arrow down

السلف والقرآن في رمضان

بقلم فضيلة د. محمد بن عبدالكريم الشيخ ( عضو الهيئة لرابطة علماء المسلمين )

رمضان شهر القرآن، شهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185].

ولهذا حرص السلف -رحمهم الله- على الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان؛ فعن إبراهيم النخعي قال: (كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ) (1). وعن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين (2). وقيل: كان الخليفة الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاثٍ، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة (3). وقال مسبِّح بن سعيد: (كان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة) (4).

كثرة قراءة القرآن:

شهر رمضان فرصة لا تعوض، شهر رمضان هو شهر القرآن، فينبغي أن يكثر العبد المسلم من قراءته، وقد كان من حال السلف العناية بكتاب الله، فكان جبريل يدارس النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن في رمضان، وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها.

كذلك كان للشافعي -رحمه الله- في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة. وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة. وكان الزهريُّ إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، ويُقبِل على تلاوة القرآن من المصحف. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن (5).

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: (إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثٍ على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضَّلة كشهر رمضان، والأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبُّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتناماً لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم، كما سبق) (6).

شهر القرآن:

رمضان شهر الذكر والعبادة وقراءة القرآن، كان الإمام أحمد -رحمه الله- يُغلِق الكتب ويقول: (هذا شهر القرآن). وكان الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- لا يفتي ولا يدرِّس في رمضان، ويقول: (هذا شهر القرآن).

وقد احتضر أحد السلف، فجلس أبناؤه يبكون، فقال لهم: (لا تبكوا؛ فوالله، لقد كنتُ أختم في رمضان في هذا المسجد عند كل سارية عشر مرات). وكان في المسجد أربع سوارٍ، أي: أنه كان يختم القرآن أربعين مرة في رمضان.

وكان بعض السلف الصالح يُحيي ليله بقراءة القرآن، فمرَّ عليه أحد تلاميذه، فسمعه يردد: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]. فأخذ يكرِّر الآية حتى طلع الفجر. فذهب إليه تلميذه بعد صلاة الفجر، وسأله عما رآه.. فقال له: (استرْ عليَّ ما رأيت). فقال: (أستره عليك ما دمتَ حيّاً، ولكن أخبرني بخبرك). فقال: (عندما كنت أردِّدها، نازلَ قلبي الودُّ الذي بين العبد وربِّه، فأخذت أتلذَّذُ بذلك الوداد، وكلما كرَّرتُ الآية ازداد ذلك الودُّ في قلبي).

--------------------------------------------------

الهوامش:

(1) الذهبي: [سير أعلام النبلاء (4/ 51)].

(2) المصدر السابق، (4/ 325).

(3) المصدر السابق، (4/ 347).

(4) المصدر السابق، (12/ 439).

(5) انظر: ابن رجب الحنبلي: [لطائف المعارف، ص: (318)].

 

(6) المصدر السابق، ص: (319).