arrow down

لطائف التفسير و الضروري من الأحكام على ضوء آيات البقرة في فقه الصيام

بقلم فضيلة الشيخ العلامة / محمد بن أحمد زحل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

قال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَعَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنكَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْخَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِالْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُالشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيفَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِيلَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْهُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْفَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْوَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَالْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِيالْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) ﴾ البقرة (183-187) م

مفردات النص القرآني:

صام صوما و صياما و اصطام: أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح و السير، و صام منيته ذاقها، و صام النعام رم بذرقه، و صام النهار قام قائم الظهيرة، و الصوم الصمت، و ركود الريح، و مصام الفرس و مصامته: موقفه. و في مفردات الراغب الأصبهاني: الصوم الإمساك عن الفعل مطعما كان أو كلاما أو مشيا، و لذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف: صائم. قال الشاعر:

خيل صيام و خيل غير صائمــة       تحت العجاج و أخرى تعلك اللجما

و الصوم في الشرع: هو الإمساك عن الطعام و الشراب و الجماع مع النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، و كماله باجتناب المحظورات و عدم الوقوع في المحرمات. و العدة: فعلة من العد و هي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، و في المثل المشهور: أسمع جعجعة و لا أرى طحنا، و منه عدة المرأة في الطلاق و الوفاة. و قال الراغب: و العدة هي الشيء المعدود و منه قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً﴾ أي عددهم. و معنى ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ﴾ أي عليه أيام عدد ما قد فاته من رمضان بسبب المرض أو السفر.

أخر: أي أياما أخرى و هي ممنوعة من الصرف لأنها معدولة عن آخر على مذهب الكسائي، و عن الألف و اللام على مذهب سيبويه مثل الصغر و الكبر، و إنما عير بالجمع هنا لأنه لو أفرد فقيل من أيام أخرى لتوهم البعض أنه وصف لعدة فلا يستقيم المعنى، و راجع في هذا القرطبي (2/226) و مجمع البيان (1/273).

يطيقونه: أي يصومونه بمعاناة و شدة و عسر، و في لسان العرب لابن منظور و الإطاقة: القدرة على الشيء، و هو في طوقي أي و سعي، و أطاق الأمر إطاقة: إذا قوي عليه، و راجع الصحاح و تاج العروس.

فدية: و الفدية ما يفدي به الإنسان نفسه من طعام أو مال أو غيره بسبب إخلال ببعض الواجبات الشرعية، أو تقصير في بعض الشعائر التعبدية و لها شبه ملحوظ ببعض الكفارات في بعض وجوهها و انظر روائع البيان للصابوني (1/189).

شهر: الشهر القمري ما بين الهلالين، و قلنا القمري احترازا من شهور السنة الشمسية لأنها لا تخضع للأهلة، و إنما تخضع للحساب المحض، و سمي الشهر شهرا لظهوره و اشتهاره من قولهم: شهر الأمر: أظهره، و شهر السيف: استله، فالعيون كلها تستشرفه فلا يخفى على أحد، و لذلك جعل ميقاتا للعبادات و المعاملات لشدة اشتهاره بين الناس، و عُد لروح المعاني للألوسي البغدادي (2/60).

رمضان: قالوا سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الرمض و هو شدة وقع الشمس أو من الرمضاء و هي شدة الشمس، و منه الحديث في فضيلة الضحى (صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال) أي وقت احتراقها لحرارة الرمضاء في الصحراء و ذلك يكون فيما بين الساعة التاسعة و الحادية عشرة و في مفردات القرآن للراغب الأصبهاني و رمضت الغنم: رعت في الرمضاء فقرحت أكبادها و من تعليل الأسماء الناتج عن التعمق في فقه اللغة ما نبه إليه الزمخشري حين قال: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى رمضان. و قارن بزاد المسير (1/178) و مجمع البيان (1/275).

الرفث: أصل الرفث اللغو و قول الفحش، ثم استعمل في الجماع و دواعيه على سبيل الكناية لا التصريح قال الراغب: الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره و قد جعل كناية عن ذكر الجماع في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إشعارا بجواز مخاطبتهن في شؤون المباشرة و دعوتهن إليها. و الرفث و المباشرة هما اللفظان القرآنيان اللذان يكنى بهما عن الجماع و هما يدلان على سمو الأدب القرآني و عفة خطابه، و ما أجدر الكتاب و الأدباء الإسلاميين أن يتأسوا بأدب القرآن و ينبذوا اللفظ الغربي الموحش المتبذل و هو «الجنس» و لهذا قال ابن عباس: الرفث: هو الجماع، إن الله عز و جل كريم حليم يكني.

