arrow down

واجب الأمة نحو الأقصى

بقلم فضيلة الشيخ/ قاسم بن علي قعبان العصيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

قُدّمَتْ خلاصة هذه المشاركة بصنعاء في ندوة أقامها مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية بعنوان: "المسجد الأقصى.. مخاطر وتحديات"

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، الـمُسرَى به من مكة إلى فلسطين، والمُعرَج به من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى لتكليم رب العالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلّم تسليماً كثيرًا، وبعد:

فالأقصى: قبلة المسلمين الأولى، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143].

وهي الأرض المباركة والمقدسة ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1].

وإليه مع المسجد الحرام والمسجد النبوي فقط يُشرع شدّ الرحال تعبُّداً..

ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».

وعلاقة الأمة بالأقصى حق ديني عقدي يعترف به حتى الشجر والحجر كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً حق تاريخي، ففي عهد الخليفة الراشد تمت إضافة توسعة بالمسجد الأقصى تَسَع ثلاثة آلاف مصلي، ثم استمر التوسيع في عهد الأمويين والعباسيين، ثم توالى تجديده من قبل الملوك والخلفاء وآخرهم السلطان عبد الحميد الثاني، وتلَت بعد ذلك ترميمات رسمية آخرها سنة 1956م، وهكذا لا يزال المسلمون إلى اليوم يهتمون بالمسجد الأقصى رغم كل التضييق من اليهود الغاصبين.

وتربط المسلمين بالمسجد الأقصى وفلسطين حقوق ملكية، وذلك أنّ يد الغاصب لا تُسقط الحق بالتقادم، فلا يزال اليهود إلى اليوم يغتصبون الأراضي على مرأى ومسمع من العالم، ويبنون المغتصبات لتسكين اليهود في أراضي المسلمين التي كان اليهود المحتلين، ولا يزالون يفرضون على مُلَّاكها من الفلسطينيين ما يسمى بضريبة الأملاك.

وفي هذه الورقة أُبيّن إن شاء الله ما يجب علينا تجاه الأقصى، وقد جمعتُ هذه الواجبات والتوصيات ممن سبقني بالكتابة في الموضوع، لكنني جمعت ما تفرّق ورتَّبته ولخَّصتُه، وأتيت بالأدلة عليه، وزدت فيه أشياء، ولا يزال الموضوع ثرياً عميقاً يحتاج منا أكثر من ذلك.

وقد جعلتها ثلاثة عشر واجباً في الجانب الرسمي والسياسي، وثلاثة عشر في الجانب الشعبي والجماهيري، وثلاثة عشر في الجانب الإعلامي.

الواجب الرسمي والسياسي تجاه الأقصى:

1- تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بإقامة العدل وإزالة الظلم والفساد، ابتغاء مرضاة الله وحذرا من عقوبته، ففي رأيي أن ما أصاب الحكام والدول من رياح الربيع العربي إنما هو بتفريطهم في شرع الله وتضييعهم لحقوق المقدسات وسكوتهم أو تآمرهم على فلسطين وأهلها، وصدق الله إذ يقول:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].

2- تقريب العلماء بالشرع والواقع والمختصين الناصحين ومشاورتهم، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى بقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 83].

3- تولية الأكْفَاء الذين يؤدون العمل بأمانة وجدارة:

الذين يراقبون الله ويرحمون خلق الله، ويتحملون الأعباء ويقدرون حجم المسؤولية، ويرونها تكليفاً لا تشريفاً، فهم خير من يقوم بالواجب كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].

4- الأخذ بأسباب القوة في مختلف المجالات: في الصناعة والاقتصاد والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والإدارة والتدريب والتأهيل وغير ذلك؛ حتى تكون يدنا هي العليا امتثالاً لأمر ربنا تبارك وتعالى القائل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60].

5- استشعار أهمية وخطورة القضية. فلا بد أن ندركَ أن أرضَ الإسراء في خطرٍ بالغٍ، وأن الصهاينة لم ولن يكونوا في يومٍ من الأيامِ دُعاةَ سلامٍ، وأن خطرهم لن يقتصر على فلسطين فحسب، بل يتجاوز كل ذلك، وفي التاريخ ما يؤكد هذا منذ قَتْلِهِمُ الأنبياءَ إلى اليوم، فهُم أشد الناس عند الله عذاباً، وأسوأ الخلق مكاناً، كما قال الخبير العليم عنهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:60].

