arrow down

صفحة من التاريخ صلاح الدين الأيوبي

بقلم فضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

صفحة من التاريخ "صلاح الدين الأيوبي"

(*رموز المصطلحات: ق: متفق عليه – خ.م: رواه البخاري ومسلم - خ: رواه البخاري – ت: رواه الترمذي – د: رواه أبو داود – حم: رواه أحمد – ك: رواه مالك – م: رواه مسلم.- ط:رواه الطبراني)

نبذة عن حياته:

اسمه: الملك الناصر يوسف بن أيوب "نجم الدين" التكريتي.

ولد: في تكريت وقد قدمت أسرته من دوين بطرف أذربيجان وأهلها من الأكراد.

طلب العلم صغيراً: ومن مشايخه: أبي طاهر السلفي والفقيه علي أبي سعد والقطب النيسابوري وحدث أيضاً.

حياته العسكرية: اهتم به الملك العادل نور الدين، وأمره وبعثه في القيادة العسكرية منذ نشأته الأولى.

مظاهر التجديد في حياته في أمة الإسلام:

التجديد هو: إعادة نضارة وبهاء وإحياء ما أندرس من الدين ومعالمه ونشره بين الناس.

د هريرة: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

المظاهر:

1- دور العلماء ونشر العلم:

كان يقرب العلماء، ابن كثير: "كانوا لا ينقطعون عن غزاة يخرج منها صلاح الدين وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل".

الذهبي قال عن ابن قدامة: "كان قدوة صالحاً عابداً قانتاً لله ربانياً خاشعاً، قلما يتخف عن غزاة".

القاضي ابن الزكي قاضي الشام كان له منزلة عند السلطان وهو الذي خطب في المسجد الأقصى وهي من أبلغ الخطب وأشهرها وكان أول ما قال" {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45].

وأما نشر العلم:

- فأقيمت المدارس النظامية على المنهج الواضح والدعوة إلى السنة.

- ويعين لكل مدرسة المذهب الذي تسير عليه.

- ويعين أحد كبار العلماء ليدرس هذا المذهب أو ذاك.

قال نور الدين: "ما أردنا ببناء هذه المدارس إلا نشر العلم، ودحض البدع من هذه البلدة وإظهار الدين".

- جعل السلطان الأزهر جامعة سنية، وإنشاء دور القرآن والحديث.

- أبطل الباطنية في مصر وأقام السنة على مذهب مالك والشافعي.

2- بطانة السلطان:

كانت من خيرة العلماء الصالحين:

- القاضي الفاضل عبدالرحيم العقلاني أبو شامة: "كان ذا رأي سديد وعقل رشيد معظماً عند السلطان.

- بهاء الدين قراقوش: كان شهماً شجاعاً فاتكاً.

- الأمير سيف الدين بن المشطوب: كان شجاعاً صابراً في الحرب.

3- تحكيم الشريعة وإقامة العدل:

- نور الدين زنكي: أبو شامة: "كان نور الدين يتحرى العدل وينصف المظلوم من الظالم كائناً من كان".

- ابن الأثير: "وقد طالعت تواري الملوك المتقدمين من قبل الإسلام فلم أر فيه بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز ملكاً أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين".

- كان يعاقب أشد العقوبة إذا ظلم أحد أمرائه.

- أنشئت دار العدل في دمشق وكان يجلس بجوار القاضي لينصف المظلومين.

- شكى مرة إلى القاضي فنزل إلى القضاء مثل غيره فكانت الدعوة كاذبة فعفى عن خصمه.

أما السلطان صلاح: كان يجل لعدل في كل يوم اثنين في مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء كان يفعل ذلك سفراً وحضراً.

العثمانيون والحروب الصليبية:

هزمت أوروبا أمام العثمانيين في كوسوفو وكانت حملة من الصليبيين ضد المسلمين وقتل منهم الكثير وغرق منهم في نهر الدانوب، وكان النصر على يد محمد الفاتح.

حاول الصليبيون تمزيق الخلافة العثمانية بمحاولات شتى حتى تمكنوا من ذلك عن طريق اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة عام 1915م وتم إلغاء الخلافة على يد أتاتورك والذي غير العالم الإسلامي لتركيا.

الاستعمار الغربي غزو صليبي جديد:

قال القائد الإنجليزي "اللنبي" وهو يدوس على قبر صلاح الدين: "الآن انتهت الحروب الصليبية".