تختانون: تراودون أنفسكم على الخيانة، فالخيانة تقابل الأمانة و الاختيان هو الهم بالخيانة و التفكير فيها، قال الشاعر:

يتحدثون مخــانة و ملاذة    و يعاب قائلهم و إن لم يشغب

و سئل بغضهم عن السيف: فقال: أخوك و إن خانك و كل ما غيرك عن حالك فقد تخونك، و إنما قال تعالى: ﴿تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ و  لم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تصدر منه الخيانة بل وقعوا في الاختيان  و هو التفكير و الهم بالمخالفة هكذا زعم الراغب و في المسألة نظر سنبحثه عند الشروع في تفسير النص.

عاكفون: أصل العكوف و الاعتكاف في اللغة المرابطة و اللزوم و طول المكث و لذلك قالت بنو إسرائيل بعد أن أضلهم السامري و زين لهم عبادة العجل ﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾قال الشاعر:

فبات بنات الليل حولي عكفا      عكوف البواكي بينهم صريع

و الاعتكاف شرعا: هو لزوم المسجد مدة معينة للتعبد بنية خالصة قربة إلى الله تعالى.

حدود الله: الحد في اللغة المانع بين الشيئين الفاصل بينهما خشية الصدام و منه حد الأرض، و الحدود الشرعية لأنها تمنع الجاني من معاودة المعصية و تزجر غيره من قربانها، و أحدت المرأة إذا امتنعت من الزينة حزنا على وفاة زوجها أو قريبها، و سمي الحديد حديدا لأن الإنسان يتحصن به و يمتنع من أعدائه، و سمي البواب حدادا لأنه يمنع من الدخول أو الخروج إلا بإذن. قال الزجاج: و الحدود: ما منع الله تعالى من مخالفتها فلا يجوز مجاوزتها. و انظر مجمع البيان و القرطبي و زاد المسير (2/280) و (2/316) و (1/193) على التوالي.

أسباب النزول:

روى ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء و ثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله عز و جل فرض شهر رمضان فأنزل الله تعالى ذكره ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ حتى بلغ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام و من شاء أفطر و أطعم مسكينا ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، و ثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله عز و جل ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. و روى البخاري و مسلم و الترمذي عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وَعَلَىالَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من شاء منا صام، و من شاء أن يفطر و يفتدي فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ و انظر الدر المنثور (1/177).

و روى بن أبي حاتم عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أن أعرابيا قال يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟؟ فسكت النبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. و رواه أيضا ابن جرير و ابن مردويه و أبو الشيخ من حديث محمد بن أبي حميد عن جريربه. و ذكر عبد الرزاق من حديث عوف فن الحسن قال سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: أين ربنا؟ فأنزل الله عز و جل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ و انظر ابن كثير (1/207).

و روى البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته و لا يومه قبل أن يمسي و إن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما و كان يعمل بالنخيل في النهار، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا و لكن أنطلق فأطلب لك، و كان يومه يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته نائما، قالت: خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِالرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا فرحا شديدا فنزلت الآية ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.

البيان و التفسير:

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَعَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾.

خاطب الله المؤمنين من هذه الأمة آمرا لهم بالصيام و هو عبادة تقتضي الإمساك عن الطعام و الشراب و الوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يوما كاملا بنية قبل الفجر و يستحب استصحابها طوال النهار و ذلك مدة شهر كامل من شهور السنة القمرية عينته الشريعة كتابا و سنة و هو رمضان، و لسنا معشر المسلمين بدعا بين الأمم في هذه العبادة بل فرضت علينا و على من قبلنا من الأمم على اختلاف مللها و أديانها تزكية للنفوس من أخلاطها الرديئة و أخلاقها الرذيلة كسرا للشهوات، و ضبطا للغرائز و النزوات، و تحقيقا للغاية التي شرعت لها العبادات و حظرت بسببها المحرمات، و حدت لأجلها الحدود و عينت الحرمات ألا و هي تقوى الله عز و جل و الورع الدائم باستصحاب خوفه و الاستمرار على طاعته و إدامة ذكره، و المواظبة على شكره و تحقيق مقام الإحسان الذي هو أعلى مقامات العبودية و أسمى درجات الموقنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه و هو يفسر الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يطاع فلا يعصى، و أن يذكر فلا ينسى و أن يشكر فلا يكفر، و إنما أشير إلى اشتراك الأمم السابقة معنا في هذه الشعيرة تحقيقا للقدوة و حفزا للهمم على المبادرة إلى الخيرات و المنافسة في ميادين الصالحات مصدقا لقول رب العالمين: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

