arrow down

تقويم للفضائيات العربية

بقلم فضيلة د. محمد يسري إبراهيم ( نائب رئيس رابطة علماء المسلمين )

إنَّ مصطلح "الفضائيَّات العربية" يُطلِقه البعضُ لا في مقابل الفضائيَّات الأجنبيَّة أو الغربيَّة؛ وإنَّما في مقابلة ما اصطُلِح عليه بالفضائيَّات الإسلاميَّة، ومع كوْن مصطلح الفضائيَّات العربيَّة يُلقِي بظِلالٍ تفصل بين المكوِّن الديني والإسلامي والمكوِّن العربي لهذه القنوات، ويَطرَح سؤالاً حولَ العلاقة بين الثقافة والدعوة الإسلاميَّة والقنوات الفضائيَّة العربيَّة، وهل يمكن تجريد تلك القنوات العربيَّة عن أبعادها الدينيَّة ووظائفها الشرعيَّة والدعويَّة؟ وإذا وُجِدَ المكوِّن الإسلامي في هذه القنوات العربيَّة، هل سيُوجَد باعتباره عُنصرًا متميزَ المحتوى، أم أنَّه سيعدُّ معيارًا ضابطًا ومقياسًا محددًا لِمَسِيرة وإيقاع تلك القنوات؟

وبناءً على ذلك تتحدَّد المرجعيَّات المسؤولة عن تلك الفضائيَّات العربيَّة، وهل هم أهل العلم الشرعي والدعوة إلى الله، أم الإعلاميون، أم المنتجون، أم أنَّ الأمر يحتاج الفئات الثلاث جميعًا؟

وأيًّا ما كان الموقف من المكوِّن الشرعي في الفضائيَّات العربيَّة، فإنَّ ظهور القنوات الدينيَّة الإسلاميَّة كان تطوُّرًا طبيعيًّا للإعلام الفضائي العربي.

والحق أنَّ البعض ما يزال يرى أنَّ هذه القسمة الفضائيَّة إلى عربي وإسلامي قسمةٌ غير عادلة؛ إذ المفترض "أنَّ الدعوة إلى الإسلام هي دعوةٌ للدفاع عن القِيَم السامية للمجتمع المسلم؛ وبِناءً على ذلك يُفتَرض أنْ تكون هذه هي رسالة جميع القنوات الفضائيَّة، ولا يَصِحُّ أنْ تُصنَّف الفضائيَّات إلى إسلاميَّة، وأخرى تُبِيح الفَواحِش وتصدر العريَ والابتذال"[1].

وإذا كان الجمهورُ الأكبر من أهل العلم المعتبَرِين قد أدارُوا ظُهورَهم للقنوات الفضائيَّة العربيَّة بوَصفِها غير إسلاميَّة، فإنَّ عددًا من العُلَماء والدُّعاة قد قرَّروا أنْ يقتَحِموا هذا الخضمَّ، وأنْ يَدخُلوا هذا المعترك؛ لاعتباراتٍ عديدة، منها: الوصول إلى شَرائِح غائبة عن نِطاق الدَّعوة الإسلاميَّة، ومُزاحَمة أهل الباطل بِمُشاركتهم في تلك القنوات، وتكثير الخير فيها وتقليل شرِّها، واستِفاضة البلاغ، وإقامة الحجَّة، ونحو ذلك من المقاصد.

وتحت ضغْط الجمهور الذي بدَأ يُقبِل ويستَمِع ويُطالِب، فسحَتْ تلك القنوات لهذه البرامج وزادَتْ من وقتها وتنوُّعها!

ومع هذا، فإنَّ غالبيَّة تلك الفضائيَّات لا تعتَنِي بالتخطيط لتلك البرامج من خِلال إدارتها المتخصِّصة؛ وإنما تكتَفِي بما يُعرَض عليها من برامجَ وموادَّ من مُؤسَّسات الإنتاج الخاصَّة، أو ما تُنتِجه من موادَّ وبرامجَ مُرتَجلةٍ مُباشِرة، ويبدو كثيرٌ من تلك البرامج في قَوالِب تقليديَّة غير مشوِّقة أو متنوِّعة، مع ضعفٍ في مُعدِّيها ومُقدِّميها، وضَحالة فكريَّة ومهنيَّة معًا، ولا تخلو الأمور أحيانًا من وجود بعض الضَّعف لدَى ضيوفها والمشاركين فيها، أو عدم الإعداد الكافي لها، أو قلَّة الخبرة والدربة في التعامُل مع وَسائِل الإعلام المرئي، ولا سيَّما في البرامج الحواريَّة المباشرة.