وكان مقاتل إيطالي يودع أمه قائلاً: "أما لا تبكي بل اضحكي وتأملي ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني أنا ذاهب إلى طرابلس فرحاً مسروراً لأبذل دمي في سحق الأمة الملعونة ولأحارب ديانة الإسلام...".

آثار الهجمة الاستعمارية:

- وضعوا الحدود بين ديار الإسلام.

- أطلقوا يد المنصرين.

- غيروا المناهج على الطريقة العلمانية.

تعاونت أوروبا مع الصهيونية:

احتضنت بريطانيا الحركة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين وأعطت وعد بلفور ثم مكنت لدولة يهود حتى تحققت عام 48م.

ساهمت أمريكا وأكملت المشوار بعد بريطانيا في رعاية اليهود:

- مدركين أهمية الوعد المفترى بأحقية اليهود في أرض فلسطين.

- الدفاع عنها في كل المحافل الدولية.

- التعاون اللامحدود لدعم إسرائيل بالمال والسلاح.

- رفع المكوس والضرائب عن الناس وازدهرت الدولة وعم الخير.

4- إحياء السنة وقمع البدعة:

- أسقطت الدولة الفاطمية في مصر وأعلن تبعية الدولة للخلافة العباسية.

- منع التظاهر بسب الصحابة.

- أخرج العبيديين من الوظائف والجيش.

قيل عنهما شعر:

ألستم مزيلي دولة الكفر من بني *** عبيد بمصر إن هذا هو الفضل

زنادقة شيعية باطنية *** مجوس وما في الصالحين لهم أصل

يُسرون كفراً يظهرون تشيعاً *** ليشتروا شيئاً وعمهم الجهل

5- وضوح الولاء والبراء:

{تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة:80].

قيل الشعر في السلطان:

يا ناصر الإسلام حين تخاذلت *** عنه الملوك ومظهر الإيمان

بك أعز لله حزب جنوده *** وأذل حزب الكفر والطغيان

6- إحياء روح الجهاد في الأمة:

- كان السلطان شديد المواظبة على أمر الجهاد.

- قنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهبها الرياح.

- كان مريضاً وفيه دمامل من وسطه إلى ركبتيه ولكنه خرج للقتال وكان يقول:

"إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل".

- كان يرسل الكتب للأمراء لاستنفار المسلمين.

- كانت المنابر عامرة في الدعوة للجهاد والدعاء للجيش بالنصر.

- كان ينادي في المعارك "يا للإسلام" ليثير المشاعر.

7- هل انتهت الحروب الصليبية:

الحملة السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنا ووقف له بيبرس بعد وفاة صلاح الدين وقدر المؤرخون القتلى من العدو بـ (30) ألف والأسرى الله أعلم بهم.

وتم تطهير بلاد الشام منهم ولم تبق لهم باقية.

الحملة الثامنة: وقادها لويس نفسه وقد غدر بوعده ألا يعود لقتال المسلمين ونزل في تونس وحاصر قرطاجة وبعد 4 أشهر جاءهم وباء قضى أكثر الجيش الصليبي ومنهم ويس فدفن في قرطاجة عام (669هـ).

الأندلس وحرب الإبادة:

دعا ملك قشتالة من النصارى المسلمين إلى التنصر وذلك عام (904هـ) فصارت الأندلس نصرانية ولم يبق من المسلمين إلا من ينطق بالتوحيد خفية.

هاجر البعض تحت نيران الاعتداء ولكن قتل منهم مائة ألف مهاجر كانوا في طريقهم إلى أفريقيا:

قال الشاعر:

تبكي الحنفية البيضاء من أسف *** كما بكى لفراق الالف هيمان

حيث المساجد قد صارت كنائس ما *** فيهن إلا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة *** حتى المنابر ترثي وهي عيدان

لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان

- كان يرتل القرآن في بدء المعارك، ويحذر الفقهاء المجاهدين من الفرار ويذكرونهم بما أعد للشهداء.

- كانت تقام فيهم الجماعة وهم في القتال ويسمع دوي التكبير والتهليل.

- أخذ بكل وسائل الحرب الناجعة من بناء الحصون وقوة الأسطول الحربي، وحسن المكيدة في الحرب.

7- إقامة الوحدة الإسلامية:

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ...} [آل عمران:103].

وحد الشام والجزيرة مع الموصل.

فتح مصر وأخذت من الباطنيين.

استمر توحيد البلاد من عام (570-579ه).

قيل في ذلك شعر:

الحمد لله زالت دولة الصلب *** وعز بالترك دين النبي العربي

جيش من الترك ترك الحرب عندهم *** عار وراحتهم ضرب من الوصب

8- تحقيق الازدهار والرخاء:

إقامة المستشفيات وخانات للمسافرين.

