arrow down

اليهود وخارطة الطريق

بقلم فضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

في الفترة الماضية تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وفاة ياسر عرفات ومن قبله وفاة خارطة الطريق، وقال الناطق الرسمي للأمين العام للجامعة العربية: "لقد دفنت خارطة الطريق بدون رجعة" أو كلاماً هذا معناه.

إذن اليهود هم اليهود في كل زمان ومكان غدروا برسول هذه الأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ألا يغدرون بأتباع هذه الأمة مع تقصيرهم وتضييعهم لدينهم وأمتهم.

ولمن ما زال لديه بصيص أمل في السلام مع اليهود أذكر له بعض صفات يهود؛ فاليهود طبيعتهم الحسد والحقد: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة:90].

إن الذي حمل اليهود على التكذيب بآيات الله هو حسدهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم وحقدهم؛ لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وكان هذا بغياً منهم وظلماً فباءوا بغضب على غضب، وهناك ينتظرهم عذاب مهين جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم.

وهذه الطبيعة التي تبدو في يهود هي طبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب الشديد؟ وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى التي تربط البشرية جميعاً، وهكذا عاش اليهود في عزلة يحسبون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربصون بالبشرية الدوائر، يكنون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتناً يوقدونها بين بعض الشعوب، وحروباً يثيرونها ليحصلوا من ورائها المغانم ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكاً يسلطونه على الناس ويسلطه عليهم الناس، وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..} [البقرة:90].

بل وصلت الحماقة المضحكة والغيظ والحسد والحقد بيهود إلى حد أنهم يعادون جبريل، وجبريل لم يكن بشراً يعمل معهم أو ضدهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير، بل هو عبد الله يفعل ما أمره الله ولا يعصي أمر الله.

ولكن لما كان عداؤهم لمحمد -صلى الله عليه وسلم- بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد دفع بهم هذا الحقد أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة، فيزعمون أن جبريل عدوهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد من جراء صاحبه جبريل، ولو كان الذي ينزل إلى محمد بالوحي هو ميكائيل لآمنوا فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر والخصب، ولذلك رد الله عليهم بقوله: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:97].

فهذا هو الحق والحسد لم يقتصر على محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل تعداه إلى الملائكة، لذلك جمعت الآية السابقة جبريل وميكال وملائكة الله ورسله لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحداً منهم فقد عاداهم جميعاً وعادى الله سبحانه فعاداه الله فهو من الكافرين.

ومن صفات اليهود: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ..} [البقرة:96] أي حياة لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة سعيدة على الإطلاق، حياة فقط حياة بهذا التنكير والتحقير، حياة ديدان أو حشرات حياة وفقط.

إنها يهود في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس وعنت الجباه جبناً وحرصاً على الحياة.. أي حياة.

ومن صفات يهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112] فضَرْبُ الذلة كَتَبَ لهم مصيراً فهم في كل أرض يذلون.. وضربت عليهم المسكنة تعيش في ضمائرهم وتكمن في مشاعرهم، ويكشف لنا القرآن عن سبب هذا القدر المكتوب على يهود فإذا هو سبب عام تنطبق آثاره على كل قوم مهما تكن دعواهم في الدين وأنهم أبناء الله وأحباؤه والسبب العام هو المعصية والاعتداء:{.. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112] هذه هي المؤهلات لغضب الله وللهزيمة والذلة والمسكنة، هذه هي المؤهلات التي تتوفر اليوم في البقايا الشاردة في الأرض اليوم منا نحن المسلمين الذين يسمون أنفسهم بغير حق مسلمين، هذه هي المؤهلات التي يتقدمون بها إلى ربهم فينالون بها كل ما كتبه الله على اليهود من الهزيمة والذلة والانكسار والمسكنة، فإذا قال أحد منهم: لماذا نغلب في الأرض اليوم؟ لماذا فقدنا العراق؟ لماذا فقدنا فلسطين؟ فلينظر قبل أن يقول نحن المسلمين ما هو الإسلام الذي نتحدث عنه ومن هم المسلمون؟

وإنصافاً من الله للقلة الخيرة من أهل الكتاب يستثني الله منهم فيقرر أن أهل الكتاب ليسوا سواء فهناك المؤمنون الصادقون وهم قلة قليلة جداً: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ} [آل عمران113-115]، وهي صورة وضيئة للمؤمنين من أهل الكتاب، فقد آمنوا إيماناً صادقاً عميقاً وكاملاً وشاملاً وانضموا للصف المسلم وقاموا على حراسة هذا الدين.

وهي صورة ترفع أمام الراغبين من أبناء يهود -اليوم- ليعودوا للدين الحق الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ليحققوا في ذوات أنفسهم كل من يشتاق إلى هذه الشهادة والتزكية من الله الذي هو أعلم بالمتقين.

