arrow down

مصطلح الإيمان في القرآن الكريم 

بقلم فضيلة أ.د. محمد أمحزون (عضو رابطة علماء المسلمين )

الحالـة الأولى

ورد فيها الإيمان في 781 موضعا أنه قول وعمل، وهو الإيمان الشرعي( 1 ).

وبعد استقراء نصوص الكتاب العزيز الواردة في الإيمان تبين أن الإيمان: اعتقاد، وقول، وعمل، وأنه التزام وتنفيذ، وإقرار وامتثال، وطاعة باللسان والقلب والجوارح، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

ولهذا عرفه السلف تعريفا جامعا بقولهم، الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وثبت إجماعهم على ذلك( 2 ).

والقصد من قولهم قول وعمل، أي أرادوا علم القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.

ركنا الإيمان: القول والعمل والعلاقة بين أجزائهما

إن العلاقة بين علم القلب وقول اللسان وأعمال القلب وأعمال الجوارح علاقة لا انفكاك عنها، ومن سوء فهمها دخل على كثير من المسلمين –قديما وحديثا- الوهم والانحراف، حيث ظنوا أنه يمكن أن يكون إنسان كامل الإيمان في القلب مع عدم عمل الجوارح مطلقا، كما ظنوا أن تماثل الناس في أعمال الجوارح يقتضي تماثل إيمانهم وأجورهم، ولم يدركوا أنه حسب علاقة عمل الجارحة بعمل القلب يكون الحكم على العمل والثواب عليه، إذ قد يتفق العملان في المظهر والأداء، وبينهما مثل ما بين السماء والأرض في الدرجة والأجر( 3 )، فشتان بين صلاة يقترن بها الخشوع وحضور القلب وحسن الأداء، وبين صلاة يتشعب فيها البال في أودية الدنيا منقورة كنقر الغراب.

ولفهم هذه القضية ينبغي معرفة ركني الإيمان – القول والعمل – وحقيقة الترابط بين أجزائهما على ضوء مذهب السلف.

يقول ابن تيمية – رحمه الله -: "... أجمع السلف: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح.

فأما قول القلب: فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ... وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسوله، وتعظيم الله ورسوله، وتعزيز الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه، والإخلاص له والتوكل عليه.. إلى غير ذلك من الأحوال. فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق؛ والاعتقاد إيجاب العلة المعلول، ويتبع الاعتقاد: قول اللسان، ويتبع عمل القلب: عمل الجوارح من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.. ونحو ذلك"( 4 ).

ومن الركنين (القول العمل) والأجزاء المتفرقة عنهما تتركب حقيقة الإيمان الشرعي، كما يبين هذا الجدول( 5 ).

 

ويمكن توضيح العلاقة بين هذين الجزأين بمثال الصلاة؛ فالصلاة – وهي من أعمال الجوارح – ورد تسميتها في القرآن الكريم إيمانا في قوله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بين المقدس( 6 )، فهي تشمل ركني الإيمان بمكوناته الأربعة: علم القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح.

أما علم القلب فهو: إقراره وتصديقه بوجوبها، وعمل القلب هو: الانقياد والإذعان والخضوع بأدائها، وقول اللسان هو: القراءة والأذكار الواردة فيها، وعمل الجوارح هو: القيام والركوع والسجود( 7 ).

علاقة علم القلب وعمله بقول اللسان وعمل الجوارح

إن علم القلب يتعلق بالتوحيد الخبري الاعتقادي؛ لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر يتضمن توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتصديق الرسول في كل ما أخبر به عن ربه من الكتب وما فيها، والملائكة وأعمالهم وصفاتهم، والنبيين ودعوتهم وأخبارهم، وأحوال البرزخ والآخرة ومقادير الخلق، إيمانا مفصلا ومجملا.

وعمل القلب يتضمن التوحيد الطلبي الإرادي، وهو توحيد الله بعبادته وحده: حبا، وخوفا، ورجاء، ورغبة، ورهبة، وإنابة، وتوكلا، وخشوعا، واستعانة، ودعاء، وإجلالا، وتعظيما، وانقيادا، وتسليما لأمره الكوني وأمره الشرعي ورضا بحكمه القدري الشرعي.

