arrow down

مصطلح الإخـلاص في القرآن الكريم

بقلم فضيلة أ.د. محمد آمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الإخلاص: هو إفراد الله تقدست أسماؤه بالعبادة وبالقصد في الطاعة، وتصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.

وإذا كان التوحيد هو أول واجب على المكلف، فإن الإخلاص هو روح التوحيد وأساس الدين. ولذلك جاء الأمر في القرآن العظيم للتأكيد على الإخلاص في الدين، في قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}  [البينة: 5] وقوله جل ثناؤه: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2-3]. وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: "ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش، ما اجتنب الكبائر"([1]). وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: "إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه على الله"([2]).

على أن الله جل ذكره لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}  [النساء: 125]، فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله سبحانه وتعالى، والإحسان فيه: متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم  وسنته([3]).

ورب مكثر من الأعمال لا يفيده إلا التعب منها في الدنيا، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: "رب صائم ليس له من قيامه إلا السهر"([4]).

وقد جاء التحذير في الكتاب والسنة من عاقبة الرياء في الآخرة، وهو إحباط الأعمال ودخول جهنم عياذا بالله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم  محذرا من الرياء، "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتِيَ به فعرّفه نعمته فعرفها: قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم !  وقرأت القرآن ليقال هو قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب به على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار"([5]).

وليعلم أن من أسباب الرياء عدم اهتداء القلب إلى خشية الله عز وجل، ومراقبته في السر والعلن، ومصانعة المخلوقين، وطلب التزين في قلوبهم أو طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب أموالهم وخدمتهم وقضاء الحوائج، وغير ذلك من العلل والشوائب التي تقدح في الإخلاص.

وجدير بالإشارة أن قبول الأعمال يقتضي ثلاثة شروط لابد من توفرها في كل عمل حتى يقبله الله عز وجل:

1- أن يكون المرء قد قصد بعمله وجه الله  عز وجل ، وهو الإخلاص.

2- أن يكون العمل موافقا لما شرعه الله عز وجل في كتابه أو بينه رسوله صلى الله عليه وسلم  في سنته.

3- أن تكون عمدة المؤمن في سائر أعماله وأقواله تقوى الله عز وجل : {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 23].

فإذا اختل واحد من هذه الشروط لم يكن العمل صالحا ولا حسنا ولا مقبولا. ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}[الكهف: 110].

وفي هذا السياق قال ابن كثير في تفسيره: "وهذان ركنا العمل المتقبل: لابد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم "([6]).

كما أن من مقتضيات الإخلاص دعاء الله عز وجل في جميع الأحوال: في اليُسر والعسر، في المنشط والمكره، في السراء والضراء، بالليل والنهار، لقول النبي r: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فيكثر الدعاء في الرخاء"([7]).

ولأهمية الدعاء، وهو أهم الوسائل لتوثيق الصلة برب العالمين، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء هو العبادة "  ([8]).

ومن بركات الإخلاص أنه يحقق للعبد المؤمن في الدنيا والآخرة: السعادة، والرحمة من الله تعالى، والنجاة من عذاب النار، وعطاءً في الجنة ونعيما سرمديا لا يحول ولا يزول.

--------------------------------------------------------

[1]- الألباني: صحيح الجامع، رقم 5648، 2/987.

[2]- أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الصلاة، 1/110.

[3]- ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين (التهذيب)، ص 321.

[4]- أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3488، 1/656.

[5]- أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، 3/1514.

[6]- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 3/208.

[7]- أخرجه الترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. وهو في صحيح الجامع للألباني رقم 6290، 2/1078.

 

[8]- أخرجه الترمذي: وقال: حديث حسن صحيح.