6- الإصلاح بين الفصائل المختلفة داخل فلسطين؛ لأن الخلاف والتنازع أعظم في الفتك بنا من سلاح العدو، كما قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ... } ولذا وجب الصلح عقلاً وشرعاً بين الفصائل الفلسطينية، امتثالاً لقول الله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10].

7- تضمين المناهج التعليمية في كل بلداننا قضية الأقصى بصورتها المطلوبة:

حتى تجري في دماء الأطفال والأشبال والشباب، فهي جزء من جسد الأمة الواحد، وأخوّة الدين تقتضي الشعور بالآمال والآلام، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].

8- إتاحة الفرصة لتعليم وتأهيل إخواننا الفلسطينيين في مدارسنا وجامعاتنا بلا حدود أو قيود؛ فإنه من خير ما يعوّض به إخواننا في فلسطين حين يشعرون أنهم في أوطانهم وبين إخوانهم، ويتاح لهم ذلك، والعلم أهم عون ينالونه وأهم سلاح يحملونه.

9- دعم المقاومة في فلسطين بكلّ ما تحتاجه من دعم معنوي ومادّي وتسهيل كل العقبات لوصول الدعم، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].

10- السعي إلى الوحدة العربية والإسلامية؛ وذلك للنجاة من هذه الفُرقة والخروج من هذا الضعف الذي نعيشه، وذلك بتحقيق أمر الله تعالى لنا، كما في قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].

11- التحرك لإطلاق كلّ السجناء الفلسطينيين لدى اليهود المعتدين؛ وهذا من أوجب الواجبات المتحتمات على عموم الأمة، كما قال العلامة القرطبي: (قال علماؤنا: فداءُ الأسرى واجب وإن لم يبق درهم واحد، وقال ابن خُويز مَنداد: وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسرى وأمر بفكهم وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع. ومن هذه الأخبار التي تُدلل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فُكُّوا الْعَانِيَ - يَعْنِي الْأَسِيرَ- وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ».

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات".

12- تَبنِّي القضية باتخاذ المواقف الحازمة في الهيئات الدولية والتصريحات الصادقة في كل محفل ومناسبة، وهذا من أقل الواجب الممكن فعلُه تجاه أرضنا المقدسة.

ومراجعة المواقف والاتفاقيات السابقة في القضية والسعي إلى تعديلها بما يكفل إرجاع فلسطين إلى حاضرتها العربية والإسلامية، ولا شك أن المتغيرات قد تساعد في تغيير المواقف التي ساهمت في صياغتها ظروفٌ سابقة معينة، والأيام دُوَل، ولا يضيع حقٌ وراءه مُطالب.

13- محاربة كلِّ أشكال الولاء والتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، والتصدّي لدعواته، وإعلان البراءة منه، وعدم الرضوخ لما يسمى بسياسة الأمر الواقع؛ لأنه واقع مُنكَر نحن مأمورون بتغييره.

وكذا تحريك القضية حقوقياً في جميع أنحاء العالم، لأن الفطر قد جُبلَت على بُغض وإنكار الظلم والعمل على دفعه، ولا يخلو العالم من نفوس مُنصفة وإن اختلفت معنا في الدين.

ومن ذلك: تكوين التحالفات مع الدول المتعاطفة مع القضية، فإن هذا من الأسباب الممكنة التي يأخذ بها كل عاقل لإحقاق الحق ومحاربة الباطل، ولا نزال نرى أثر ذلك في الواقع، وقد كان موقف نبينا صلى الله عليه وسلم مؤيداً قولاً وفعلاً لمثل هذه التحالفات قبل الإسلام وبعده.

الواجب الشعبي والجماهيري:

1- التوبة والرجوع إلى الله تعالى، كما أخبر الله تعالى وأقرَّ عن نبيّه هود عليه السلام بقوله: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52].