وشهادة "لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" – التي هي رأس الأعمال الظاهرة وأول فريضة على العبد – إنما هي إنشاء للالتزام بنوعي التوحيد الخبري الاعتقادي والطلبي الإرادي، ومن ثم سميت كلمة التوحيد. ومن هاهنا: كان أجهل الناس بها من ظن أن المطلوب شرعا هو التلفظ بها باللسان فقط، غير مدرك العلاقة العضوية بين علم القلب وقول اللسان من ناحية، وبين عمل القلب وعمل الجوارح من ناحية ثانية. فكل عمل من أعمال الإنسان الظاهرة على لسانه أو جوارحه لابد أن يكون تعبيرا عما في القلب من علم وعمل، وتحقيقا له ومظهرا لإرادته، وإلا كان صاحبه منافقا( 8 ).

ومن هاهنا: فالقلب موضع الإيمان الأصلي ومستودعه، وإيمانه أهم أجزاء الإيمان. ولذلك كان علمه وعمله خاصة هو أصل الإيمان الذي لا يوجد بدونه مهما أقر اللسان وعملت الجوارح من الإيمان. ولذا لم يسم المنافق مؤمنا وإن نطق بكلمة التوحيد وكثر عمل جوارحه بالصلاة والجهاد.. بل حتى المؤمن إذا نوى بعمله وجهاده وصدقته طلب الدنيا أو الرياء حبط عمله وتبدلت المثوبة في حقه عقوبة وعذابا( 9 ).

وهذا مما يدل على خطورة علم القلب وعمله وأهميتهما القصوى؛ إذ هما مصدر توجيه اللسان والجوارح ومنبع عملها وأساس خيرها وشرها، لقوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [البقرة: 225].

على أن ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلب: كالصدق، والإخلاص، واليقين، والمحبة، والرضا، أمر محسوس يدل على ارتباط أجزاء الحقيقة الإيمانية ارتباط العلة بالمعلول، فعلى محك هذه الأعمال القلبية بطلت أكثر دعاوى المتعبدين، وهلك كثير من الخلق.

فالصدق: يخرج كل من ادعى الإيمان وأظهره وهو يبطن خلافه من المنافقين. والإخلاص: يخرج كل من عبد مع الله غيره من المشركين. واليقين: يخرج من زعزعته الشبهات واعتراه الشك في أمر الله من الزنادقة والفلاسفة المتشككين. والمحبة: تخرج من لم يحقق متابعة الرسول من المبتدعة الضالين. والرضا: يخرج من اعترض على شرع الله وأمره ونهيه، أو اعترض على أفعاله وقضائه وقدره، أو كره بعض ما أنزل الله من أصحاب الرأي والأقيسة العقلية والأعراف السياسية( 10 ).

ولما كان القلب هو مركز الإرادة والعقل والتوجيهات ورد ذكره في 132 موضعا من القرآن الكريم، كما استأثر في السنة بحيز كبير( 11 )، وهذه بعض الأمثلة من نصوص الكتاب والسنة:

قال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها [الحج: 46]. وقال جل ذكره في حق من حقق الولاء والبراء: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]. وقال تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [الأنفال: 2]. وقال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة [الزمر: 45]. وقال تعالى: وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون [التوبة: 45].

وروي عن النبي قوله: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"( 12 ). وقوله : "التقوى هاهنا" ثم أشار بيده إلى صدره ثلاث مرات( 13 ). وقوله : "الإسلام علانية والإيمان في القلب"( 14 ) وقوله : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"( 15 ).

ومع الأسف، لقد ترتب على إهمال أعمال القلب وإغفالها من الآثار المدمرة في حياة الأمة شيء كثير، ومن أخطر ذلك انحصار مفهوم العبادة الذي أصبح قاصرا على شعائر الصلاة والزكاة والحج، ووقوع الناس في الشرك الأكبر قادة وشعوبا بتحكيم القوانين الوضعية والتحاكم إليها وإحلالها محل الشريعة، بل هناك من دعاة العلمانية في الدوائر الرسمية والثقافية من يرفع عقيرته معترضا على كثير مما أنزل الله ، خاصة في مجال الحجاب والولاء والبراء والجهاد والسياسة الشرعية والمعاملات المالية... وغير ذلك من أحكام الشريعة.

الحـالـة الثانية

ذكر فيها الإيمان بمعنى الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، وهذا حال أهل الكتاب وخاصة اليهود.

جاء ذلك في 11 موضعا:

- في قوله تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب [البقرة: 85].

- وفي قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون [البقرة: 88].

- وفي قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم [البقرة: 91].

- وفي قوله تعالى: قل بسئما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين [البقرة: 93].

- وفي قوله تعالى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم [آل عمران: 83].

- وفي قوله تعالى: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [النساء: 46].

- وفي قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا [النساء: 51].

- وفي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلال بعيدا [النساء: 136]( 16 ).

- وفي قوله تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بن الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويردون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا*أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا [النساء: 15، 151].

- وفي قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [النسا: 155].

فأهل الكتاب وخاصة اليهود بدّلوا وحرّفوا كتبهم، وزادوا ونقصوا منها بمحض الهوى واتباع الظنون. ولذلك طفحت كتبهم المنزلة بالا     ضطراب والتناقض والأغلاط.

ومواقفهم من نصوص التوراة والإنجيل متباينة؛ يؤمنون ببعضها ويتبعونه، ويعرضون عن البعض الآخر ويتركونه. ولأجل ذلك نعى عليهم القرآن الكريم هذه الازدواجية في الموقف: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض [البقرة: 85]، وهو استفهام إنكاري توبيخي. أي كيف تتعمدون مخالفة الكتاب المقدس في أمور وتتبعونه في أمور أخرى؟!

وسبب نزول هذه الآية الكريمة أن الأوس والخزرج في الجاهلية كانوا مشركين، وكانت سكناهم في يثرب مع ثلاثة أحياء من اليهود وهم: بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي اليهودي من الفريق الآخر، وهذا حرام عليهم بنص شريعتهم التوراة. وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم، وهذا حرام بنص ميثاق الله معهم. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسارى، وفكوا أسر المأسورين من اليهود هنا أو هناك، عندهم أو عند حلفائهم على السواء، وذلك عملا بحكم التوراة وقد جاء فيها: إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا أخذته فأعتقته( 17 ).

وسمت الآية الكريمة الاتباع لبعض الكتاب وترك البعض الآخر: إيمانا وكفرا على طريقة الاستعارة، للإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر. وإنما وقع فعل "تؤمنون" في حيز الإنكار شبيها على أن الجمع بين الأمرين عجيب، وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراج إخوانهم أو لعلهم جحدوا ذلك، وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين( 18 ). 

ومن زيغ اليهود وضلالهم أنهم يؤمنون بالتوراة فقط، ولا يؤمنون بالكتب الأخرى المنزلة من عند الله وهي الإنجيل والقرآن. وموقفهم هذا يثير العجب، إذ كيف يكفرون بالقرآن العظيم وهو الحق مصدقا لما معهم. وإذا عرفنا السبب بطل العجب؛ إنهم إذا سمعوا القرآن الكريم أعرضوا عنه بعد أن كانوا منتظريه حسدا أن أنزل على رجل من غيرهم. وما لهم وللتصديق بالقرآن الكريم ماداموا لم يستأثروا هم به؟ إنهم يعبدون هواهم ويتعبدون لعصبيتهم المقيتة.

وقولهم نؤمن بما أنزل علينا ليس إيمانا حقيقيا وشاملا، وإنما أرادوا به الاعتذار وتعلة أنفسهم؛ لأنهم لما قيل لهم آمنوا بما أنزل الله تعالى، علموا أنهم إن امتنعوا امتناعا مجردا عدت عليهم شناعة الامتناع من الإيمان بما أنزل الله ، فقالوا في معذرتهم ولإرضاء أنفسهم وأهوائهم: نؤمن بما أنزل علينا، أي أن فضيلة الانتساب للإيمان بما أنزل الله جل ذكره قد حصلت لهم( 19 ). وهذا غير صحيح، لأن الإيمان الحق المقبول عند الله جل ثناؤه يقتضي الإيمان بجميع الكتب المنزلة من السماء. وفي هذا السياق وجه القرآن الكريم الخطاب إلى اليهود يدعوهم إلى الإيمان بجميع الكتب المنزلة على المرسلين( 20 ). ومن لم يفعل ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا [النساء: 136].

ولأجل ذلك نعى الله تبارك وتعالى على اليهود تذبذبهم وتناقضهم في قضية الإيمان، كقوله تعالى: قل بيسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين [البقرة: 93]، وقوله تقدست أسماؤه: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [النساء: 46].

ومن انحراف اليهود والنصارى أيضا ادعاءهم الإيمان بأنبيائهم، وإنكارهم رسالة محمد . والقرآن الكريم ينكر عليهم هذا الموقف الشنيع الذي لا علاقة له بالإيمان الشرعي، ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل الإيمان بالله ورسله بدون تفريق بين الله ورسله، وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعا( 21 ).

وبهذا الشمول كان الإسلام هو الدين الحق عند الله الذي ارتضاه للناس أجمعين، فلا يقبل منهم غيره؛ لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية الله تعالى، ومع وحدة الرسالات التي يصدق بعضها بعضا. وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية الله تعالى، وسوء تصور لأصل الدين الذي لا يتغير في أساسه، ودعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين.

والقرآن العظيم أكد على هذه الحقيقة الكبرى في قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه  [الشورى: 13] وقوله عز من قائل: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [آل عمران: 85]، وقوله سبحانه وتعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [البقرة: 136]، وقوله تبارك وتعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [آل عمران: 64].

وفي هذا السياق قال النبي : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لَعَلاَّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد"( 22 ). وكان النبي يصلي سنة الفجر بالآيتين السالفتين وهما: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا [البقرة: 136]، وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [آل عمران: 64]( 23 ).

الحـالـة الثالثـة

ورد فيها الإيمان بمعنى ادعاء الإيمان باللسان مع عدم ثبوته في القلب، وهذا حال المنافقين.

جاء ذلك في 10 مواضع:

- في قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8].

- وفي قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون [البقرة: 14].

- وفي قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون [البقرة: 76].

- وفي قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون [آل عمران: 72].

- وفي قوله تعالى: وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [آل عمران: 119].

- وفي قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به [النساء: 60].

- وفي قوله تعالى: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم [المائدة: 41].

- وفي قوله تعالى: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين [النور: 47].

- وفي قوله تعالى: وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون [المائدة: 61].

- وفي قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله [العنكبوت: 10].

والنفاق هو أن يظهر الإنسان الإسلام بلسانه، ويبطن الكفر في قلبه. وفي هذا يقول ابن رجب: "النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه"( 24 ).

وتشتد خطورة المنافقين في المجتمع الإسلامي؛ لأنهم مندسون في صفوف المسلمين، ويحملون المعاول لهدم الإسلام من الداخل. ولذلك فخطرهم كبير، وشرهم مستطير، وهم في الواقع شر أنواع الكفار؛ لأن الكفار الذين يجاهرون بكفرهم معروفون، والمسلمون يأخذون حذرهم منهم، ومستعدون في كل وقت لمواجهتهم. أما المنافقون فأقوالهم حمّالة أوجه، وسلوكهم متذبذب، بينما هم في حقيقة الأمر منسلخون من الدين، يعملون في الخفاء لهدم صرح الإسلام والنكاية بأهله.

ولخطورة هذا الصنف من الناس على الدين وأهله، كشف القرآن الكريم حقيقتهم للمؤمنين حتى لا ينخدعوا بهم، وبين لهم أنهم ليسوا مؤمنين، وإنما يدّعون الإيمان بألسنتهم وهو منتف عن قلوبهم، فوردت في شأنهم ثلاث عشرة آية من سورة البقرة متتالية نُعِي عليهم فيها خبثهم ومكرهم وسوء عاقبتهم وجهلهم؛ لأن قاموس النفاق يجمع: الكذب، والجبن، والخداع، والمكيدة، وأفن الرأي، والبله، وسوء السلوك، والطمع، وإضاعة العمر، وزوال الثقة، واضمحلال الفضيلة.

ومن علامات المنافقين صدهم عن التحاكم إلى شريعة الله تعالى؛ فهم لا يقبلون حكم الله وينأون عنه، ولا يرضون بحكمه ويعترضون عليه، وإن كانوا في الظاهر يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل الله تعالى. إذ هم في قرارة أنفسهم يرغبون في التحاكم إلى الطاغوت، رغم أنهم أمروا أن يكفروا به. وآفاتهم في ذلك اتباع الشيطان الرجيم وهوى النفس والأطماع الدنيوية الفانية.