فالسباق السباق قولا و فعلا         حذر النفس حسرة المسبوق

و لهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُواالخَيْرَاتِ﴾. و لما كان الصوم وسيلة إلى التقوى، و سببا يفضي إلى خوف الله تعالى أرشد الرسول صلى الله عليه و سلم من يتعذر عليهم النكاح من الشباب لشدة المؤنة و ضيق المعيشة و فقدان المأوى إلى اعتماد الصوم عدة لتحصين النفس من مكايد الشيطان، و عصمتها من مزالق الهوى و مصارع الشهوات، كما في الصحيحين «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، و من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

و بين الله أن مقدار الصوم أيام معينة معلومة يتحقق بها طاعة الله و تنهض بها الطاقة البشرية، و لم تزل كما كانت سنة موروثة عن الأمم السابقة ثلاثة أيام من كل شهر، كما ثبت ذلك عن رجال من السلف: معاذ و ابن عباس و عطاء و قتادة و الضحاك بن مزاحم و ابن مسعود الذي أضاف لم يزل مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان، و ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الذي فرض على الأوائل صيامه هو شهر كامل من السنة كما فرض علينا سواء بسواء، كما قاله عباد ابن منصور عن الحسن البيصري: «نعم و الله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتبه علينا شهرا كاملا و أياما معدودات عددا معلوما» و ذهب إلى مثل هذا السدي. و روى ابن  أبي حاتم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و  سلم «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم».

و ذهب آخرون من رجال التفسير ممن سلف إلى أن القدر المشترك و الذي حصل به وجه الشبه في هذه الشرعة بيننا و بين سابقينا من الأمم الخالية هو كونهم إذا ناموا قبل العشاء أو بعدها حرم عليهم الطعام و الشراب و الوقاع إلى وقت إفطارهم من الغد، و هو ما كان عليه الأمر عند الصحابة في أول عهدهم بشرعة الصيام، و هذا الرأي نقله أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر كما نسب ابن أبي حاتم القول به إلى ابن عباس و أبي العالية و عبد الرحمان بن أبي ليلى و مجاهد و سعيد بن جبير و مقاتل بن حيان و الربيع بن أنس و عطاء الخراساني و قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍفَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنتَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾الذي كان عليه الأمر في أول الإسلام أم المريض و المسافر اللذين يشق عليهما الصيام يفطران و يقضيان أياما بعدد ما أفطرا تيسيرا عليهما و رفعا للحرج عنهما، و أما الصحيح المقيم فقد كان مخيرا بين الصيام إن شاء، أو الإفطار مع الفدية و هي أن يطعم بدل كل يوم أفطر مسكينا، و إن تفضل فأطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، و إن صام فالصيام أفضل، و ظل الأمر هكذا إلى أن نسخه الله سبحانه و تعالى بقوله ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فألزم الصحيح المقيم بالصيام و لم يعد يقبل منه الفداء، و شرع القضاء للمريض و المسافر، و بقيت الفدية للشيخ الفاني و المريض اليائس من الشفاء.

التدرج في تشريع الصيام:

أخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، و أحيل الصيام ثلاثة أحوال إلى أن قال: و أما أحوال الصيام؛ فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام و صام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام و أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام و من شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله:﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، و رخص فيه للمريض و المسافر، و ثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حالان ، قال و كانوا يأكلون و يشربون و يأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل و لم يشرب حتى أصبح صائما فرآه رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد جهد جهدا شديدا فقال ما لي أراك قد جهدت جهدا، قال: يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت فألقيت نفسي، فأصبحت حين أصبحت صائما، قال و كان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر له ذلك، فأنزل الله عز و جل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾. و أخرجه أبو داود و الحاكم في المستدرك من حديث المسعودي به. و قال الحافظ ابن كثير بعد عرض أقوال السلف: فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه لقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ و  أما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر و لا قضاء عليه لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، و لكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه فلم يجب عليه فدية كالصبي لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها و هو أحد قول الشافعي و الثاني و هو الصحيح و عليه أكثر العلماء أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، و هو اختيار البخاري فإنه قال: و أما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاما أو عامين عن كل يوم مسكينا خبزا و لحما و أفطر، و هذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم. و رواه عبد بن حميد عن ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه. قال ابن كثير: و مما يلتحق بهذا المعنى الحامل و المرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ففيهما خلاف كثير بين العلماء؛ فمنهم من قال يفطران و يقضيان و يفديان، و قيل يفديان فقط و لا قضاء، و قيل يجب القضاء بلا فدية، و قيل يفطران و لا فدية و لا قضاء.

و قد مدح الله سبحانه و تعالى شهر رمضان بأن شرفه بجعله زمنا لنزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، لينزل بعد ذلك منجما حسب الوقائع و الأحداث في مدة البعثة النبوية على امتدادها، و قد جاءت الأخبار بأنه الشهر الذي اختاره الله لنزول الكتب السابقة على الأنبياء الأوائل كما أخرج الإمام أحمد بسنده عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، و أنزلت التوراة لست مضين من رمضان و الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، و أنزل الله القرآن لأربع و عشرين خلت من رمضان». و في رواية سعيد بن الجبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العزة ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس» و معنى «لجواب كلام الناس» نزوله مفرقا حسب الحاجة إلى التشريع، يجيب عن سؤال، و يفتي في نازلة، و يدحض شبهة و يبطل دعوى ادعيت بغير بينة، و أسقط من مدة البعثة ثلاث سنوات لم تكن ظرفا لنزول وحي مراعاة لفترات انقطاعه كما في حديث بدء الوحي لدى البخاري «و لم يلبث ورقة أن توفي و فتر الوحي» و في رواية عكرمة عن ابن عباس: «أنزل القرآن في شهر رمضان إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، و كان الله يحدث لنبيه ما يشاء، و لا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه و ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِالْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً، وَلايَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ و قوله تعالى: ﴿هُدًىلِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾» قال الحافظ ابن كثير: «هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به و صدقه و اتبعه و بينات أي و دلائل و حجج بينة واضحة جلية لمن فهمها، و تدبرها و دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، و الرشد المخالف للغي، و مفرقا بين الحق و الباطل و الحلال و الحرام».

هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ نقل ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي و سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى و لكن قولوا شهر رمضان» و روي مثل هذا عن مجاهد بن جبر و محمد بن كعب القرظي. قلت: أسماء الله تعالى و صفاته توقيفية لا تثبت إلا بالقرآن و السنن الثابتة الصحاح، و لا تثبت بالتخمين و الاجتهاد المجردين عن الدليل، و لذلك طعن ابن كثير في سند ابن أبي حاتم ناقل الخبر المذكور و قال: «أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمان المدني إمام المغازي و السير و لكن فيه ضعف، و قد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا عن أبي هريرة و قد أنكر عليه الحافظ ابن عدي و هو جدير بالإنكار» و رخص في إطلاق رمضان مجردا من الصحابة عبد الله بن عباس و زيد بن ثابت و انتصر البخاري رحمه الله للجواز فقال: «باب يقال رمضان» و ساق في ذلك أحاديث منها: «من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» و القول قوله و بذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب كما يقال في المثل العربي.

و قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ معناه فمن كان حاضرا صحيحا استهل عليه رمضان و هو في بلده وجب عليه الصيام، و لم يعد له ذلك الخيار بين الصيام أو الإطعام الذي كان له في أول الإسلام فهذه الآية ناسخة لذلك الحكم الذي كان المقصود منه و الله أعلم إسعاف الفقراء و المحتاجين إلى الإطعام و قد كانوا كثرة قبل أن يستغنوا بالإسلام و يستفيدوا من موارده في الزكاة و صدقة الفطر و خمس المغانم و الأنفال و قسم الفيء فضلا عما تجود به أيدي المتطوعين من عامة المسلمين الذين طاب لهم الإنفاق و وجدوا الحلاوة في تقديم النفع للغير فالآية على هذا ناسخة للآية السابقة و بناء عليه فإن مادة شهد هنا من الشهود بمعنى الحضور و ليست من المشاهدة بمعنى الرؤية، و إنما استفيدت الرؤية من نصوص السنة و هذا يكاد يكون إجماعا من المفسرين، و باستقراء كتب التفسير ما قَدُمَ منها و ما حَدُثَ تتبين لك هذه الحقيقة، قال الحافظ ابن كثير: «هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال هذا الشهر أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان و هو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، و نسخت هذه الآية الإباحة المتقدة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر و يفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه، و لما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض و المسافر في الإفطار بشرط القضاء فقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه من كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يوذيه أو كان على سفر أي في حال السفر فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام. و لهذا قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض و في السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرا لكم و رحمة بكم»

فوائد لها علاقة بهذه الآية:

1- الأولى: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من كان مقيما في أول رمضان ثم طرأ عليه السفر في أثنائه فليس له الإفطار بعُذْر السفر و حجتهم و الحالة هذه ظاهر الآية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ و إنما يباح الإفطار في رأيهم لمسافر استهل الشهر و هو مسافر قال ابن كثير: «و هذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة و التابعين، و فيما حكاه عنهم نظر و الله أعلم فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه خرج في رمضان لغزوة الفتح فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر و أمر الناس بالفطر» رواه البخاري و مسلم.

