arrow down

المسجدُ الأقصى .. في الكتاب والسنَّة

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

يئنُّ المسجدُ الأقصى تحت طغيانِ اليهود الغاصبين وتجاهلِ وعجزِ عموم المسلمين . وفي أيَّامنا هذه - خاصَّة - مَنع اليهودُ الصلاةَ فيه لأيَّام ثم أعادوها بشروطهم ، وأجهزة كشف وتحكُّم في الداخلين إليه من المصلِّين المسلمين ..

ولئلا ننسى عمومَ فلسطين المحتلَّة ومسجدنا الأسير وفضائله أحببنا أن نذكِّر ببعض هذه الفضائل ؛ فاستللنا من كتابنا :« الأربعون الشامية » شيئًا من ذلك لعلَّه يوقِظُ في أنفسنا - نحن وأبناء عصرنا - حبَّ هذا المسجد وعدم التفريط فيه مهما  كانت من أحداث ، ومهما طال زمان الأَسر والاحتلال ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .. 

قال الله سبحانه وتعالى :﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اْلأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [سورة الإسراء/ 1] .

وقال تعالى :﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى اْلأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ " الأنبياء/ 71.

و قال :" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى اْلأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء/ 81] .

و الآيات في بركته وبركة ما حوله من بلاد الشام كثيرة .

وأما سبب تسميته بالأقصى فقد قال الحافظ ابن حجر :

ومسجد الأقصى أي : بيت المقدس ؛ وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ... وسمِّي الأقصى لبُعدِه عن المسجد الحرام في المسافة ، وقيل في الزمان وفيه نظر ؛ لأنَّه ثبت في الصحيح أنَّ بينهما أربعين سنة ... وقال الزمخشري : سمِّي الأقصى لأنَّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد . وقيل : لِبُعدِه عن الأقذار والخبث . وقيل : هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة ؛ لأنَّه بعيد من مكَّة , وبيت المقدس أبعد منه .اهـ [فتح الباري (3/64)].

ومن فضائله في السنَّة المطهَّرة :

1-  عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( أُتِيتُ بالبُراق وهو دابَّةٌ أبيض طويل فوق الحمار ودون البَغل ، يضع حافرَه عند منتهى طرفه . قال : فركبته حتى أتيت بيتَ المقدس . قال : فربطته بالحَلقة التي يربط به الأنبياء . قال : ثم دخلت المسجد فصلَّيت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبن فاخترت اللبن . فقال جبريل - صلى الله عليه وسلم - : اخترتَ الفطرة . ثم عُرج بنا إلى السماء ...)) الحديث [رواه مسلم (162). ورواه - بنحوه - البخاري (3207، 3887) ومسلم (164) من حديث  أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - رضي الله عنهما - مرفوعًا ].

2- وعن أبي هريرة قال : أُتيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أُسرِيَ به بإيلياء بقَدَحين من خمر ولبن فنظر إليهما فأخذ اللبن . قال جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك . [رواه البخاري (4709) ومسلم (168)].

  قال النووي : وأما إيلياء فهو بيت المقدس ، وفيه ثلاث لغات أفصحهنَّ وأشهرهنَّ هذه الواقعة هنا : « إيلياء » بكسر الهمزة واللام وبالمدِّ ، والثانية : كذلك إلا أنَّه مقصور ، والثالثة : « إلياء » بحذف الياء وبالمدِّ .اهـ [شرح النووي (9/168)] .

3-  وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : سمعت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لمَّا كذَّبتني قريشٌ قُمتُ في الحِجر فجلَّى اللهُ لي بيتَ المقدس فطفِقْتُ أُخبِرهم عن آياته)) . [رواه البخاري (3886) ومسلم (170) ] . والمراد بآياته : علاماته وأوصافه ؛ وذلك حين سألته قريش اختبارًا .

4- وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  كان يصلِّي نحو بيت المقدس فنزلت : ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسجِدِ الحَرَامِ ﴾ فمرَّ رجلٌ من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلُّوا ركعةً , فنادى ألا إنَّ القِبلة قد حُوِّلَت فمالوا كما هم نحو القِبلة . [ رواه مسلم (527)] .

5- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يبلغ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام , ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد الأقصى )) . [رواه البخاري (1189) ومسلم (1397) ، وفي رواية لمسلم : إنما يسافَرُ إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء] .

 قال الحافظ ابن حجر : وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيَّتها على غيرها ؛ لكونها مساجد الأنبياء ولأنَّ الأول : قِبلة الناس وإليه حجُّهم ، والثاني : قِبلة الأمم السالفة ، والثالث : أُسِّسَ على التقوى .اهـ [الفتح (3/65)] .