بناء المساجد والمدارس.

تأمين وسائل الزراعة.

التورع في الإنفاق من أموال الدولة فكان السلطان كأفقر الناس.

جهاده ضد الصليبيين:

1- جهاده قبل طين:

هاجم عسقلان وغزة وهزمهم في عام (573ه).

موقعة بانياس قرب تل القاضي هزمهم وأسر كثيراً من الأعيان منهم في عام (575ه).

قتل بيده أرناط الغادر والذي قتل حجاج المسلمين وكان قد صالحه السلطان ولكنه غدر وأراد مهاجمة الحرمين الشريفين وأسر البعض.

وقال: قولوا لمحمد يخصلكم" وبعد حطين قبض على أرناط وقتل بيده جزاء ما فعل.

2- حطين: عام (583ه):

أشهر معركة فاصلة مع الأعداء جمع المجاهدين من بلاد الإسلام الجزيرة الشام الموصل ومصر.

مكان المعركة: في سهل سفورية قرب عكار وهو مكان كثير المياه والمرعى.

كان العدو في مكان ليس فيه ماء وكانوا عطشى وهم في رأس جبل.

ظلوا في الجبل "حطين" وأرادوا نصب الخيام ولكن المسلمين هجموا عليهم وقتلوا منهم وسقط الصليب وسقطت خيمة الملك.

نزل صلاح الدين وسجد شكر لله تعالى وبكى من الفرح.

3- استرداد بيت المقدس:

حاصر السلطان بيت المقدس وكان العدو متحصن فيها وكاد أن يفنى المسلمون.

طلب العدو الصلح فصالحهم على أن يعيدوا بيت المقدس وعادت ورجع المسجد الأقصى لحضيرة الإسلام ونكس الصليب مما أبكى الصليبيون.

مات البابا كمداً وحنقاً عندما علم بما جرى لأصحابه وقام البابا بتحريك الجيوش والحملات ولكنها لم تكن بأقوى من السابقة.

استمر جهاده (573-588ه) "(15) سنة".

قال رشيد بن بدر النابلسي:

بمثل ذا الفتح لا والله ما حكيت *** في سالف الدهر أخبار ولا سير

يا بهجة القدس، إذ أضحى به علم *** الإسلام من بعد طيء وهو منتشر

يا نور مسجده الأقصى وقد رفعت *** بعد الصليب به الآيات والسور

شتان مما بين ناقوس يدان به *** وبين ذي منطق يصغى له الحجر

ثم قال:

أضحى بنو الأصفر الأنكاس موعظة *** فيها لأعدائك الآيات والنذر

هذا الذي سلب الافرنج دولتهم *** وملكهم يا ملوك الأرض فاعتبروا

دروس وعبر من الحروب الصليبية:

1- الصراع الذي وقع منطلقاته عقدية من الطرفين وأي طرف يتنازل عنه يخسر المعركة.

2- دور القيادة الدينية في إشعال لهيب الحرب ابتداءاً من القساوسة وانتهاء بعلماء المسلمين.

3- أن الأماني لا تجدي ولا تنفع في الصراع بل لابد من الأخذ بالأسباب.

4- أن الأمة لم يدب فيها الوهن كما يحصل اليوم بل استفاقت بسرعة وعاودت الكرة.

5- أن الأمة يمكن أن تعود لمجدها والتاريخ الذي مضى.

6- أن الدين له حملته وإن لم يكن من العرب أو من نسب عالٍ مثل صلاح الدين.

7- أن الوحدة علامة القوة وأن حب الزعامة والعصبية علامة الضعف.

8- أن العدد لا يغير على الأمة إلا في حال ضعف في دينها وشتى مناحي حياتها.

9- أن العدو يدرس واقعنا قديماً وما زال يخطط في الحاضر كما يحصل عند اليهود من دراسة حال صلاح الدين والسعي لعدم تكراره.

10- خطورة النفاق من الفرق الشيعية والباطنية وخسارته.

11- المعالجة الداخلية هي بداية طريق الحل.

12- طريق الحل انهائي هو الجهاد وحتمية المواجهة مع المشركين.

13- الأمة كلها لابد أن تشارك في القرار النهائي.

14- العدو لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة كما وقع من القتل الصليبي للمسلمين.

15- منطلق صراعنا مع الكفار من الأخلاق الإسلامية فلا غدر.

 

16- تصميم العدو عبر حروبه ومحاولاته على اجتثاث الإسلام.