ومن صفات يهود: المكر والخديعة والغدر وعدم الوفاء بالعهود، والتاريخ والحديث يشهد أين اتفاقات أوسلو؟ أين خارطة الطريق؟ وهم لا ينسون أبداً تاريخهم القديم، فمن الحقائق التاريخية الثابتة هي الحقد اليهودي الدفين على الإسلام والمسلمين، وقد كان لليهود مواقف عدائية كثيرة مع المسلمين ومع رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم- بل إننا نعتبر رسول الله شهيداً في المرأة التي قدمت له السم، ثم لما تكررت محاولات اليهود الغادرة أمر بإجلائهم خارج المدينة وأجلوا عن مساكنهم إلى مدينتي تيماء وخيبر في عهد عمر -رضي الله عنه- وتيماء وخيبر تقعان في شمال المملكة العربية السعودية حالياً، لكن الذين يبشرون اليوم بخارطة الطريق إن بقيت خارطة طريق نسألهم: هل نسي اليهود في العصر الحديث ذكرى سكن أجدادهم يثرب (المدينة النبوية) وخيبر؟

للإجابة عن هذا السؤال: عندما سقطت القدس بأيديهم عام (1967م) دخلها وزير دفاعهم موشيه ديان في صحبة الحاخام الأكبر شلومو غورية وبعد أدائهم صلاة الشكر عند حائط البراق قال فيهم: (اليوم فتح الطريق إلى بابل ويثرب) وتعالت هتافات النصر التي رددها يهود المنتصرون: (يا لثارات خيبر)، وتقول رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير وهي في إيلات خليج العقبة: (إني أشم رائحة أجدادي في خيبر)، ومن المؤلم حقاً بعد احتلال القدس بدءوا خطة ماكرة فلم يتركوا مسلماً إلا أتبعوه (وعد ووعيد، وإغراء وتهديد) حاولوا انتزاع الزاوية الفخرية دار أبي السعود في القدس، وهي ملاصقة للجهة الغربية لسور المسجد الأقصى لكي يهدموها للبحث عن أساس هيكلهم المزعوم، وطلبوا إلى أرملة الشيخ حسن أبو السعود -رحمه الله- أن تبيعهم الدار بالثمن الذي تريد أو أن تختار داراً سواها في أي مكان آخر تحدده فرفضت وأصرت على الرفض، فأخرجت منها بالقوة وقامت الجرافات بهدم الدار.. لم تقبل هذه العجوز العروض المغرية حفاظاً على الأرض الإسلامية التي فرط فيها الأبناء مقابل خارطة طريق وحكم ذاتي محدود هزيل ودولة منزوعة السلاح..

لماذا خارطة الطريق الآن:

1- إلهاء الناس عما تفعله أمريكا في العراق..

2- إجهاض الانتفاضة.. كما سيأتي في مشروع خارطة الطريق..

3- من التجارب المعروفة أن دولة فلسطينية لن تقوم فأين اتفاقية أوسلو.

4- الدولة الفلسطينية لن تقوم إلا بالجهاد من المؤمنين الصادقين ومن الشرفاء لا على أبو مازن ولا على غيره.

ما هي خارطة الطريق:

عندما عزمت أمريكا على غزو العراق جهزت ما يسمى بخارطة الطريق لإقناع العرب بأنها جادة في حل القضية الفلسطينية، وعرضت الخطة ببنودها لتكشف أن الإدارة الأمريكية لا تزال مصرة على التعامل مع القضية الإسلامية الكبرى على أنها مسألة أمنية، ومع ذلك فقد وافقت عليها الدول العربية المعنية بالقضية الفلسطينية وألحت في مطالبة أمريكا بالإسراع في إنجاز خارطة الطريق حتى ينهي هؤلاء المعنيون أو المعينون من صراع القضية الفلسطينية الذي طال عجزهم عن حسمه سلماً أو حرباً حقيقة أو خيالاً.

ما هي خارطة الطريق وهل ستغير من مسار الصراع العربي الإسرائيلي؟

أريد أن أقرر أولاً أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد يكفيهم فيه أن يكون نزاعاً فلسطينياً إسرائيلياً بل المراد الآن وبعد أن جاء أبو مازن أن يكون تفاهماً فلسطينياً إسرائيلياً، فأبو مازن القادم من رحم السلطة الهزيلة هو أكثر رموزها استعداداً للمهازل، وهذه حقيقة يؤكدها اقتران اسمه بوثيقة مازن بيلين التي تنازل فيها أبو مازن نيابة عن الشعب الفلسطيني بل الشعب العربي! بل الأمة الإسلامية عن القدس لليهود في مقابل أن تأخذ السلطة قرية أبوديس التي قرر اليهود تسميتها باسم القدس مع احتفاظهم بالقدس الأصلية، ولهذا نحذر من الآن من أن أبا مازن قد يتكلم ويرفع صوته عن استعادة القدس وهو في الحقيقة يقصد مع اليهود القدس المزيفة أو قرية أبوديس الواقعة على أطراف القدس من خارجها.

أما خارطة القدس التي ستوكل المهمة فيها إلى أبي مازن بعد انتهاء تأريخ الصلاحية لأبي عمار فإنها جريمة أخرى في حق فلسطين بل في حق الإسلام ذاته حين يوافق هؤلاء على المشاركة في مقاومة الجهاد الشرعي بعد تسميته إرهاباً.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله..