arrow down

مأساةُ اللاجئين الأفارقة .. متجدِّدة

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

عشراتُ الآلاف من الأفارقة ينزَحون لاجئين إلى اليمن رغم أهوال البحر ، وإجرام المهرِّبين الخونة ، والحرب المستمِرَّة في اليمن ، والأزمات الإنسانيَّة المتفاقِمَة فيها يومًا بعد يوم .. ويَصِلُون إلى اليمن بحرًا وقد مات منهم مَن مات ونجا منهم مَن نجا ، وفي هذا الأسبوع وحدَه غَرِقَ أكثر من مائةِ شخصٍ في سواحل أبين وشبوة ؛ بسبب إجبار المهرِّبين لهم على النُّزول إلى الماء خوفًا من الملاحقات الأمنيَّة مما يُعَرِّضُهم للغرق والهلاك ..

فعلى مَن تقع جريرةُ دماء هؤلاء اللاجئين المسلمين ؟!!

أعلى أمراء الحرب المجرمين في بلدانهم ؟!!

أم على المهرِّبين الباحثين عن المال ولو بالتفريط في دماء الأبرياء ؟!!

أم على القوَّات الأمنيَّة التي تراقب الشواطئ فتصدَّ عباد الله عن أرض الله ؟!!

أم على المجتمع الدولي ؟!!

لا شكَّ أنَّ هؤلاء جميعًا مشاركون بدرجةٍ أو بأخرى في هذه الجريمة ..

وكلُّ ذلك بمسمعِ ومرأَى العالم كلِّه ، ودون نكير من أحدٍ إلا ما ندَر مما لا يغيِّر واقعًا ولا يؤلم مجرمًا من هؤلاء جميعًا ..

إنَّ عمومَ أهل اليمن هم مَعدِنُ الإيمان والكرم ، وهم - بلا شكٍّ - يرحِّبون بمن هاجر

إليهم من إخوانهم المؤمنين من أيِّ بُقعةٍ في الأرض , سواءً كان سببُ هجرتهم فرارًا من ظُلم الحكَّام الظلمة , أو هلكة الحروب , أو حتى الفقر والجوع  .

و أهلُ  الفاقة والاحتياج يتعيَّن مساعدتهم ؛ ففي عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حدث أن نزل بالمدينة أقوامٌ من فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فواساهم وأمر بالتصدُّق عليهم ؛ فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : بينما نحن في سفرٍ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له ، قال : فجعل يصرف بصرَه يمينًا وشمالًا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( مَن كان معه فضلُ ظهرٍ فليَعُدْ به على مَن لا ظَهرَ له ، ومَن كان له فَضلٌ مِن زَادٍ فَليَعُدْ به على مَن لا زادَ له . قال : فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنَّه لا حقَّ لأحدٍ منَّا في فضل))  . [رواه مسلم (1728)] .

قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - :

 في هذا الحديث الحثُّ على الصدقة ، والجود والمواساة ، والإحسان إلى الرِّفقة والأصحاب ، والاعتناء بمصالح الأصحاب ، وأمرُ كبيرِ القوم أصحابَه بمواساة المحتاج ، وأنَّه يكتفي في حاجة المحتاج بتعرُّضه للعطاء وتعريضه من غير سؤال ، وهذا معنى قوله : فجعل يَصرف بصرَه . أي : متعرِّضًا لشيءٍ يَدفع به حاجته ، وفيه مواساة ابن السبيل ، والصدقة عليه إذا كان محتاجًا ، وإن كان له راحلة وعليه ثياب أو كان موسِرًا في وطنه ولهذا يُعطَى من الزكاة في هذه الحال والله أعلم .اهـ [شرح مسلم (12/33)] .

