arrow down

مصطلحات في القرآن الكريم .. مصطلح الاستخلاف

بقلم فضيلة أ.د. محمد أمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )

استخلاف البشر في الأرض نوعان: استخلاف عام، واستخلاف خاص.      

والاستخلاف العام هو تولية البشر الأرض باعتبارهم قائمين بشؤون العمارة وبناء الحضارة وفق منهج الله تعالى المرسوم في كتبه المنزلة.

أما الاستخلاف الخاص، فهو استخلاف المؤمنين وجعلهم أئمة وخلفاء في الأرض. وهو وسيلة للتمكين لدين الله في الأرض وتحكيم الشريعة، والسير على سنة الله في نظام خلقه.

والغاية من الاستخلاف العام هي قيام البشر بتكليف العبودية في الأرض، وعمارتها وفق منهج الله تعالى، والبقاء والاستمرار العمراني بالتداول بين الأمم والأجيال، لكي يبقى مجال الرقي والتقدم مفتوحا أمام الإنسانية للمزيد من الإبداع والتجديد والازدهار في ظل موازين الشريعة الربانية.

وهدف الاستخلاف بهذا المعنى هو القدرة على عمارة الأرض والإصلاح فيها، والقدرة على تنمية الحياة، وتنويعها واستغلال خيراتها واستثمار مدخراتها، والقدرة على تحقيق العدل والأمن والسلام عليها، والقدرة على الارتقاء بالمجتمعات البشرية ماديا ومعنويا إلى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله .

على أن الأنبياء والرسل عليهم السلام، ومن نهج نهجهم من العلماء والدعاة دعوا أممهم للأخذ بأسباب الاستخلاف والبقاء والاستمرار في الأرض، وأن يحققوا في حياتهم منهج الله تعالى، ليتحقق لهم وعد الله بالبقاء والاستمتاع بنعم الله تعالى إلى أجل مسمى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى [هود: 3].

إن الأنبياء والمصلحين من أتباعهم بما أوتوا من العلم والإيمان لا يشكون لحظة واحدة أن أممهم – وهي تحيا بغير المنهج الرباني – إنما تحيا وضعا غير صحيح بمقياس الشرع، وبالتالي فهو غير مأمون العاقبة. إذ من أهم شروط الاستخلاف بل غاية الغايات منه هو: الإيمان بالله تعالى وتحكيم شريعته( 1 ).   

وإذا تخلف هذا الشرط تخلفت الغاية من الاستخلاف في الأرض. وبالتالي إن بقاء الأمة مؤقت، وزوالها محقق، وهي إنما تعيش بلا غاية محمودة، وتحيا مرحلة الاستدراج والإمهال في صورة استخلاف، لتستنفذ أسباب بقائها، حتى يحين أجلها، فتنزل بها عقوبة ما حقة، أو ترثها أمة أجدر منها، أو تأتي بعدها أمة لتمتحن كغيرها من الأمم: ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون [يونس:14].

على أن الفرق بين الاستخلاف العام والاستخلاف الخاص هو أن الاستخلاف العام يشمل جميع البشر: مسلمهم وكافرهم. أما الاستخلاف الخاص فهو من خصوصيات المؤمنين.

والاستخلاف الخاص بهذا المعنى أمر اختياري كسبي يستطيع أهله الحصول عليه إن سلكوا سنته وقاموا بتكاليفه، وتحققت فيهم شروطه وهي: امتثالهم لأوامر الله تعالى، وطاعة رسوله ، والوقوف عند حدوده، والاتحاد وجمع الكلمة، والاعتصام بالحق، وإقامة العدل في واقع النفوس والمجتمعات، والصبر على المكاره، والاستعانة بالله في الشدائد، ومراعاة قانون الأسباب، واتخاذ الوسائل الكفيلة والناجعة لتغيير الواقع، وغير ذلك مما هدى إليه وحي الله تعالى وأيدته التجارب البشرية( 2 ).   

على أن تلازم الاستخلاف والتمكين في الأرض للمؤمنين هو ترابط بين المقدمة والنتيجة؛ فقد تحدث الله عن الاستخلاف ثم عن التمكين وعطف بينهما في قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم [النور:55].

وتمكين الدين يتم أولا في القلوب وفي تغيير ما بالأنفس وفق مراد الله تعالى، ثم في تصريف شؤون الحياة وأمور الخلق وتدبيرها وفقا لأحكام الإسلام، بجعله هو المهيمن على شؤون الحياة وأمور الناس بالإصلاح والعدل، وحفظ الحقوق لأصحابها، والحرص على هداية البشر، وإعمار الأرض، والانتفاع بكل ما أودعه الله فيها من ثروة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله جل ثناؤه.

ولعل اللامين في "ليستخلفنهم" وفي "ليمكنن لهم" لام الاستقبال والتوكيد، مما يدل على حتمية وضرورة الاستخلاف والتمكين لمن يسلكون سنتهما ويعرفون طريقهما، وذلك وعد حق من وعود الله جل ذكره للمؤمنين الصادقين المخلصين العاملين. 

------------------------------------------------------

1- حسن الحميد: سنن الله في الأمم، ص 307.

 

2- رشيد رضا: تفسير المنار، 9/69.