وجاء عن عمر بن الخطاب أنه خطب في القدس، فكان مما قال: "يا أهل الإسلام! إن الله تعالى قد صدقكم الوعد، وأورثكم البلاد، ومكَّن لكم في الأرض، فلا يكوننَّ جزاؤه منكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصي؛ فإن العمل بالمعاصي كُفر النعم، وقلَّما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سُلِبُوا عزَّهُم، وسُلِّط عليهم عدوهم". اهـ

2- فَهْم القضية والحديث عنها بصورتها الصحيحة؛ لأن من وسائل الحرب التي يستخدمها العدو: التشويش في المعلومات ومغالطة الناس والتلبيس عليهم، وكيف يطالب إنسان بحق يجهل صورته الحقيقية على أرض الواقع.

3- إعداد النفس إيمانياً وبدنياً؛ لأننا إن حققنا ذلك فقد بذَلْنا الأسباب وقُمنا بما فُرض علينا، وحينها يحقق الله النصر كما وعد بقوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47].

4- الدعوة إلى الله والاستمرار في ذلك لإصلاح الجيل الذي يتحقق النصر على يديه، كما هو هدي الأنبياء والمصلحين في كل زمان ومكان، قال الله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

5- التحرك الفردي كلٌ بما يُحسنه ويستطيعه لنصرة هذه القضية، كما كلفنا الله تعالى بقوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].

6- مقاطعة العدو مقاطعةً اقتصادية وثقافية ونحو ذلك، كما فعل رسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع كفار قريش في فترة من الفترات لإضعاف شوكتها.

7- إحياء روح التفاؤل والأمل في الأمة وترسيخ اليقين بأن العاقبة للمتقين، وأن وعد الله محقق، كما ذكره الله بعد إخباره في سورة الصف عن أذية اليهود والنصارى لأنبيائهم، وزيغهم عن الحق، وعدم تصديقهم بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكأن تلك الآيات نصٌّ على قضيتنا، قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33، الصف: 9].

8- إبقاء القضية دائمًا حاضرة وساخنة في نوادينا ومحافلنا واجتماعاتنا ولقاءاتنا، مثلاً: (صور المسجد الأقصى، خريطة فلسطين، القصائد والأناشيد الهادفة التي ترتبط بذلك...) وهكذا.

9- الدعاء فهو سلاح فتَّاك، لأنه يعني الْتِجَاء العبد الضعيف إلى الله القوي القادر الذي لا يُغلَب ولا يعجزه شيء، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يغفل عن الدعاء في كل معاركه مع الأعداء؛ وذلك لأنه عرف معنى قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62].

10- تربية أبنائنا على معرفة القضية بتفاصيلها وحيثياتها، وحمل همِّها وأهمية دَورهم، مع بيان خطر الصهاينة؛ لأنه من واجب المسؤولية علينا تربيتهم على حمل همّ الدين، وحثِّهم على الأعمال الصالحة وتحذيرهم من كل ما يضرُّهم ويوردهم النار، ومنه السكوت عن قضايا الأمة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

ومما يصب في ذلك: العمل على تفعيل القضية مع الأسرة والجيران والزملاء، لا سيما في المناسبات والمهرجانات والاجتماعات ونحوها، فهي قضية محورية في حياة كل مسلم وجزء من دينه الذي لا يغفل عنه؛ ولا تزال نارًا تشتعل في جسد الأمة كل يوم.

11- دعم الفلسطينيين بما نقدر عليه مادياً ومعنوياً، ومِن ذلك: إيجاد الأوقاف في كل بلدان المسلمين لنصرة القضية والقيام بحملات إغاثية لفلسطين، فهذا هو مقتضى الإيمان الذي يفوز أهله، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 20].

12- المشاركة في كل الفعاليات حول القضية حسب الاستطاعة، فهي سبيل لبراءة الذمة وإعانة في حمل همها، وإعلان عن الإيمان بضرورة نصرتها.

13- الصبر والمصابرة والاستمرار في العمل لنصرة القضية، فهو طريق النجاح والفلاح كما أرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

الواجب الإعلامي:

1- استحضار أمانة الكلمة ودورها وأنها إذا كانت مستوفية لشروطها من الإخلاص والصدق والعلم والحكمة، فهي أعلى مقامات الجهاد الذي رضيه الله لأنبيائه ورسله وورثتهم، وإذا كان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر؛ فكيف بكلمة حق أمام صهيوني مُعتدٍ كافر.