على أن المنافقين في زمن رسول الله لم يكونوا أسلموا، إنما كانوا يظهرون الإيمان رياء ونفاقا ويسرون الكفر عقدا وظهيرا، وكانوا مقيمين على كفرهم الأول. وكان حذيفة رضي الله عنه يقول: "إنما كان النفاق على عهد رسول الله ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"( 25). ومعناه أنه لما شاع أمر الإسلام وانتشر، فمن نافق فهو مرتد؛ لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الدين. وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي كان يتألف المنافقين، ويقبل ما أظهروه من الإسلام، ولو ظهر منهم خلافه. وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به، ولا يترك لمصلحة التألف، لعدم الاحتياج إلى ذلك( 26 ).

ومن أبرز النماذج المعاصرة الذين غلب النفاق على سلوكهم وأقوالهم واعتقادهم: الباطنيون والرافضة، وأتباع الأحزاب العلمانية والمنظمات الجاهلية التي تنادي بتحكيم غير الشريعة كالليبراليين واليساريين والقوميين، والملأ من أعوان الطواغيت الذين هم من كبار المسؤولين والمستشارين.

وهؤلاء المنافقين المرتدين يعتقدون أفضلية القانون الوضعي على شرع الله تعالى ويعلنون عبر وسائل إعلامهم وكتبهم وتصرفاتهم بأن الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ولعلل وأسباب انقضت فسقطت أحكامها، وأنها لا تفي بمتطلبات العصر المستجدة. فلذلك فهم يحلون ما حرم الله من الربا والزنا والخمر والقمار.

وهؤلاء أشنع وأسوأ من المنافقين القدامى؛ لأن أولئك يخفون ويسرون الكفر ويظهرون الإيمان، وهؤلاء يجهرون بكفرهم ويدعون أنهم مسلمون!!

إنهم يتولون ويعرضون عن حكم الله تعالى ورسوله جهارا نهارا، ويظاهرون الكفار من النصارى واليهود، ويوالونهم ويعاونونهم على المؤمنين، بل يُسَرُّون ويبتهجون بانخفاض دين الرسول ويبدون الكراهية لانتصار دينه.

ونذكر صنفا من أصناف المنافقين الذين عرفوا على مدار التاريخ بكيدهم للسنة وأهلها ومعاونة الأعداء عليهم، والحزن لظهور السنة وعلوها، والفرح بانهزام أهل السنة وانكسارهم، وهؤلاء هم الرافضة الذين قال عنهم ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى. وقد كان في الساحل (أي ساحل بلاد الشام) بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان وغيرهم من الجند والصبيان. فإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور. وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة (العباسي)، وقتل أهل بغداد. ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم. وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين"( 27 ).

الحـالـة الرابعة:

ذكر فيها الإيمان بمعنى التشريك في الإيمان بالله جل ذكره، باتخاذ الأنداد معه، وهذا حال المشركين.

جاء ذلك في 6 مواضع:

- في قوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون             [يوسف: 106].

- وفي قوله تعالى: أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون [النحل: 72].

- وفي قوله تعالى: أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون          [العنكبوت: 68].

- وفي قوله تعالى: والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون [العنكبوت: 52].

- وفي قوله تعالى:بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 41].

- وفي قوله تعالى: ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا [غافر: 12].

وهذا حال أهل الشرك الذين يقرون بأن الله هو الخالق المحيي المميت: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [الزخرف: 87]، لكنهم يصرفون العبادة لغيره سبحانه وتعالى.

ولذلك فإيمانهم ليس بشيء، لأن الله جل ذكره يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"( 28 ). وهذا كقوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106]، سماه إيمانا مع التقييد، وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق.

فإيمانهم إذاً بالله جل ثناؤه كالعدم؛ لأنهم لا يؤمنون بوجود الله تعالى إلا في تشريكهم معه غيره في الألوهية والأمر، والله تقدست أسماؤه يقول: ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54].

