arrow down

انتصار المقدسيين صفعة للمتخاذلين

 

بقلم فضيلة د. عبد الآخر حماد الغنيمي

 

( الله أكبر .. الأقصى إلنا .. إلنا .. ما إلكم هيكل عنا ) بهذا هتفت نساء القدس لحظة رضوخ المحتلين الصهاينة

وإزالتهم البوابات الإلكترونية التي كانوا قد وضعوها عند بوابات المسجد الأقصى المبارك ، حيث لم يجد أولئك

الصهاينة بداً من التراجع عن وضع تلك البوابات بعد ما رأوا من ثبات المرابطين من أبناء القدس وما حولها

وإصرارهم على عدم الرضوخ لمطالب العدو الصهيوني مهما كلفهم ذلك من ثمن .

وقد شهد العالم كله أولئك الرجال وتلك النسوة على مدى الأسبوعين الفائتين وهم يؤدون الصلاة في شوارع القدس

وطرقاتها غير عابئين بجنود الاحتلال الذين يحيطون بهم من كل جانب ، فاستشهد منهم من استشهد وأصيب من

أصيب ، فلم يزدهم ذلك إلا قوة وثباتا ً.

وإنه لمما يثلج صدر كل مسلم غيور أن يرى انكسار العدو المتغطرس بجنوده وآلياته أمام شعب مسالم أعزل إلا من

إيمانه بربه ثم ثقته في نصر الله عز وجل ، غير أن لنا مع هذا الموقف وقفات ثلاث لعلها تكون بمثابة دروس مستفادة

من ذلك الحدث المهم:

أولها : أن هذا الذي حدث يؤكد بحمد الله تعالى حيوية الشعب الفلسطيني العظيم الذي عاني من ظلم الظالمين ما عانى

ولقي من القتل والتشريد ما لقي ، ومع ذلك لم تَخْبُ عنده جذوة الجهاد وحب الاستشهاد ، فكان ثباته وصموده دستوراً

توارثته الأجيال ووصيةً يوصي بها السابق اللاحق .

ولقد تذكرت حين سمعت خبر اعتداء القوات الصهيونية على المعتكفين في المصلى القبلي للمسجد ومحاولة إخراجهم

منه بالقوة تذكرت كلاماً كنت قد قرأته في كتاب أحكام القرآن للقاضي أبي بكر بن العربي المتوفى عام 543هـ حول

ثبات أهل بيت المقدس رجالاً ونساءً واستماتتهم في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك في وجه الهجمة الصليبية في

عصره حيث قال رحمه الله : ( وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من مُعتكَفِهِنَّ حتى استشهدن فيه ) .

فالحمد لله الذي أبقى في زماننا خلَفاً صالحاً يحافظ على هذه الأمانة ويسير فيها سيرة من سبق من أهل الدين والإيمان.

وثانيها : أن هذا الانتصار الذي تم بفضل الله وحده ثم بصمود أهلنا في الأرض المباركة ليجلل بالخزي والعار غالبية

الحكومات العربية التي ما رأينا منها إلا صمتاً مريباً ، أو استنكاراً على استحياء وخجل ، بل لم يستحِ بعضهم من أن

يسوي بين الظالم والمظلوم ، وبين محتل غاشم وشعب أعزل كل ما يطالب به هو المحافظة على هويته وعقيدته ،

 

وذلك مثلما رأينا في بيان وزارة الخارجية المصرية الذي صدر في بداية الأزمة ، والذي وصفت فيه تلك الأحداث بأنها

عنف وعنف مضاد ، حيث جاء فيه أن الخارجية المصرية تعبر عن قلقها إزاء الأحداث التي شهدها المسجد الأقصى،

وأنها تطالب ( جميع الأطراف بضبط النفس وعدم الانزلاق إلى حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد ) .

وثالثها : أنه إذا كان أهلنا المرابطون في بيت المقدس قد نفضوا أيديهم منذ زمن بعيد من غالبية الحكومات العربية ،

وصاروا لا يتوقعون منها نصرةً ولو بالكلام ، فقد كان ظنهم بأهل العلم الشرعي والمنتسبين إليه أن يتخذوا من

المواقف القوية ما يتناسب مع بشاعة حدث إغلاق المسجد الأقصى الذي لم يحدث مثله إلا عام 1969م ، حين وقع

حريق المسجد ، ولكن خاب ظنهم في كثير من المؤسسات الدينية في بلاد المسلمين ، صحيح أن الأزهر الشريف قد

أصدر بياناً استنكر فيه إغلاق المسجد الأقصى ، واتخذ بعض المواقف المناسبة منذ بداية الأزمة ، ولكن انظر مثلاً إلى

موقف وزارة الأوقاف المصرية ممثلاً في عنواني خطبة الجمعة في أسبوعي الأزمة فإنك ستجد أن الوزارة وكأنها لا

تعرف شيئاً اسمه المسجد الأقصى ولا ما يجري فيه من أحداث ، فقد كانت خطبة الجمعة يوم 21/ 7 والتي كانت في

عنفوان الأزمة بعنوان : ( مفهوم المواطنة والانتماء وواجبنا تجاه السائحين والزائرين والمقيمين ) ، ولست أدري أين

هم السائحون والزائرون الذين يزورون مصر في هذه الآونة ؟ حتى تهتم وزارة الأوقاف بالحديث عن الواجب تجاههم

، وأما خطبة يوم 28/ 7 فكانت بعنوان : ( المسئولية المجتمعية والإنسانية ) ، فإذا علمنا أن الوزارة لا تبدي أي

تهاون في إمكانية تغيير الخطيب لموضوع الخطبة وأنها تؤكد - بحسب التنبيه الذي تنشره أسبوعيا عند تحديدها

لموضوع الخطبة – على استبعاد أي خطيب لا يلتزم بموضوع الخطبة ، أقول إذا علمنا هذا علمنا مدى التردي الذي

وصل إليه الخطاب الديني في بلادنا في وقت يزعمون فيه أنهم الأمناء على ذلك الخطاب الديني ولا يسمحون لمن

خالفهم في شيء أن يشاركهم فيه مهما بلغ علمه وكفاءته ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .