arrow down

مصطلحات في القرآن الكريم .. مصطلح الإحصاء

بقلم فضيلة أ.د. محمد أمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الإحصاء من الوسائل التنظيمية التي تساعد على مراعاة كل المعطيات، وتحديد مستوى الحركة واتجاهها. فهو ضرورة لمعرفة الوضع الاقتصادي والسكاني، وتقدير أي موقف عسكري.

هذا بالنسبة للبشر. أما الله عز وجل فإحاطته إحاطة تامة بكل شيء، وعلمه وسع كل شيء. فعلمه سبحانه وتعالى بالغ شامل لجميع المعلومات محيط بها، سابق على وجودها، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن عمله شيء، فهو عليم بكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. كما أن علمه تقدست أسماؤه لا نهاية له، ثابت لا يزول، لا يتغير بتغير المعلومات، ولا يزيد  بالإضافة، ولا ينقص بالنقصان، مستفادة منه الأشياء، أي أن علمه سابق للأشياء وسبب لها( 1 ).

وقد جاء في الحديث الذي رواه عبد بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كتب الله مقادير الخلائق  قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة"( 2 ). وهذه المقادير مثبتة ومحصية في اللوح المحفوظ: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [يس: 12].

فما من شيء في حياة الخلائق جميعا ومن حولهم إلا وهو في قبضة علم الله تعالى لا يند منه شيء، بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدًّا، وهو دقيق الإحاطة والعلم: وأحصى كل شيء عددا [الجن: 28]..

وإذا علم العبد بأن الله عز وجل عالم به، مطلع عليه يحصي عليه أنفاسه، رقيب حفيظ على أفعاله، فإن ذلك يثمر له الخشية والمراقبة، ويحمله على الاستقامة والبعد عن المعصية. وإذا كان نسي شيئا من الأعمال التي عملها في الدنيا، فإنها لا تغيب عن الله جل ذكره، أحصاها بعلمه، ويجدها الإنسان يوم القيامة في كتابه عندما يقف بين يدي الله تعالى للحساب.

واللاهون الغافلون في هذه الدنيا عن هذا المشهد الرهيب يوم القيامة سيندمون، وستمتلئ قلوبهم حسرة على تقريطهم وإساءتهم عندما يوضع سجل أعمالهم أمامهم، وهم يتملونه ويدققون فيه بلهفة وحسرة، فإذا هو شامل دقيق، أحصى كل شيء. وهم خائفون ضيقوا الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة، ولا تند عنه صغيرة ولا كبيرة.

وتقديم الصغيرة في الكتاب العزيز، لأنها أهم من حيث يتعلق التعجب من إحصائها، وعطفت عليها الكبيرة لإرادة التعميم في الإحصاء، لأن التعميم أيضا مما يثير التعجب، فقد عجبوا من إحاطة كاتب الكتاب بجميع الأعمال( 3 ).

وهذا الكتاب الرباني لم يظلم الكافرين والمنافقين، وإنما أحصى عليهم ما عملوه، ولم يحمل عليهم شيء لم يعملوه، لأن الله عز وجل لا يظلم أحدا فيؤاخذه بما لم يقترفه. وقد حدد لهم من قبل ما ليس لهم أن يفعلوه وما أمروا بفعله، وتوعدهم ووعدهم، فلم يكن في مؤاخذته لهم بما عملوه من المنهيات والمحظورات بعد ذلك ظلم لهم.

ولذلك فهم يدعون على أنفسهم يومئذ بالويل والثبور. وهي مقولة الظالم لنفسه، المحسور الخائف المتوقع لأسوأ العواقب، وقد ضبط مكشوفا لا يملك تفلتا ولا عذرا، ولا مغالطة ولا مداورة: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49].

1 - زين محمد شحاته: أسماء الله الحسنى، ص 380-381.

2 - أخرجه مسلم في جامعه الصحيح، كتاب القدر، رقم 2653، 4/2044.

3 - ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، 15/339.