2- الثانية: رأى بعض أهل العلم من السلف و الخلف وجوب الإفطار في السفر لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ و الصحيح قول الجمهور أن المسافر مخير بين الصيام و الإفطار لأن الصحابة كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر رمضان حتى قال قائلهم فمنا الصائم و منا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر و لا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان في بعض أسفاره صائما، ففي صحيحي البخاري و مسلم عن أبي الدرداء قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، و ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم و عبد الله بن رواحة»

3-  الثالثة: اختلف في أيهما الأفضل الصيام في السفر أم الإفطار فيه؟

فقالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي صلى الله عليه و سلم كما تقدم في حديث أبي الدرداء. و قال قوم: الإفطار أفضل أخذا بالرخصة لحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه» و لما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم : أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فحسن و من صام فلا جناح عليه» و  قال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». و قال آخرون: هما سواء لما أخرجه البخاري و مسلم من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم و إن شئت فأفطر» و قيل:إن شق الصيام فلإفطار أفضل لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى  الله عليه و سلم رأى رجلا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال:«ليس من البر الصيام في السفر» أخرجاه في الصحيحين. قال الحافظ ابن كثير: و أما إن رغب عن السنة و رأى أن الفطر مكروه فيتعين عليه الإفطار و يحرم عليه الصيام و الحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد و غيره عن ابن عمر و جابر و غيرهما: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» قلت: و هذا في شأن الجاحد للسنة الرافض المعاند لها.

4- الرابعة: هل يجب القضاء متتابعا أو يجوز فيه التفريق؟

قولان لأهل العلم:

أحدهما: أنه يجب التتابع لأن القضاء يشبه الأداء،

و الثاني: لا يجب التتابع بل إن شاء تابع و هذا قول جمهور السلف و الخلف و عليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، و لهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

هذه الآية الكريمة وضعت الأساس لأهم قاعدة شرعية استفاد منها الفقهاء و الأصوليون و رجال الفتوى في تقعيد القواعد، تأصيل المسائل و تفريع الفروع، و بدا أثر الآية الكريمة واضحا في نواميس فقهاء الرأي و غيرهم من أمثال قولهم:

«الضرر يزال» أول «المشقة تجلب التيسير» أو «الشريعة مبنية على اليسر و رفع الحرج» و ما فتئ الرسول صلى الله عليه و سلم يؤكد على هذا الأصل من أصول الشريعة في المناسبات المختلفة، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده عن حميد بن هلال العدوي عن أبي قتادة أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول: «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» و روى الإمام أحمد أيضا عن عامر بن عروة الفقيمي عن أبيه عروة قال: «كنا ننتظر النبي صلى الله عليه و سلم فخرج يقطر  رأسه من وضوء أو غسل فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن دين  الله يسر – ثلاثا يقولها».

و في الصحيحين و المسند من حديث أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم     قال: «يسروا و لا تعسروا و سكنوا و لا تنفروا» و في الصحيحين كذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لمعاذ و أبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «بشرا و لا تنفرا و يسرا و لا تعسرا و تطاوعا و لا تختلفا» و تأمل الروعة و السداد في  عبارة «تطاوعا و لا تختلفا» تجدها فاقت كل الحدود، فلو أن اثنين أو  جماعة عليهما أو عليهم تبعة معينة على أمانة عامة عملوا بمقتضى العبارة فخفض كل جناحه للآخر و مال إلى استرضائه لما ضاعت مصلحة، و لما نشأت منازعة، و لما فسدت ذات بين و ما أجذر الدعاة و العلماء، بل و الحكام و المسؤولين أن يتخذوا حكمة «تطاوعا و لا تختلفا» أساسا للتعامل مع شركائهم و أعوانهم في الأمور الخاصة و العامة، إذا لعمت الطمأنينة، و شاعت الثقة، و ساد الاحترام و استقامت الأمور، و هدأت الأحوال، و قر الناس عينا بالأمن و نعموا بالا بالسعادة.

 

و للكلام في بحث هذه الآيات بقية.