والشرك في الإيمان المذكور آنفا هو الشرك الواضح الظاهر، وهناك الشرك الخفي، وهو أخطر من السابق، وهو الذي قال عنه النبي لأصحابه: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء"، ويقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء"( 29 ). وهذا هو الشرك الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه حتى يخلص الإيمان.

الحـالـة الخامسة

ورد فيها الإيمان بمعنى التصديق الخبري. وذلك في 3 مواضع:

- في قوله تعالى: قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة: 61] يؤمن للمؤمنين أي: يصدقهم.

- وفي قوله تعالى: قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم [التوبة: 94] لن نؤمن لكم: لن نصدقكم على ما تقولون.

- وفي قوله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين [يوسف: 17]. وما أنت بمؤمن لنا: وما أنت بمصدقنا على قيلنا.

وهكذا، فيما عدا الحالة الأولى، فإن الإيمان في الحالات الثانية والثالثة والرابعة ذكر في القرآن على وجه الذم؛ لأنه ليس الإيمان الشرعي المطلوب، بل هو مجرد ادعاء، أو اتباع الهوى وتحريف الكلم عن مواضعه، أو اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله جل ذكره.

أما الحالة الخامسة فلا علاقة لها بمفهوم الإيمان الشرعي الذي هو نقيض الكفر والشرك والنفاق، حيث ورد فيها لفظ الإيمان بمعنى التصديق الخبري.

--------------------------------------------------------------------

 1- وقد بين الإمام الطبري في كتابه "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" معنى الإيمان الشرعي عند تفسيره لقوله تعالى في السورة الثانية من القرآن المجيد وهي سورة البقرة في قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون [البقرة: 3]، فقال: "والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله تعالى وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب قولا واعتقادا وعملا" 1/184. وهذا هو النهج الذي سار عليه في تفسيره كله.

 2- نقل إجماع السلف أن الإيمان قول وعمل كثير من العلماء منهم: البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو عمرو الطلمنكي والقاسم بن سلام والبغوي وابن عبد البر القرطبي وابن تيمية. انظر: البغوي: شرح السنة، 1/38. واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، 1/173، 176. وابن عبد البر: التمهيد، 9/238. وابن تيمية: الإيمان، ص 292، 293.

 3- سفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء في الفكر المعاصر، 2/521.

 4- ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 7/672.

 5- سفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء، 2/522.

 6- البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، 1/15.

 7- سفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء، 2/525، 526.

 8- المرجع السابق نفسه، 2/535 (بتصرف).

 9- المرجع السابق نفسه، 2/541-543.

 10- ابن القيم: مدارج السالكين، 3/69. وسفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء، ص 421، 436، 439 بتصرف.

 11- انظر: محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص 249-551. ولفيف من المستشرقين: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ج 5، ص 454-460.

 12- أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، 1/19.

 13- أخرجه أحمد في المسند "بترتيب الساعاتي"، 1/66.

 14- المرجع السابق نفسه، 1/66.

 15- أخرجه الترمذي في سننه. انظر جامع الأصول لابن الأثير، كتاب الدعاء، 4/342.

 16- قال أبو جعفر الطبري: "فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسله وكتبه، وقد سماهم مؤمنين؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد – صلوات الله عليهما – وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون بعيسى وبالتوراة وسائر الكتب مكذبون بمحمد والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله [النساء: 136]." جامع البيان: 4/2595.

 17- سيد قطب: في ظلال القرآن، 1/87-88.

 18- محمد الطاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، 1/591.

 19- المرجع السابق نفسه، 1/607.

 20- انظر: تفسير الطبري، 4/2595.

 21- سيد قطب: في ظلال القرآن، 2/797 (بتصرف).

 22- أخرجه البخاري في جامعه الصحيح، كتاب الأنبياء، 4/142.

 23- أخرجه مسلم في جامعه الصحيح، كتاب صلاة المسافرين، 1/502.

 24- ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم، 3/1250.

 25- ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، 13/69.

 26- المصدر السابق، 13/74.

 27- ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 28/435.

 28- أخرجه مسلم في جامعه، الصحيح، كتاب الزهد، 4/2289.

 

 29- أخرجه أحمد في مسنده، 1/22، 44. 3/7، 30، 282. 4/126. 5/428.