arrow down

من مظاهر التوحيد في فريضة الحج

بقلم فضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

استهلال:

إن فريضة الحج من أعظم العبادات التي ميزها الله عن سائر العبادات، وقد جمع الله فيها بين العبادة المالية والبدنية.

وجعلها الله تعالى مرة في العمر لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فلا يحج المسلم إلا إذا ملك الزاد (النفقة) والراحلة قال تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]، فهذا معنى العبادة المالية، وحينما ينطلق الحاج من بلده فيترك الوطن والأهل والأحباب ويمشي في الطريق ويقطع الفيافي والقفار ويجد من العناء والتعب الشيء الكثير حتى يصل إلى تلك الديار المقدسة ثم يؤدي شعائر الحج متنقلاً ما بين الطواف والسعي والمبيت بمنى ثم الذهاب إلى عرفة والوقوف بها إلى غروب شمس ذلك اليوم ثم العودة إلى المزدلفة والمبيت فيها ثم العودة إلى منى ورمي جمرة العقبة والحلق والنحر ثم طواف الإفاضة وسعي الحج ثم العودة إلى منى والمبيت فيها ثلاث ليال مع رمي الجمار الثلاث وهذا هو معنى العبادة البدنية.

ولما كان توحيد الله هو المقصود من وجود الخلق؛ لأنه جل وعلى لم يرسل الرسل ولم ينزل الكتب إلا لتحقيق هذا المقصد العظيم قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، وقال أيضاً: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] أي ليوحدون كما قال ابن عباس.

ومن هذه الغاية كان حديثنا هذا حول هذا المعنى في هذه العبادة (مظاهر التوحيد في الحج)، ولذا كان افتتاح هذه الفريضة بالتلبية وهي رفع الصوت بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وهذا عكس ما كان يردده المشركون في الجاهلية من قولهم: "لبيك لا شريك لك إلا واحد هو لك تملكه وما ملك".

وعن جابر -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حج فخرجنا حتى إذا أتينا ذا الحليفة صلى في المسجد، ثم ركب القصواء حتى استوت به على البيداء، أهل بالتوحيد (لبيك اللهم لبيك...... إلخ)

وكان ختام فريضة الحج بالطواف والذكر وهو بمعنى إعلاناً بالتوحيد قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:200].

من مظاهر التوحيد في فريضة الحج:

أولاً: ارتباط هذا الأمر بنبي الله إبراهيم عليه السلام، فهو خليل الله وواحد من أولي العزم من الرسل، وهو إمام الموحدين وسيد الحنفاء، وقد مثل التوحيد أحسن تمثيل، وما أكثر مواقفه العظيمة التي امتحنه الله بها فوفى بها قال الله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النَّجم:37].

وقد أمر الله تعالى نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يتبع بهذا التوحيد الصافي وهذه الملة القويمة نبيه إبراهيم عليه السلام في آيات كثيرة قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ} [النحل:120]... إلى أن قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} [النحل:123] {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي يا محمد {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} وقال سبحانه: {قُلْ} أي يا محمد {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:161] وغيرها من الآيات.

ثانياً: النداء العام من قبل إبراهيم عليه السلام لجميع العالم، والذي جعل الحج يأخذ صفة اجتماع الحجيج في مشهد واحد على صعيد واحد بلباس واحد يدينون بدين واحد جميعهم يعبدون ويلبون ويلهجون بذكر واحد وهو التوحيد قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ....}. [الحج:27-28].

قال ابن كثير: ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببناءه، فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادي وعلينا البلاغ، فقام على مقامه وقيل على الحجر وقيل على الصفا وقيل على أبي قبيس وقال: "يا أيها الناس إن ربك قد اتخذ بيتاً فحجوه فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من في الأرحام والأصلاب وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة" "لبيك اللهم لبيك". هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف.

ثالثاً: الطواف والسعي ورمي الجمار؛ جعل الله تعالى الطواف حول البيت شعيرة من شعائر الحج يبتدئ من الحجر الأسود مكبراً الله وينتهي عنده بفعل ذلك سبع مرات معظماً ربه شاكراً لفضله ونعمه ذاكراً ربه سبحانه وتعالى، وكذلك عند رمي الجمار بسبع حصيات يكبر الله -عز وجل- عند كل رمية، كل ذلك شرع لتعظيم الله وتوحيده قال صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى» [رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وصححه].

رابعاً: الاتجاه إلى المسعى والوقوف عليه واستقبال القبلة والنداء بالتوحيد؛ ففي حديث جابر -رضي الله عنه- في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيها: "... ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنى من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} [البقرة:158] «أبدأ بما بدأ الله به» فرقى الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات... الحديث".

خامساً: الوقوف بعرفة وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الحج عرفة، وأفضل ما يردده المسلم في هذا الموطن العظيم هو التوحيد ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

سادساً: الهدي واستحباب الإكثار منه تعظيماً لله وتوحيداً له إن الحاج لبيت الله -عز وجل- يجب أن يهدي إذا كان قارناً أو متمتعاً والإكثار من الهدي مستحب لفعله صلى الله عليه وسلم فقد أهدى -شاكراً الله- مائة بدنه نحر منها بيده الشريفة ثلاثة وسبعون بدنه، وترك الباقي لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وقد بين ذلك بقوله: «أفضل الحج العج والثج»، والعج: رفع الصوت بالذكر. والثج: هو سيلان دماء الهدي. والحاج عندما يقوم بذبح الهدي إنما يفعل ذلك تقرباً لله -تبارك وتعالى- شاكراً له، ولذلك يسميه العلماء (هدي شكران) وبقدر ما يكون في قلب الحاج من توحيد الله والإخلاص والتعظيم له يكون القبول من الله تعالى يقول الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} [الحج:37].

والشاهد من الآية قوله: {وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37]، وقوله: {لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37]، فالذي يريده الله منا هو تعظيمه وتوحيده.

ومن تأمل مشاعر الحج ونسكه علم أن جل هذه الفريضة يعيش فيها المسلم ويقف على أعظم مقصود وأَبين مطلوب ألا وهو التوحيد لله جل وعلى، ويدور في جو مفعم بهذا المعنى الذي قد يغفل كثير من الناس عن تحقيقه في نفوسهم فضلاً عن أن يفهموا دلالته في تحقيق هذا الأمر في واقعهم من الاستسلام الكامل مع الخضوع والذل لرب العباد، والرجوع والتحاكم إلى شرعه ودينه ليتواءم المعنى الكوني مع المعنى الشرعي الذي أراده الله تعالى من العباد كما قال سبحانه وتعالي: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}. [الإسراء:42-44]، وقال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ} [فصِّلت:9]، ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصِّلت:11].

 

نسأل الله أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً وأن يعز دينه وينصر أولياءه إنه على كل شيء قدير.