arrow down

صنم العلمانية

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

قال الله تعالى على لسان الخليل إبراهيم - عليه السلام - {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } فإذا كان الخليل - عليه السلام - خاف على نفسه وعلى بنيه من عبادة الأصنام فغيره مِن باب أولى أن يخاف من عبادتها ..

وقد بوَّب الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهَّاب لهذه الآية : باب الخوف من الشرك . وقال - رحمه الله - : المسألة العظيمة : سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام .

ولئِن كانت الأصنام في القديم عبارة عن أحجار وأشجار .. فهي اليوم مبادئ تحملُ أسماءَ رنَّانة مثل الوطنيَّة والقوميَّة والإنسانيَّة والديموقراطيَّة والعلمانيَّة .. 

*ما هي العلمانيَّة :*

لقد كفتنا القواميس في البلاد الغربيَّة ، التي نشأت فيها العلمانيَّة مؤنةَ البحث والتنقيب ، عن ماهيَّة العلمانيَّة , فقد جاء في القاموس الإنجليزي ، أنَّ كلمة ( علماني ) تعني :

1- دنيوي أو مادي .

2- ليس بديني أو ليس بروحاني .

وجاء أيضًا في القاموس نفسه ، بيانُ معنى كلمة العلمانيَّة ، حيث يقول : العلمانيَّة : هي النظريَّة التي تقول : إنَّ الأخلاقَ والتعليمَ يجب أن لا يكونا مبنيين على أُسُسٍ دينيَّة .

وجاء في دائرة المعارف البريطانية ، أنَّ العلمانية : حركة اجتماعيَّة ، تهدف إلى نقل النَّاس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب .

ودائرة المعارف البريطانيَّة حينما تحدَّثت عن العلمانيَّة ، تحدَّثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد ، والذي قسَّمته إلى إلحادٍ نظري وإلحادٍ عملي , وجعلت العلمانيَّة ضمن الإلحاد العملي . 

ومما تقدَّم ذكره نخلص إلى أمرين :

أولهما : أنَّ العلمانية مذهب من المذاهب الكفريَّة ، التي ترمي إلى عزل الدِّين عن التأثير في الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونيَّة وغيرها ، بعيدًا عن أوامر الدِّين ونواهيه .

 ثانيهما : أنَّه لا علاقة للعلمانيَّة بالعلم ، كما يحاول بعض المراوغين أن يلبِّس على الناس ، بأنَّ المراد بالعلمانيَّة : هو الحرص على العلم التجريبي والاهتمام به ، فقد تبيَّن كِذِبُ هذا الزعم وتلبيسه بما ذكر من معاني هذه الكلمة في البيئة التي نشأت فيها .

بل إنَّ « اللادينيَّة » هو الوصف الأقرب والأدقُّ لماهيَّة العلمانية .

*كيف ظهرت العلمانية ؟ :*

كان الغرب النصراني في ظروفه الدينيَّة المتردِّية هو البيئة الصالحة ، والتربة الخصبة ، التي نبتت فيها شجرة العلمانية الخبيثة وترعرعت ، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهورة هي أوَّل دولةٍ تُقيم نظامَها على أُسُسِ الفكر العلماني , ومحاربة الدِّين ومعاداته ، ولم يكن هذا الحدث حدثًا غريبًا في بابه ، ذلك لأنَّ الدِّين عندهم حينئذٍ لم يكن يمثِّل وحيَ الله الخالص ، وإنما تدخَّلت فيه أيدي التحريف والتزييف والتبديل ، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدِّين المبدَّل مع مصالح الناس في دنياهم ومعاملاتهم ، وكذلك تعارَضَ مع الحقائق العلميَّة الثابتة ، وهنا برز طغيان الكنيسة - الممثِّلة للدِّين عندهم - والتي جعلت ذلك الدِّين المحرَّف دينًا يجب الالتزام والتقيُّد به ، وحاكمَتْ إليه العلماءَ المكتشفين ، والمخترعين ، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلميَّة المناقِضة للدِّين المبدَّل ، واتهمتهم بالزندقة والإلحاد ، فقَتَلَتْ مَن قَتَلَتْ ، وحرَّقت مَن حرَّقت ، وسَجَنَتْ مَن سَجَنَت .

