arrow down

مصلح الإنابة في القرآن الكريم

بقلم فضيلة أ.د. محمد آمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الإنابة نوعان:

الأولى: إنابة لربوبيته تعالى ([1])، ويشترك فيها جميع الخلق: المسلمون والمشركون، والمؤمنون والكافرون كما في قوله تعالى: {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه} [الروم: 33]. وهذا عام في كل إنسان أصابه ضر أو كرب أو شدة. وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام؛ لأن المسلم يرجع إلى الله عز وجل ويقبل إليه بقلبه في الشدة والرخاء، في السراء والضراء. أما الكافر أو المشرك فلا يرجع إلى الله عز وجل إلا في حالة الشدة والكرب، لكن حين يرفع الله جل ثناؤه عنه البلاء وينجيه من الحزن والغم يعود إلى حاله الأولى من اتخاذ الأنداد مع الله تعالى والشرك به: {ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}  [الروم: 33].

والثانية: إنابة لألوهيته تعالى ([2])، وهي إنابة أوليائه وعباده المخلصين، وهي إنابة عبودية ومحبة. وهي تتضمن عدة أمور: الرجوع إليه بالتوبة، والإقبال إليه بالطاعة، والإجابة له حالا، والاستغاثة به، ومحبته، والإعراض عما سواه.

ومن معاني الإنابة أيضا الإسراع والتقدم؛ لأن المنيب إلى الله تقدست أسماؤه يسرع إلى مرضاته، ويرجع إليه في كل وقت، ويتقدم إلى محابه مهما كلفه ذلك من الجهد والوقت والمال.

وإنما تستقيم الإنابة إلى الله تبارك وتعالى بثلاثة أشياء: بالخروج من التبعات، والتوجع للعثرات، واستدراك الفائتات. والخروج من التبعات يكون بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى، وأداء الحقوق التي عليه للخلق. ثم أن يتوجع لعثرته إذا أذنب وأخطأ، وهذا دليل على إنابته وحياة قلبه، بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته، فإنه دليل على فساد قلبه وموته. ويكمل ذلك باستدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها أو خير منها، ولا سيما في بقية عمره وقرب رحيله إلى الآخرة([3]).

-------------------------------------------------------

[1]- ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين (التهذيب)، ص 231.

[2]- المصدر السابق نفسه، ص 231.

 

[3]- المصدر السابق نفسه، ص 233.