arrow down

مصطلحات في القرآن الكريم .. مصطلح الآية

بقلم فضيلة أ.د. محمد أمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )    

إن القرآن الكريم حجة الله تعالى على عباده منذ أول لحظة من نزوله. وقد تحدّت آياته أكابر البلاغاء وأساطين الفحصاء في بلاغتها وفصاحتها وأسلوبها. وقد أذعنوا لتحديها وسلموا لها بذلك، رغم أن العرب أفصح الأمم وأقدرها على البيان.

ولا غرابة في ذلك، فقد نزل القرآن العظيم في أزهى عصور البيان العربي وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، ورغم ذلك فقد انقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. بل إن الآية الواحدة من القرآن الكريم تعجز قوى البشر عن الإتيان بمثلها.

فهذا الوليد بن المغيرة، وهو كافر برسالة النبي ، ومعاند للقرآن، يقول للملأ من قريش: لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه... لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته... لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر... لقد رأينا السحار وسحرهم، فما بنفثهم ولا عقدهم... والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة( 1 ).

وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثل آي القرآن لأسباب هي:

1-     أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها.

2-     أن أفهامهم لا تدرك جميع الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ.

3-     أن معرفتهم لا تكمل استفاء جميع وجوه النظم التي يكون بها ائتلافها وارتباط بعضها ببعض( 2 ).

وقد صار القرآن العظيم معجزا لأنه جاء في آياته بأفصح الألفاظ، وفي أحسن نظم التأليف، متضمنا أصح المعاني، ولم يخرج في لغته عـن سنن العرب في كلامهم إفرادا وتركيبا، فكان بذلك متحديا في الإعجاز، وأوضح فـي قطع الأعذار: ألر، تلك آيات الكتاب المبين* إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلـون [يوسف:1-2].

كما أن القرآن العظيم سلك في مخاطبة الناس وإقناعهم بالحق، وأمرهم بالتسليم لله رب العالمين، مسلك الحجة والبرهان، فلفت أنظار الناس إلى التدبر والتفكر والتأمل، والنظر في كل ما خلق الله سبحانه وتعالى في السموات والأرض، فقال تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة:164].

ولكن الكافرين عطلوا أدوات الإدراك فيهم من سمع وبصر وعقل، فأعرضوا عن آيات الله تعالى في الكون، وما فيها من علامات وحجج وبراهين وعبر، لا يعتبرون بها ولا يتفكرون فيها: وكإين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم معرضون [يوسف: 105].

والملفت للنظر أنهم انخدعوا باطراد الظواهر وثبات النظام، وغاب عنهم أن الاطراد في السنن لا ضمان له إلا الله عز وجل وحده. فالسنن قابلة للتوقف عند ما يريد الله جل ذكره ذلك ويشاءه، يقول سبحانه وتعالى: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [الشورى: 32-33]، ويقول تبارك وتعالى: إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما أحد من بعده [فاطر:41].

ولكن مشكلة الكافرين على اختلافهم هي اغترارهم باطراد الظواهر، حتى حسبوا ذلك حتما على الله جل ثناؤه (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا) إن كانوا مؤمنين بإله، أو حتما من طبيعة الأشياء إن كانوا ملحدين.

ولعل من أجلّ الدروس التي علمها الله تقدست أسماؤه لعباده المؤمنين في القرآن الكريم هي إمداده عباده المرسلين بآيات، هي علامات ودلالات ومعجزات على صدق نبوتهم، وهي في نفس الوقت برهان وحجة على أقوامهم لئلا يتملصوا من تبعات الإيمان: وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه، أو لم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى* ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [طه:133-134].

على أن الآيات أو المعجزات التي جاء بها الأنبياء هي أولا درس في خرق قاعدة الاطراد حتى لا يقع المؤمنون تحت تأثير الجبرية المادية، ويعلموا أن الاطراد والصرامة في الظواهر الطبيعية ليس لازمين بخاصية فيهما، وإنما هما لازمين ما أراد الله جل ذكره لهما ذلك، فمشيئة الله تعالى مطلقة، وهذه هي صلب عقيدة الإسلام. فهو تقدست أسماؤه فعال لما يريد، ولا معقب لحكمه، ولا يملك أحد أن يحاسبه، وما يعطيه فهو بفضل كرمه وجوده، وما يمنعه فهو بعدله وحكمته، لا لأحد عليه فيه من سلطان.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الآيات التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام كلها عقلية، وكلها في نفس الوقت خارقة لمألوف السنن. فمثلا قلب العصا حيّة هي دليل عقلي وبرهان مادي يؤكد على استحالة حدوث ذلك من بشر.

ولذلك عندما كذب الكافرون بما جاءهم من آيات بيّنات ومعجزات خارقة على يد رسلهم، وعتوا عن أمر ربهم، وجحدوا تلك الحجج والبراهين الساطعة، أخذهم الله عز وجل بغتة وأذاقهم الخزي والعذاب والهوان، ليعلموا قهر الله تعالى واقتداره على أخذ المكذبين المفسدين في الأرض: وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين [الأعراف: 72].

----------------------------------

1- ابن هشام: سيرة النبي ، ص 283-284.

 

2- حكمت الحريري: الإعجاز البياني في القرآن الكريم، مجلة السنة، عدد 132، ص 95.