وعلى صعيدٍ آخَر، فإنَّ القنوات الفضائيَّة العربيَّة لم تَرْقَ إلى مستوى الطموحات الإعلاميَّة، حتى وصَفَها التقرير الإستراتيجي الصادر عن مركز الدراسات السياسيَّة والإستراتيجيَّة التابع لمؤسسة الأهرام القاهريَّة، فقال: "لا يُثِير استغرابًا أنْ تعجز القنوات الفضائيَّة العربيَّة عن الارتفاع إلى مستوى الفضاء الذي تعمل فيه"، ويُضِيف أيضًا: "بعد ما يَقرُب من عقدٍ على دُخول العرب مجال الفضائيَّات، ما يَزال العرب على هامش الإعلام العالمي، وما برح هذا الإعلام العالمي هو المصدر الأوَّل لمعلوماتنا"[2]؛ حيث تعتَمِد تلك الفضائيَّات على وكالات الأخبار الغربيَّة المصورة في نشراتها الإخباريَّة، تلك المواد المصورة التي تصل نسبتها 90%.

ومع أنَّ هذه القنوات تدَّعي الشُّمول والتكامُل، إلاَّ إنها - وللآسف - ترتكز على محورَيِ الدعاية والترويج السياسي والتجاري، والترفيه غير المُنضَبِط في كثيرٍ من الأحيان.

ولا شكَّ أنَّ هذا كلَّه انتَهَى إلى تفضيل المُشاهِد العربي للقَنوات الأجنبيَّة، مع ما تَستَتْبِعه من التغريب وطمْس الهويَّة، والتعرُّض للغَزو الثقافي والفكري، والوُقوع في أسْر التبعيَّة والعَوْلَمة الثقافيَّة.

وقد أظهرَتْ دراسةٌ ميدانيَّة أنَّ المشاهدين في مصر والسعوديَّة والمغرب يُفضِّلونها أجنبيَّة عِوَضًا عن العربيَّة؛ حيث تحتَرِم تلك الفضائيَّات عقليَّات المُشاهِدين فلا تخدَعها أو تستَهِين بها، ولأنَّ موادَّها تجمَع بين الفائدة والمُتعة، وتُتابِع الحدَث فَوْرَ وُقوعِه لتنقله بمصداقيَّةٍ ما.

وأخيرًا:

فإنَّ تلك الفضائيَّات العربيَّة الخاصَّة قد غلب عليها جشَع التجار، وجريهم وَراء الكسب فحسب، فغلبت المواد الإعلاميَّة والاستهلاكيَّة التي تتَّسِم بالرَّداءة والسطحيَّة، كما ضاعت الثقافة والرسالة والهُويَّة بين تلك الإعلانات التجاريَّة ذات الإشارات الجنسيَّة!

كما قدمت برامج للمُشعوِذين الدجَّالين، لابتِزاز المُشاهِدين، وبرامج للقاء الشاذِّين أخلاقيًّا والمنحرفين، وبرامج أخرى لاستِفزاز المتابعين أخلاقيًّا واجتماعيًّا، وما خبر برامج سوبر ستار وستار أكاديمي اللَّذَيْن تبثُّهما (LBC) اللبنانيَّة عنَّا ببعيد.

وقبل مُغادَرة هذه النقطة، فإنَّ الإنصاف يقتَضِي الإشارة إلى ما أحدثَتْه هذه الفَضائيَّات العربيَّة من كسرٍ لكثيرٍ من حَواجِز الخوف في قُلوب أُمَمٍ متردِّدة في التعبير عن آرائها، وتحطيم أغْلالٍ من الوَهم المصنوع؛ بسبب تسلُّط كثيرٍ من الأنظِمة، بل وتجاوز الأمر ذلك إلى الجرأة على نقْد الواقع.

كما عملتْ هذه القَنوات على رفْع مُستَوى الوعي العام، والمتابعة الموسَّعة، والتغطية السريعة للأخبار والأحداث المختلفة؛ بحيث تفوَّقت بعض الفضائيَّات العربيَّة في متابعة أحداث معيَّنة كالحرب الأمريكيَّة على العراق، وتمكَّنت من إعطاء صورةٍ صادقة لما يَجرِي على الأرض دون تحيُّز للقنوات الغربيَّة الغازية[3].

ومن الإيجابيَّات المرصودة لتلك الفضائيَّات ما نتج من التواصُل الإيجابي بين أبناء الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، الأمر الذي قد يُسهِم بشكلٍ مباشر في تشكيل رأيٍ عربي موحَّد حول كثيرٍ من الأحداث الجارية على الصعيدين: المحلي والدولي.

وفي خِضَمِّ هذا المُعتَرك المُتداخِل الألوان ظهرت الفضائيَّات الإسلاميَّة، لتَقُوم تجربتها جنبًا إلى جنبٍ بجوار التجربة الفضائيَّة العربيَّة، وهذا أوانُ تَسلِيط الضوء على تلك التجربة.

--------------------

[1] فهمي هويدي في جوابه لسؤالٍ عن غِياب الفضائيَّات والبرامج الدينية الهادفة.

[2] التقرير الإستراتيجي الصادر عام 1998م.

 

[3]"هيمنة الإعلام على بلاد الإسلام"؛ د. وائل محمد الحساوي، دار غراس، الكويت، 1426 هـ (ص: 106).