وقد وردت أحاديث حول هذا المعنى ..

6-  عن ميمونة - رضي الله عنها - مولاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالت : يا نبيَّ الله أفتِنا في بيت المقدس . فقال : (( أرضُ المنشر والمحشر ائتوه فصلُّوا فيه فإنَّ صلاةً فيه كألفِ صلاة فيما سواه)) . قالت : أرأيتَ من لم يُطِقْ أن يتحمَّل إليه أو يأتيه ؟ قال : ((فَلْيُهْدِ إليه زيتًا يُسرَج فيه فإنَّ مَن أهدى له كان كمن صلَّى فيه )) [رواه أحمد (27626) وغيره وسنده صحيح ، قال النووي في المجموع (8/278) عن إسناده : لا بأس به .اهـ وقال السخاوي في البلدانيَّات (ص64) : هذا حديث حسن .اهـ , وصحَّحه مغلطاي في شرحه على ابن ماجه (1/329)] .

قال المناوي : بزيتٍ يُسرَج فيه : لينتفع بضوئه المصلُّون والعاكفون .اهـ [فيض القدير (6/287)] . 

قال العيني : ويستفاد من الحديث فوائد : 

الأولى : فيه فضيلة بيت القدس .

والثانية : جواز بعث الزيت إلى المساجد للإصباح وإن كانت في غير بلده .

والثالثة : إذا كان مسجد في دار حرب يجوز لمن في دار الإسلام أن يَبعث له زَيتًا يُسرج فيه ، ويُقاسُ على هذا البُسط والحُصر والقناديل ، ونحو ذلك مما يحتاج إليه المسجد .اهـ [شرح أبي داود للعيني (2/363)] .

7- عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أنَّ سليمان بن داود - صلى الله عليه وسلم - لمَّا بنى بيتَ المقدس سأل الله - عزَّ وجلَّ - خِلالًا ثلاثة : سأل الله - عزَّ وجلَّ - حُكمًا يُصادِفُ حكمَه فأوتيَه ، وسأل الله - عزَّ وجلَّ - مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ مِن بعده فأوتيَه ، وسأل الله - عزَّ وجلَّ - حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمُّه )) . [رواه النسائي (693) وغيره . وسنده صحيح ، وصححه الألباني في الثمر المستطاب (ص545)] .

وفي رواية : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - : (( فنحن نرجو أن يكون اللَّه - عزَّ وجلَّ - قد أعطاه إياه )) . [رواها أحمد (6644) وغيره ] .

8- عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال : قلت : يا رسول الله أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أوَّل ؟ قال : (( المسجد الحرام )) . قال : قلت : ثم أيُّ ؟ قال : (( المسجد الأقصى)) . قلت : كم كان بينهما ؟ قال : (( أربعون سنة . ثمَّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلِّه فإنَّ الفضل فيه )) . [رواه البخاري (3366، 3425) ومسلم (520)] .

9 - عن مجاهد قال : كنَّا ستَّ سنين علينا جنادة بن أبي أميَّة فقام فخطبنا فقال : أتينا رجلًا من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلنا عليه فقلنا : حدِّثنا ما سمعتَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تحدِّثنا ما سمعتَ من الناس ، فشدَّدنا عليه . فقال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا فقال : (( أنذرتكم المسيح وهو ممسوح العَين - قال : أحسبه قال : اليسرى - يسير معه جبال الخبز وأنهار الماء ، علامته : يمكث في الأرض أربعين صباحًا يبلغ سلطانه كلَّ منهلٍ ، لا يأتي أربعة مساجد : الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور ، ومهما كان من ذلك فاعلموا أن الله - عزَّ وجلَّ - ليس بِأَعْوَرَ ..))  [ رواه أحمد (23090، 23683، 23684، 23685)  وغيره ، وسنده صحيح ، ولا يضرُّ إبهام الصحابي ؛ فكلُّهم عدول - رضي الله عنهم - . وقال الحافظ ابن حجر : أخرجه أحمد ورجاله ثقات .اهـ فتح الباري (13/105) . ويشهد له حديث سمرة - رضي الله عنه - مرفوعًا ؛ وفيه : ((... وإنه سيظهر على الأرض كلِّها غير الحرم وبيت المقدس ...)) الحديث رواه أحمد (20178) وغيره ] .

10-  عن أبي وائل قال : قال حذيفة - رضي الله عنه - لعبد الله - يعنى ابن مسعود رضى الله عنه - : .. عكوفًا بين دارك ودار أبي موسى وقد علمتَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس)) . قال عبد الله : لعلّك نسيتَ وحفظوا ، وأخطأت وأصابوا . [رواه البيهقي (8837) وغيره ، وسنده صحيح ، وصحّحه الألباني في الصحيحة (2786)] .

11- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ الشَّمس لَم تُحبَس لِبَشَرٍ إلَّا لِيُوشَع لياليَ سار إلى بيت المقدس )) . [ أخرجه أحمد (8315) وغيره ، وسنده حسن ، وصحّحه الحافظ في الفتح (6/221) ، وصحّحه الألباني مرَّةً ، وجوَّدَه أخرى في الصحيحة (202، 2226) ] .

12- عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين لعدوِّهم قاهرين لا يضرُّهم من خالفهم , إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك )) قالوا : يارسول الله , وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس , وأكناف بيت المقدس )) [رواه أحمد (22320) والطبراني (7643) وسنده ضعيف , فيه عمرو بن عبدالله الحضرمي - راويه عن أبي أمامة -  مجهول . وضعَّفه الألباني تحت رقم (1957) من الصحيحة . وروى أبو يعلى (6417) والطبراني في الأوسط (47) عن أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - قال : ((لا تزال عصابةٌ من أمَّتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وماحوله , لا يضرُّهم خذلان من خذلهم , ظاهرين على الحقِّ إلى أن تقوم الساعة )) والوليد و أبوصالح مجهولان , وضعَّفه الألباني في الضعيفة ( 5419) . وروى الطبراني (754) من حديث مُرَّة البهزي : أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لا تزال طائفةٌ على الحقِّ ظاهرين على من ناوأهم وهم كالإناء بين الأكلة , حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك))  , قلنا: يارسول الله , وأين هم ؟ قال : (( بأكناف بيت المقدس ))  . قال الهيثمي في المجمع (12254) : رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم .. اهـ  والحديث ثابت في الصحيح دون ذكر بيت المقدس] .

فهذا الحديث - إن صحَّ - يدلُّ على أنَّ الطائفة المنصورة هي : ببيت المقدس وما حوله من أرض الشَّام .

 13- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : أُرسِل ملَك الموت إلى موسى - عليهما السلام - فلما جاءه صكَّه فرجع إلى ربِّه ؛ فقال : أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت . فردَّ الله عليه عينه ، وقال : ارجع فقل له يضع يدَه على متن ثَورٍ فلَهُ بكلِّ ما غطَّت به يده بكلِّ شعرةٍ سنة. قال : أي ربِّ ثمَّ ماذا ؟ قال : ثمَّ الموت . قال : فالآن . فسأل اللهَ أن يدنيَه من الأرض المقدَّسة رميةَ بحجرٍ . قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر . [رواه البخاري (1339، 3425) ومسلم (520). قال النووي في شرح مسلم (15/128): وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدَّسة فلِشَرَفها ، وفضيلة مَنْ فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم . قال بعض العلماء : وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنَّه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس ..اهـ . و روى مسلم في صحيحه (2375) عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أَتيتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلِّي في قبره . وقد بوَّب البخاري - رحمه الله تعالى - على حديثه هذا : باب : من أحبَّ الدفن في الأرض المقدَّسة أو نحوها . قال ابن حجر في الفتح (3/207): رمية بحجر : أي : قدر رمية حجر ، أي : أدنني من مكان إلى الأرض المقدَّسة هذا القَدْر ، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القَدْر .اهـ].

14- عن النواس بن سمعان مرفوعًا : (( .. فيَطلبه - أي : عيسى عليه السلام ؛ يطلب الدجَّال-  حتى يُدركه بباب لُدٍّ فيقتله )) [ رواه مسلم , وبابُ لُدٍّ بضمِّ اللام وتشديد الذال مصروف : بلدة قريبة من بيت المقدس . شرح النووي على مسلم (18/ 68) ] .

ومما تقدَّم نلخِّص بعضَ فضائل المسجد الأقصى فيما يلي :

1-  إليه الإسراء ومنه المعراج .

2- هو مقرُّ الأنبياء وفيه حَلقَةُ دوابِّهم .

3- أولى القبلتين .

4- ثالث الحرمين - في الفضل - والذي تُشَدُّ إليه الرحال .

5- من أهدى له كان كمن صلى فيه .

6- من أتاه للصلاة فيه يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه . ثاني مسجد وُضِعَ في الأرض .

7- الدجَّال لا يأتيه . ويُقتَل بالقُرب من بيت المقدس .

8- أحد المساجد الثلاثة التي يُشرَع فيها الاعتكاف .

9- حبس اللهُ - عزَّ وجلَّ- الشَّمْسَ كرامةً لفتح بيت المقدس .

10- فيه , وفي عموم الشام , الطائفة المنصورة .

 

حفظ اللهُ المسجدَ الأقصى وأهلَه وأعاننا على القيام بواجبنا تجاههم ..