ومن جانبٍ آخر فقد أقامت الكنيسةُ تحالفًا غيرَ شريفٍ مع الحكام الظالمين ، وأسبغت عليهم هالاتٍ من التقديس ، والعصمة ، وسوَّغت لهم كل ما يأتون به من جرائـم وفظائع في حـقِّ شعوبهم ، زاعمـةً أنَّ هذا هو الدِّين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به .

ومن هنا بدأ النَّاس هناك يبحثون عن مهربٍ لهم من سجن الكنيسة ومن طغيانها ، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك ، إلا الخروج على ذلك الدِّين المبدَّل - الذي يحارب العلمَ ويُناصرُ المجرمين - والتمرُّد عليه ، وإبعاده وطرده ، من كافـَّة جوانب الحياة السياسيَّة ، والاقتصاديَّة ، والعلميَّة ، والأخلاقيَّة ، وغيرها . ثمَّ انجرَّ بهم الأمر إلى أن أعلنوها حربًا على جميع الأديان بشكل عام , فهربت أوروبا والغرب ليس من الدِّين المحرَّف فقط بل من كلِّ دين .

*دخول العلمانيَّة إلى بلاد المسلمين :*

إنَّ الإسلام هو دين الحقِّ المحفوظ من التبديل والتحريف , وهو دين العدل الذي لا يحابي أحدًا ، سواء كان حاكمًا أو محكومًا ، وهو الدِّين الذي يحافظ على مصالح الناس الحقيقيَّة في الدَّارَين ، فليس فيه تشريعٌ واحد يُعارض مصلحةَ البشرية ، وهو كذلك الدِّين الذي يحرص على العلم ويحضُّ عليه ، ومن هنا فإنَّ كلَّ الأفكار والمناهج التي ظهرت في الغرب بعد التنكُّر للدِّين والنفور منه ، ما كان لها أن تظهر ، بل ما كان لها أن تجدَ آذانًا تسمع في بلاد المسلمين ، لولا الاستعمار ثمَّ عمليات الغزو الفكري المنظَّمة ، والتي صادفت في الوقت نفسه قلوبًا من حقائق الإيمان خاوية ، وعقولًا عن التفكير الصحيح عاطلة ، ودنيا في مجال التمَدُّن ضائعة متخلِّفة .

و هناك طائفتان كان لهما دورٌ كبير و أثرٌ خطير في نقل الفكر العلماني إلى ديار المسلمين وهما :

1) النصارى العرب المقيمون في بلاد المسلمين و الذين ساهموا في نشر الفكر العلماني عن طريق وسائل الإعلام المختلفة ، وهذا يدلُّنا على خطورة تمكين أصحاب العقائد الفاسدة من دوائر التوجيه الفكري والتربوي للمسلمين .

2)  البعثات التعليمية التي ذهب بموجبها طلاب مسلمون إلى بلاد الغرب لتلقي أنواع العلوم الحديثة , حيث افتتن الطلاب هناك بما رأوا من مظاهر التقدم العلمي وآثاره ، فرجعوا إلى بلادهم محمَّلين بتلك الأفكار والنظم و العادات والتقاليد الرافضة لكلِّ ماله علاقة أو صلة بالدين ، وعملوا على نشرها والدعوة إليها ، وتلقاهم الناس فيه بالقبول الحسن ، توهمًا منهم أن هؤلاء المبعوثين هم حملة العلم النافع ، وأصحاب المعرفة الصحيحة .

*صور العلمانيَّة :*

للعلمانيَّة صورتان ، كلُّ صورةٍ منهما أقبح من الأخرى :

الصورة الأولى : العلمانيَّة الملحِدة : وهي التي تنكر الدِّين كُلِّيَّةً , بل وتحارب وتعادي مَن يدعو إلى مجرَّد الإيمان بوجود الله ، وهذه العلمانيَّة على فجورها ووقاحتها ، إلا أنَّ الحكم بكفرها أمرٌ ظاهرٌ ميسور لكافَّة المسلمين ، فلا ينطلي - بحمد الله - أمرها على المسلمين ،  وخطرُها من حيث التلبيس على عوامِّ المسلمين خطرٌ ضعيف  ، وإن كان لها خطرٌ عظيم من حيث محاربة الدِّين ، ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم , وقد خفتت كثيرًا بعد انهيار الشيوعيَّة .

الصورة الثانية : العلمانيَّة غير الملحدة وهي علمانيَّة لا  تنكِر وجودَ الله ، وتؤمن به إيمانًا نظريًا : لكنَّها تُنكِرُ تدخُّل الدِّين في شؤون الدنيا ، وتنادي بعزل الدِّين عن الدنيا ، وهذه الصورة أشدُّ خطرًا من الصورة السابقة , من حيث الإضلال والتلبيس على عوامِّ المسلمين ، فعدمُ إنكارها لوجود الله ، وعدمُ ظهور محاربتها للتدَيُّن يغطِّي على أكثر عوامِّ المسلمين حقيقةَ هذه الدعوة الكفريَّة ، فلا يتبيَّنون ما فيها من الكفر لقلَّة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدِّين ، ولذلك تجد عامَّةَ الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانيَّة تحارب الدِّين حقيقةً ، و تحارب الدعاةَ إلى الله  , وهي آمنة مطمئنَّة أن يصفها أحدٌ بالكفر والمروق من الدِّين ؛  وما ذاك إلا لجهلِ كثيرٍ من المسلمين بحقيقتها .

وخلاصة الأمر أنَّ العلمانيَّة بصورتَيها السابقتَين كفرٌ بواحٌ لاشكَّ فيها ولا ارتياب ، وأنَّ مَن آمن بأيِّ صورةٍ منها وقبِلَها فقد خرج من دين الإسلام والعياذ بالله ، وذلك أنَّ الإسلام دينٌ شاملٌ كاملٌ لكلِّ جوانب الحياة ، ولا يقبل ولا يُجيز أن يشاركه فيه منهج آخر ، قال الله تعالى مبيِّنًا وجوبَ الدخول في كلِّ مناهج الإسلام وتشريعاته : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ أي : في كلِّ شرائع الإسلام - كما ثبت ذلك عن مجاهد وقتادة - . وقال تعالى مبيِّنًا كُفرَ من أخذ بعضًا من مناهج الإسلام ، ورفض البعضَ الآخر ، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ . وقال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ . وقال - جلَّ وعلا - : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ .

والأدلَّةُ الشرعيَّة كثيرة جدًّا في بيان كفر وضلال مَن رفض شيئًا محقَّقًا معلومًا من دين الإسلام ، ولو كان هذا الشيء يسيرًا جدًّا ، فكيف بمن رفض الأخذَ بكلِّ الأحكام الشرعيَّة المتعلِّقة بسياسة الدنيا - مثل العلمانيين - من فعل ذلك فلاشكَّ في كفره .

*بعض الثمار الخبيثة للعلمانيَّة :*

1-  رفضُ الحكم بما أنزل الله - سبحانه وتعالى - ، وإقصاءُ الشريعة عن كافَّة مجالات الحياة ، واستبدالها بالقوانين الوضعية . والسخرية والإقصاء لكلِّ من يدعو إلى تحكيم الشريعة.

2- تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه ، وتصوير العصور الذهبيَّة لحركة الفتوح الإسلامية ، على أنَّها عصور همجيَّة تسودها الفوضى ، والمطامع الشخصية .

3- إفساد التعليم وجعله خادمًا

لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق : بثِّ الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية , وتهميش المواد الدينيَّة وتقليص الفترة الزمنية المتاحة لها . و كذلك منع تدريس بعض النصوص أو تحريفها  بحيث تبدو وكأنَّها تؤيِّدُ الفكرَ العلماني ، أو على الأقلِّ أنَّها لا تُعارِضُه .

4- إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة ، وهم المسلمون ، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد ، وجعلهم جميعًا بمنزلة واحدة من حيث الظاهر ، وإن كان في الحقيقة يتمُّ تفضيل أهل الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان على أهل التوحيد والطاعة والإيمان . وهم يحاولون ترويج ذلك في بلاد المسلمين تحت ما سموه بـ ( الوحدة الوطنية ) .

5- نشر الإباحيَّة والفوضى الأخلاقية ، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية ، و وضع القوانين التي تحارب الفضيلة , وتحمي الرذيلة .

6- محاربة الدعوة الإسلاميَّة , وتضييق الخناق على دعاتها , وتصويرهم على أنَّهم جماعة متخلِّفة فكريًّا, وإلصاق التُّهَم الباطلة بهم , في مقابل إفساح الطريق لدعاة العلمانيَّة والباطنيَّة والصوفيَّة  , وتمكينهم من وسائل الإعلام المختلفة .

7- الدعوة إلى القوميَّة أو الوطنيَّة ، وهي دعوةٌ تعمل على تجميع النَّاس تحت جامع وهمي من الجنس أو اللغة أو المكان أو المصالح ، على ألا يكون الدين عاملًا من عوامل التجميع ، بل الدِّين من منظار هذه الدعوة يُعد عاملًا من أكبر عوامل التفرُّق والشِّقاق  . 

هذه هي بعض الثمار الخبيثة التي أنتجتها العلمانيَّة في بلاد المسلمين .

والمسلم يستطيع أن يلمس أو يدرك كلَّ هذه الثمار أو جُلَّها في غالب بلاد المسلمين ، وهو في الوقت ذاته يستطيع أن يُدرك إلى أيِّ مدى تغلغلت العلمانيَّة في بلدٍ ما اعتمادًا على ما يجده من هذه الثمار الخبيثة فيها .

*وللعلمانية وسائل متعدِّدة في تحريف الدِّين في نفوس المسلمين منها :*

1- إغراء بعضِ ذوي النفوس الضعيفة والإيمان المزعزع بمغريات الدنيا من المال والنساء والمناصب ، لكي يردِّدوا دعاوى العلمانيَّة على مسامع الناس ، ويقام لهم قبل ذلك دعاية مكثَّفة في وسائل الإعلام العلمانيَّة بهدف إظهارهم في ثوب العلماء والمفكرين وأصحاب الخبرات الواسعة ، حتى يكون كلامهم مقبولًا لدى قطاع كبيرٍ من الناس .

2- القيام بتربية بعض النَّاس في محاضن العلمانيَّة في البلاد الغربيَّة ، وإعطائهم ألقابًا علميَّة مثل درجة ( الدكتوراه ) أو درجة ( الأستاذية ) ، ثمَّ تمكينهم بعد ذلك ليكونوا أساتذةً في الجامعات ، ليمارسوا تحريف الدِّين وتزييفه في نفوس الطبقة المثقَّفة والتي بيدها في الغالب ، أزِمَّة الأمور في بلادهم ،ومن هنا ندرك مدى الفساد الذي يحدث من جرَّاء وجود هؤلاء العلمانيين في المعاهد العلميَّة والجامعات .

3- إشغال النَّاس بالقضايا الفرعيَّة ، والدخول في معارك وهميَّة حول هذه القضايا مع العلماء وطلاب العلم والدعاة لإشغالهم وصرفهم عن القيام بدورهم في التوجيه ، والتصدِّي لما هو أهم وأخطر من ذلك بكثير .

5- الحديثُ بكثرة عن المسائل الخلافيَّة ، واختلاف العلماء وتضخيم ذلك الأمر ، حتى يُخيَّلُ للنَّاس أنَّ الدِّينَ كلَّه اختلافات وأنَّه لا اتِّفاقَ على شيءٍ حتى بين العلماء بالدِّين ، مما يُوقِعُ في النَّفس أنَّ الدِّين لا شيءَ فيه يقينيٌّ مجزوم به ، مما يعني انصراف النَّاس عن الدِّين .

6- إنشاء المدارس والجامعات والمراكز الثقافية الأجنبيَّة ، و نشر الفكر العلماني فيها على أوسع نطاق ، وخاصة في الدراسات الاجتماعيَّة ، والفلسفيَّة ، والنفسيَّة .

7- الاتِّكاء على بعض القواعد الشرعية من دون مراعاة ضوابطها ، من أجل ترويج كلِّ قضايا الفكر العلماني أو جُلِّها .

فمـن تلك القواعد على سبيل المثال : قاعدة ( المصالحُ المرسَلة ) . وقاعدة ( ارتكاب أخفِّ الضَّرَرين واحتمال أدنى المفسدتَين ) وقاعدة ( الضَّرورات تُبِيحُ المحظُورات ) ، ( ودَرءُ المفاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المصالِح ) ، ( وصلاحيَّةُ الإسلامِ لكُلِّ زَمان ) ، ( واختلافُ الفتوى باختلافِ الأحوال ) ، يتَّخِذون من هذه القواعد وأشباهِها ذريعةً لتمييع الدِّين في نفوس المسلمين . ومنطلقًا لنقل كل النظم الاقتصادية ، والسياسية السائدة في عالم الكفار إلى بلاد المسلمين ، مِن غير أن يتفطَّنَ أكثرُ النَّاس إلى حقيقةِ هذه الأمور . مع أنَّ العلمانيَّة - وللأسف - لم تَنقُل إلى بلاد المسلمين الإيجابيَّات ؛ مثل : التقدُّم الصناعي والعلمي والقوَّة الاقتصاديَّة ورفاهيَّة المجتمعات , والحفاظ على الحقوق والحريَّات .. بل على النَّقيض من ذلك حين نقلت كلَّ سيِّئ عن الغرب وتركت أهمَّ المحاسن .

و هذا المسلك من أخطر المسالك وأشدِّها ضررًا وتلبيسًا على الناس .

*واجب المسلمين :*

إنَّ على جميع المسلمين واجبًا كبيرًا وعظيمًا ألا وهو العمل على تغيير هذا الواقع الأليم الذي يكاد يَحرِفُ الأمَّةَ كلَّها بعيدًا عن الإسلام . ويتأكَّد هذا الواجب على العلماء والموجِّهين والدُّعاة كونهم قادةً والنَّاسُ تبعٌ لهم .

ولا خروجَ للمسلمين من هذا الواقع الأليم إلا بالعلم والعمل ، فالعلم الذي لا يتبعه عمل لا يغيِّر من الواقع شيئًا ، والعمل على غير علمٍ وبصيرةٍ يُفسد أكثرَ مما يُصلِح .

والمقصود بالعلم هنا هو العلم الذي يورث إيمانًا صحيحًا صادقًا في القلب ، وباعثًا على العمل لدين الله والتمكين له في الأرض وإن كلَّفه ذلك ما كلَّفه من بذل النفس والنفيس ، ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم الصحيح بحقيقة دين الإسلام ، ثم لابدَّ مع ذلك من العلم بالمخاطر التي تتهدَّد الأمَّة الإسلامية ، والأعداء الذين يتربَّصون بها , والدعوات الباطلة والهدَّامة التي يُروَّج لها ، وما يتبَع ذلك من تحقيق البراءة من أعداء الدِّين ، وتحقيق الولاية للمؤمنين الصادقين .

وفي إطار الحديث عن العلم ونشرِه فإنَّ فئةَ المعلِّمين من المدرِّسِين والأساتذة من أدنى مراحل التعليم إلى أعلاها عليهم واجب من أهمِّ الواجبات العامَّة في حقِّهم وآكدها وهذا الواجب يتمثَّل في :

1- العمل على أسلمة المناهج بحيث تصبُّ كلُّ المناهج العلمِيِّة في إطار خدمة الإسلام ، وبحيث لا يكون الهدف العلمي البحت ، هو الهدف الوحيد من تدريس هذا العلم ، وهذا الأمر واجبٌ أكيدٌ في حقِّ أولئك الذين يضعون هذه المناهج ويُقرِّرُون تدريسها.

2- تنقيةُ المواد العلميَّة من الكفريَّات والضَّلالات المدسوسة بها ، فلا يكتفي المعلِّم بدوره كمُعلِّم للمادة فقط ، بل يربط هذه العلوم بالإسلام ويُنقِّيها مما فيها من الشوائب ويكون في الوقت نفسه داعيةً وواعظًا ومُرشِدًا إلى جانب كونه معلِّمًا ومُثَقَّفًا .

 3- أن ينتهِز المعلِّم الفرصةَ كلَّما سنحت له لتوضيح مفهوم من مفاهيم الإسلام ، أو لتثبيت عقيدة من العقائد أو لبيان قضيَّةٍ من قضايا المسلمين أو لتعليم أدبٍ من آداب الإسلام ، وهكذا .

و لا يصدُّنا عن القيام بهذه الواجبات ما نلقى من عنتٍ ومشقَّةٍ ومِن صدود مِن جانب الناس ، ومن تضييقٍ وحربٍ من جانب المتنفِّذين أذناب العلمانية وعملائها .

بل لابدَّ من العمل بهذا الدِّين ولهذا الدِّين ، ولابدَّ من جمع الناس على ما يُحبُّه اللهُ ورسولُه من الاعتقادات ، والأقوال ، والأفعال , وتحمُّل التَّبِعات في سبيل ذلك ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين كلُّه لله .

ولا أحسب أنِّي بذلك قد تحدَّثتُ عن واجب المسلمين كما ينبغي ، ولكن يكفي أن تكون تذكرةً لنا جميعًا ، لعلَّ الله ينفعنا بها .. اللهمَّ آمين .

 

( هذه المقالة ملخَّصة من كتاب العلمانيَّة وثمارها الخبيثة لـ : محمَّد شاكر الشريف ) .