arrow down

المفلس في رمضان

بقلم فضيلة الشيخ/ قاسم بن علي العصيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

كم يكره الإنسان الخسارة في حياته لأنها تجره إلى الإفلاس، وتسقط سمعته بين الناس، فلا صاحب تجارة يجري معاملته، ولا نديم يقبل مجالسته، كيف وغرماؤه يطالبونه بحقوقهم ليصبح ما بقي معه من متاع محل تنازع الخصوم، هذا هو الإفلاس المادي في الحياة الدنيا وحال صاحبه، فيا ترى ما هو الإفلاس الحقيقي في رمضان؟!

روى ابن خزيمة وابن حبان والحاكم بألفاظ متقاربة واللفظ للحاكم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احضروا المنبر، فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بَعُد من ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين، فلما رقيتُ الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدَهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين» [وصححه الألباني في الترغيب والتذهيب].

قد يقول قائل كيف يدرك رمضان ولم يُغفر له؟

والجواب أن ذلك يقع في عدة حالات منها:

1. القيام بقول الزور والعمل به، فقد روى روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

2. أكل الحرام:

روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!».

3. صائم مفلس:

من حافظ على صومه في النهار، وأفسده في الليل بترك صلاة مفروضة، أو بالنظر إلى ما حرم الله في التلفاز من صور النساء، أو الاستمتاع بسماع الأغاني، أوفعل الحرام.. فهل يستوي هذا مع من حافظ على صيامه في النهار، وملء ليله بالسجود والاستغفار؟!

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر:9].

أما صاحب الإفلاس الكامل في الآخرة فهو من أفلس في سائر أعماله كما أفلس في الصيام، وإن صلى وزكى وصام وحج البيت الحرام.

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيُعطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فَنِيت حسناتُه قبل أن يَقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار».

في الحديث عدل الله في القضاء بين الناس {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:8]، وأن من المسلمين أهل الأعمال الصالحة من يدخل النار لذنوبهم مع أنهم من أهل الصلاة والزكاة والصيام فكيف بمن لم يصل أو يصم أو يزكي؟!

 

يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أن تصلح لنا شأننا كله في الدنيا والآخرة ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.