2- استخدام الإعلام لصف الأمة كلها نحو فلسطين بكل وسيلة، وجعل القضية مدخلاً لوحدة الأمة، فإن الأزمات توحّد الشعوب.

3- بث روح العزة في الأمة ومحاربة الأفكار الانهزامية كما علَّمنا ربنا فقال: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35].

4- عدم المبالغة في تضخيم قوة العدو؛ حتى لا نساهم في الحرب النفسية ضد المسلمين، فها هم ثُلّة من الفلسطينيين المحاصَرين قذف الله بهم الرعب على اليهود، حتى رأيناهم يبنون الجدار العازل ويعدّون القبة الحديدية ويحفرون الملاجئ، فكيف لو أُتيح دعم المرابطين هناك بما يحتاجونه من المؤنة والسلاح!

وصدق الله إذ يقول: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:104].

5- الضغط على صانعي القرار للتحرك الإيجابي في القضية، فالإعلام أصبح قوة تؤثر في مجريات الأحداث، ولذا حرص اللوبي الصهيوني على امتلاك وسائل إعلامية كثيرة وقوية ومتنوعة، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أثر الشِعر في نصرة الدين ومحاربة الكافرين: «اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ» يعني أن الشعر أكثر تأثيراً من السهام، وهكذا يكون تأثير الإعلام.

6- إقامة المؤتمرات والندوات والفعاليات المختلفة والمتكررة لنُصرة القضية، ومن ذلك: "الشعر، المسرح الرواية..." وغير ذلك.

7- الترويج والنشر والإشهار لكل ما يخدم القضية من أي طرف كان، فقضيتنا واحدة وعدونا واحد، ودفع الظلم والعدوان يكون مع كل من وقف لدفعِه، سواء كان براً أو فاجراً، نتفق معه في أمور أخرى أو نختلف معه، هذا لا يمنع بحال أن نتعاون في مثل هذه القضية التي تهم كل مسلم على ظهر الأرض.

8- تثقيف الجماهير والشعوب بحقيقة القضية من خلال المضمون الإعلامي وبكل الوسائل، وأنها قضيتنا جميعاً، وتعريفهم بما يقوم به الفلسطينيون من أعمال جليلة وتضحيات متدفقة.

9- إِطْلَاع الناس على فضائع الصهيونية وعدوانها وجرائمها وفجورها، فهذه طريقة القرآن في فضح قَتلةِ الأنبياء ومُحرّفي الرسالات السماوية، وناقضي العهود، وأَكَلةِ السُّحت وأعداء البشرية.

10- إزالة كل شبهة حول القضية، فالمعتدون ليس لهم حق في مقدساتنا، وليست لهم شرعية دينية في السيطرة عليها، لأنه «ليسَ لعِرقٍ ظالمٍ حقٌ».

11- تصحيح المصطلحات التي تتداول حول القضية، فليست "دولة إسرائيل"، بل "الاحتلال الصهيوني"، وليست "المستوطنات" بل "المغتصبات"...

12- تَعرِيَة التحالفات الظالمة مع الصهاينة، سواء كانت مِن قِبَل أدعياء السلام والحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، أو كانت من الخونة من أبناء جلدتنا من المنافقين والمستبدّين، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55].

13- بثّ روح الجهاد لدفع العدو الغاصب، وعدم التركيز على دعاوى السلام مع الظالم المعتدي، وليُنظَر إلى إعلام الصهاينة ماذا يقول عن أعماله الإجرامية!

وأخيراً:

أحمدُ اللهَ الذي استخدمَني لكتابة هذه الورقة، وشرَّفني بالإسهام والمشاركة بهذا الجهد المتواضع، ولعلها تكون مما يعذرني به ربي من تقصيري في نصرة هذه القضية السامية.

كما أشكر المشايخ الأعزَّاء والأخوة الأكارم القائمين على "مركز بيت المقدس للدراسات" على دعوتهم الكريمة للمشاركة في نصرة هذه القضية الجوهرية في حياة كل مسلم، والشكر كذلك للحاضرين جميعاً والعاملين على إنجاح هذه الندوة بأموالهم وأنفسهم.

 

نسأل الله تعالى أن يُقِرّ أعيننا بتحرير فلسطين من أيدي المعتدين، وأن يُمَكّن فيها لأوليائه الموحدين، إنه الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين..