمه وتشميره ..ولذلك فإن التفاوت في اغتنام رمضان حاصل لا محالة بين الناس كل بحسب اجتهاده .فمن أتى بالصوم في رمضان ناقصًا نقص من أجره بحسبه ومن اجتهد واقتصد في رمضان فأجره على ما اجتهد..ومن صامه إيمانًا واحتسابًا فأولئك من زمرة الصائمين حقًا..الفائزين في رمضان!

إن الصوم الحقيقي ليس مجرد الإمساك عن المأكل والمشرب والتمتع الجنسي فحسب، ولكنه مع ذلكم يشمل أموراً أخرى وبها ينال الصائمون كمال الأجر وبها يسبقون ..وأهم هذه الأمور:

أولاً: حفظ اللسان:

فالبلاء موكل بالمنطق قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (رواه البخاري). ورب كلمة تقول لصاحبها دعني ألا فليكف كل منا لسانه عن اللغو والرفث والصخب والجدال في غير الحق، والغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور، والبهتان والهمز واللمز والأيمان الكاذبة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (رواه النسائي). وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل فإن امرؤ سابه فليقل: إني امرؤ صائم»(رواه البخاري ومسلم)، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري ومسلم)

ثانياً: إمساك وحفظ للبصر:

فالصائم حقيقة من خاف الله تعالى في عينيه فلم ينظر بهما نظرة محرمة: "فإن النظرة سهم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه". يقول الله جل وعلا: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}  [النور:30] . إن إطلاق البصر وتثبيت النظر في المحرم، ليقود الناظر إلى الهلاك في العاقبة، أو إلى الأمراض النفسية، ذلك أن الناظر إلى ما هو محرم عليه، إما أن يتبع النظر بالعمل على إشباع ما تلهفت إليه نفسه بعد النظر فإذا هو يسعى إلى المحرم، ويرتب وهو صائم خططًا هي نسيج الشيطان، وإما أن يقف عند الحد الأول ولا يستجيب للمطالب التي تستحثه، فيكبت نفسه، والكبت والصد بعد الانطلاق تتولد عنه هزات عكسية تنفعل لها النفس وتمرض، فاتقِ الله يا من أطلقت لعينيك النظر إلى الحرام فالعين تزني وزناها النظر.

ثالثاً: إمساك وكف عن سماع ما لا يحل سماعه من لهو وغيبة وغيرهما:

 

ويكفي أن تعلم أن الله قرن السامعين للكذب بالآكلين للسحت قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42] وجعل سماع الكذب والاطمئنان إليه شأن اليهود المخذولين قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ} [المائدة:41] وقال تعالى في مجالس القول الباطل: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} [النساء:140] فالقائل زورًا والسامع الراضي به شريكان في الإثم، قال جابر رضي الله عنه: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". الصيام نعمة كبرى به تكفر الذنوب، وترفع به الدرجات، وبه تقوى صلة العبد بربه لأنه عمل خفي، وكلما كان العمل خفيًا كان أقرب للإخلاص فاحفظه يضاعف لك ثوابه، وتحمدوه عقباه يوم القدوم على الله، يوم الفرحة العظمى، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (رواه البخاري). فإذا كان الصوم كما ذكرت لك، كان من حقنا أن نتساءل: هل نشعر في الصيام بسمو أرواحنا، فنأبى أن ننحدر كما كنا ننحدر قبل رمضان؟!. إذاً لماذا لا نجعل من رمضان موسماً نتزود فيه من الخير ونستودعه أرواحنا حتى ننفق من ذخيرته السنة كلها؟! فلا تكون أعمارنا إلا خيرًا وبركة وسموًا ورفعة. رمضان معركة يحتدم فيها الصراع بين المادة والروح، فحذار أن تنهزم ..، حذار أن يصوم بطنك عن الطعام والشراب، وتفطر جوارحك على العصيان، حذار أن تنشط للسمر والسهر في الأفلام اللعب واللهو واللغو وتكسل عن العبادة، حذار من ذلك كله، فإنها الهزيمة التي يشمت فيها الشيطان ولا يرضى عنها الرحمن. واذكر دائمًا قول رسولك صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (حسنه الألباني).  فمن صام بطنه عن الطعام، وفرجه عن الشهوات..وجوارحه كلها عن المحرمات ..وأتى بما استحبه الله في هذا الشهر من القيام والذكر والإحسان والقربات فقد نال السبق وصام رمضان الصيام الحق. نسأل الله أن نكون من الصائمين حقاً وصدقاً.