وعن جرير - رضي الله عنه - قال : كنَّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر النَّهار ، قال : فجاءه قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابي النِّمار أو العباء متقلِّدي السيوف ، عامَّتهم من مضر بل كلُّهم من مُضَر ؛ فتمعَّر وجهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى بهم من الفاقة ؛ فدخل ثمَّ خرج ؛ فأمر بلالًا فأذَّن وأقام فصلَّى ثمَّ خطب فقال : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ...﴾ إلى آخر الآية ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر :﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ . تصدَّق رجلٌ مِن ديناره مِن درهمه مِن ثوبه مِن صاع بُرِّه مِن صاعِ تمرِه ، حتى قال : ولو بِشِقِّ تمرة . قال : فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كَادت كفُّه تَعجزُ عَنْها بَل قد عَجِزَت . قال : ثمَّ تتابع النَّاس حتَّى رأيتُ كومَين من طعامٍ وثيابٍ ، حتى رأيتُ وجهَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتهلَّل كأنَّه مذهبة . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فلهُ أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بِها بعدَه مِن غَير أن ينقُصَ مِن أُجورِهم شيءٌ ، ومَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سيِّئةً كان عليه وزرُها ووزرُ مَن عَمِلَ بِها مِن بعدِه مِن غَيرِ أن يَنقُصَ مِن أَوزارهم شيءٌ )) . [رواه مسلم (1017)] .

هذا الذي أدخل السرورَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو نفسُه الذي يجري عكسُه في اليمن وغيرِها من البلاد , وهذا الذي أغضب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - هو نفسُه الذي يُمارَس في الأرض اليوم ..

فمَن أراد الرزق حقًّا فعليه إكرامُ هؤلاء الضعفاء بنيِّةٍ خالصةٍ لله - عزَّ وجلَّ - , ألم تسمعوا قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))  . [رواه البخاري (2896) من حديث سعد - رضي الله عنه -] .

قال الحافظ : في رواية النَّسائي : إنَّما نصَرَ اللهُ هذه الأمَّة بضَعَفَتهم , بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم ... , قال ابن بطَّال : تأويلُ الحديث أنَّ الضُّعفاء أشدُّ إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلُّق بزخرف الدنيا .اهـ [فتح الباري (6/89)] .

ومن الجدير بالذِّكر أنَّ المحافظة على الصلاة والأمر بها من أعظم أسباب استجلاب الرِّزق والرخاء , قال تعالى : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [ طه/132] .

وضيوفُ اليمن هؤلاء أكثرُهم مِن الأطفال والنِّساء والمنكسرين الَّذين فقدوا مَن يُعيلُهم بفعل الحروب والمجاعات فلو أعنتموهم في محنتهم لأصابتكم رحمةُ الله - عزَّ وجلَّ - ونصره فيُصلِحُ اللهُ البلاد والاقتصاد وعامَّة المشكلات .. واللهُ - عزَّ وجلَّ - يُكافئ مِن جنس العمل فإن أكرمتم هؤلاء لإسلامهم ولكونهم عبيدًا لله - عزَّ وجلَّ - لكان - قطعًا ويقينًا - جزاؤكم الإكرام من الله تعالى .. في الدنيا والآخرة ..

نعم قد يُوجَد في صفوف هؤلاء اللاجئين دَخَن , ومَن هو متمرِّد على الله ورسوله , وذلك لا ينبغي أن يصدَّنا عن استقبال هؤلاء اللاجئين وإغاثتهم , وهداية الضَّال منهم , ومحاولة دعوة وإصلاح الفاسدين ..

إنَّ العدل والإحسان الذي أمر اللهُ به هو الحقُّ الذي لا محيدَ عنه ,  فلا يُؤخَذ مظلومٌ بجريرةِ ظالمٍ ولا يُترَك ظالمٌ ليُفسِد في الأرض بدعوى الإكرام .. وهذه هي الوظيفة الحقيقية المفترضة لأجهزة الأمن .. إنَّها معادلةٌ صعبةٌ , ورغم ذلك يجب أن تُحَلَّ وتُؤخَذَ بعين الاعتبار والاهتمام ؛ قال الله - عزَّ وجلَّ - :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة المائدة/8] .

 

أعزَّ اللهُ عبادَه المستضعفين في الأرض ، وحمى اللهُ بلاد المسلمين من كلِّ سوء ..