arrow down

أيها الإمام الأكبر هذا سبيل الأئمة الكبار

بقلم فضيلة د. وليد بن عثمان الرشودي ( عضو رابطة علماء المسلمين )    

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد: فلا يشك عاقل قارئ لكتاب الله وسنته رسوله صلى الله عليه وسلم أنَّ الهدفَ من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كافة هو التَّوحيد كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل:36]، فضلا أنْ يَشُكَّ العلماءُ الَّذين أخذ الله عليهم الميثاق أنْ يبيِّنوا للناس حقيقة ما علموا من أمر هذا الدِّين الَّذي أعظمه التَّوْحيدُ الَّذي هو إفراد الله بالعبادة على وجه الحقيقة فلا يجوز التلبيس على الناس وصرفهم عما خلقهم الله من أجله إلى أهواء الناس من أجل مَكاسِبَ خاصة وحظوظ دنيا واستمرار رئاسة وغير ذلك من أهواء النفس الَّتي يصعب على الضَّعيفِ أنْ يفطم نفسه منها حتَّى يصعب على من علم العلم أنْ ينطقَ بالحقِّ الَّذي جاء به سيِّدنا صلى الله عليه وسلم كما في سورة (ص) و(الزمر) و(غافر) بل القرآن كله فتكون جريمة من علم أن يلبس على الناس دينَهم فيحرفهم عما خُلقوا من أجله بتصحيح ما هم عليه من الباطل والعياذ بالله كما نرى من فعل بعضهم من تصحيح مسار من يصرف الذبح والدعاء والنذر وطلب الشفاء وغير ذلك من أنواع العبادة للأضرحة وأصحاب القبور بل يُتَّهَم من يحذر الناس من هذا الذنب العظيم بأنهم خوارج وأصحاب أفكار منحرفة وأنهم أشدُّ من الشيطان على الناس وغير ذلك من التهم الَّتي قالها من قبله صناديد قريش فما أغنى عنهم قولهم شيئا. أقول هذا ونحن نتابع ما يذكر عن شيخ الأزهر ومفتي مصر من هجوم سافر على منهج السَّلف الحق الَّذي يحذر من عبادة غير الله من صاحب قبر أو صاحب قصر إلا أنَّ شيخ الأزهر ومفتي مصر قد أجحفا في حق الله على العباد وهو أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا. وأنا لا أريد أن أخوض في النِّياتِ لكن أتعامل مع الواقع فقد كانا في أيَّامِ ثورة مصر ممن وقف في وجهها وحذروا منها وبعد أن انجلت الغمة وزال صاحب القصر ونظرا فيما هم فيه فإذا هما محل محاسبة الناس لتقصيرهم في قول الحق وإظهار المعروف وإنكار المنكر فعلل شيخ الأزهر أنَّه خاف من الفتنة والدم ولأن المحك وجمع المكاسب هو كسب الجماهير بأي طريقة كانت فكان الطَّريقُ إليهم هو المقبور والدفاع عن الأضرحة المعظمة فوق تعظيم خالقها فسنحت الفرصة لاستعادة الجماهير عبر القبور ومهاجمة من يدعو إلى تعظيم رب المقبور مع حفظ حق المقبور حقه الَّذي يستحقه من الاحترام والترحم عليه وحفظ جنابه وخصوصًا إن كان من أهل العلم والفضل دون أن يُصْرفَ له شيء من حقِّ ربه جل وعلا، فالفتنة الحق أيُّها الإمامُ الأكبر هي الشِّرك كما تعلم من كتاب الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191] الفتنة هي صرف العباد عن حقيقة ما خُلقوا له {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] وقد فهم أيُّها الإمامُ الأكبر كُفَّار قريشٍ هذه الآية فقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص:5-7]. واسْتَمِعْ ما يقول ابن الجوزي رحمه الله: «وكان المقصود من شرح هذا أنَّ دينَنا سليمٌ، وإنما أدخل أقوام فيه ما تأذَّيْنا به، ولقد أدخل المُتزهِّدون في الدِّين، ما ينفر الناس منه، حتَّى إنهم يَرَوْنَ أفعالهم فيستبعدون الطَّريق ثمَّ قال: فلو قيل له عُدْ مريضًا، قال: ما لي عادة. فلعن الله عادة تخالف الشريعة. فيرى العامة بما يورده القصاص أنَّ طريقَ الشرع هذه لا الَّتي عليها الفقهاء، فيقعون في الضَّلال. ومن المُتزَهِّدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا، ثم يتفاوت جُهَّالهم، فمنهم من سلك مذهب الإباحة ويقول الشيخ لا يعارض، وينهمك في المعاصي. ومنهم: من يحفظ ناموسه فيفتي بغير علم، لئلا يقال: الشيخ لا يردي؟. ولقد حدثني الشيخ أبو حكيم رحمة الله عليه: أنَّ الشريف الدحالي - وكان يقصد فيزار ويتبرك به - حضر عنده يومًا فسئل أبو حكيم - هل تحل المطلقة ثلاثًا إذا ولدت ذكراً - قال: فقلت لا والله، فقال لي الشريف: اسكت فوالله لقد أفتيت الناس بأنها تحل من هاهنا إلى البصرة. وحكى لي الشيخ أبو حكيم أنَّ جد أذاد الحداد وكان يتوسم بالعلم، جاءت إليه امرأة فزوَّجها من رجل ولم يسألْ عن انقضاءِ العدة، فاعترضها الحاكم وفرَّق بينها وبين الزوج، وأنكر على المُزوِّج. فلقيته المرأة، فقالت: «يا سيدي أنا امرأة لا أعلم فكيف زوجتني؟» فقال: «دعي حديثهم ما أنت إلا طاهرةً مُطهَّرَةً». وحدثني بعض الفقهاء عن رجل من العباد أنَّه كان يسجد للسَّهو سنين، ويقول: «والله ما سهوت ولكن أفعله احترازًا»، فقال له الفقيه: «قد بطلت صلاتك كلُّها لأنَّك زدت سجودًا غيرَ مشروعٍ». ثم من الدَّخَل الَّذي دخل ديننا طريق المتصوفة فإنهم سلكوا طرقًا أكثرها تنافي الشريعة، وأهل التدين منهم يقللون ويخفقون وهذا ليس بشرع. ثم قال: ومنهم من فسخ لنفسه في كل ما يحب من التنعم واللذات واقتنع من التصوف بالقميص والفوطة والعمامة اللطيفة، ولم ينظر من أين يأكل ولا من أين يشرب، وخالط الأمراء من أرباب الدنيا، ولباس الحرير، وشراب الخمور، حفظاً لماله وجاهه. ومنهم أقوامًا عملوا سننا لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت. ومنهم من أكَبَّ على سماع الغناء والرقص واللعب ثم انقسم هؤلاء، فمنهم من يدعي العشق فيه، ومنهم من يقول بالحلول، ومنهم يسمع على وجه الهوى واللعب. وكلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام. وهذا الشرح يطول وقد صنفت كتبًا ترى فيها البسط الحسن إن شاء الله تعالى، منها تلبيس إبليس. والمقصود أنْ تعلمَ أن الشرع تام كامل فإن رزقت فهمًا له فأنت تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتترك بنيات الطريق ولا تقلد في دينك الرجال. فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصيَّةٍ أخرى. واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموع المتزهدين، وشره أهل الهوى، ووقوف العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم. ومن أيده الله تعالى بلطفه، رزقه الفهم، وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لام. قد سلم زمامه إلى دليل واضح السبيل. عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين وألهمنا إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه درة الوجود، ومقصود الكون صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه ورزقنا إتباعه مع أتباعه»أ-ه. وبعد فإني كلي تفاؤل كما انقشعت غُمَّة عبادة صاحب القصر في مصر أنْ تنكشفَ غمة عبادة صاحب القبر عبر دعاة مصر الفضلاء وكلي تفاؤل في سماحة الإمام الأكبر أن يقومَ بواجبه الَّذي أوجبه الله تعالى عليه من تبين حق الله تعالى على عباده من إفراده بالعبادة وحده لا شريك له وأن يقدِّمَ محبوب الله على محبوبات نفسه وأن ينظر في فضل الله عليه وعظيم منته عليه وأنْ يرجعَ إلى الحقِّ فلا خير في علمٍ لا يَدُلُّ العباد على الله ولا خير في جاهٍ لا يكون سلما لرضوان الله فإنَّ الأيام دول والباقي للعبد هو حسن ثناء الناس عليه فهم شهداء الله في أرضه وتبصر في حال من سبقك فإن في الماضين قبلنا عبرا. واعلمْ أنَّ الزمان لا يثبت على حال كما قال عزَّ وجلَّ: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140]. فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي. فالسَّعيدُ من لازم أصلاً واحدًا على كلِّ حالٍ، وهو تقوى الله عزَّ وجلَّ فإنَّه إن استغنى زانته، وإنِ افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإنْ عوفي تمَّت النعمة عليه، وإن ابتلى حملته، ولا يضرُّه إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه. لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير والتَّقوى أصل السلامة حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويوافق على الحدود. والمنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى فإنها ستحول وتخليه خاسرًا ولازم التقوى في كل حال فإنَّك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية هذا نقدها العاجل والآجل معلوم. وأوصي كافة الدعاة الفضلاء بالصَّبر والمُصابرة على دعوة التَّوْحيدِ فإنها هي دعوة الرُّسُلِ الَّتي عُذِّبوا في سبيلها وعاشوا القرون فقط للدعوة إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين عامًا وأنْ يُراعوا الحكمة والموعظة الحسنة وأن ينزلوا الأمور منازلها وليعلموا أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم عاش في دعوته ثلاثة وعشرين سنة ولم تجاوز جزيرة العرب فإياكم والعجلة واعلموا أن الواجب البلاغ فقد قال ربُّنا لنبيِّنا: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى:48]. وأخيرًا أنقل هنا ما كتبه الأستاذ عصام حشيش في جريدة الأخبار المصرية حيث كتب: «أصبح السَّلفيون فجأة ظاهرة في حياتنا الإعلامية?.. ?ولم تعد هناك صحيفة أو مجلة تصدر بدون مانشيتات ساخنة وأعمدة ناقدة تتحدث عن مخاطر السَّلفيين وكأنهم جماعةٌ انتحاريَّةٌ إرهابيَّةٌ هبطت على مصر فجأة من الفضاء ينبغي تجييش القوي لمواجهتها وقطع أذرعها وفضح أفكارها. ويدهشني ويدهشك هذا التمادي في تصوير المخاطر رغم أنَّ السلفيين كانوا موجودين بيننا طوال الوقت ولم نشعرْ لهم بخطر ولم يظهر منهم ما يبعث على الريبة?.. ورغم ما تردد من أنهم هدموا بعض الأضرحة الموجودة في مساجد وأنهم بصدد الزحف لهدم ضريح سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة، فقد خرج المتحدث باسمهم ليؤكد صراحة أنهم بالفعل ضد وجود أضرحة في المساجد? لكن هذا لا يعني أنهم يعدون العدة لهدمها. وإذا كان بعض الغلاة مثلما هو الحال في كل المذاهب ارتكبوا أعمالاً مؤذية في هذا السبيل فهم يستنكرونها، ولكن الناس من كثرة ما تردد عن مخاطر السَّلفيين قابلوا هذا الإعلان بالشكوك، وبدأوا يعتقدون بخطرهم من كثرة ما يكتبه النقاد عنهم، وقد تعلمنا من تجاربنا أنَّ تكبيرَ حجم الخصم والمبالغة في تصوير خطره ودهائه هو أول الطريق لتكبير حجم الضربة الموجهة إليه والتنكيل به، ومن الآن أعلنها أنَّه لن يكون مستهجناً،ولا مستغرباً، بعد كل الاتهامات الَّتي تتردد أن نسمع عن حملة اعتقالات واسعة تنفذها الأجهزة الأمنية ضدهم وسيكون المبرر وقتها أنها تتم لحساب الثورة وحمايتها من شرورهم?..؟ الغريب أنَّ كثيرًا من الناس لا يعرفون أصلاً? ?معنى السَّلفية?.. ?وهي طريقةُ تفكير تسعى لتتبع ما كان عليه السَّلَفُ الصَّالِحُ في تفسيرهم للقرآن الكريم والسنة النبويَّةِ، ولكن ذلك أصبح جريمةً لأنَّه لا يعجب أصحاب الطرق والمناهج الأخرى..؟ أما جاء الوقت بعد لنبذ الإرهاب الفكري والمعنوي والاعتراف بحقوق الآخر وإن اختلفنا معه؟؟!» والحمد لله ربِّ العالمين .