arrow down

رسالة مفتوحة إلى حزب العدالة والتنمية المغربي

 

بقلم فضيلة أ,د. محمد أمحزون ( عضو رابطة علماء المسلمين )

 

الإخوة والأخوات أعضاء حزب العدالة والتنمية

السلام عليكم ورحمة الله

إن شريعة الإسلام نزلت لتنقذ الناس من أنياب الفساد والشرور، ولتطبع المسلمين بطابع العزة والكرامة، ولتنظم جميع شؤونهم، ابتداء من علاقتهم بربهم، وثانيا بتحديد علاقتهم بأنفسهم داخل المجتمع الواحد، وثالثا بتحديد علاقتهم بغيرهم من الأمم والدول، فتناولت كل ناحية من نواحي الحياة، وكل حال من أحواله، وعالجتها بالحكمة والتدبير، ونظمتها بالإصلاح والتقويم والتوجيه، لأن من خصائصها ملاءمة الفطرة والاعتدال ورفع المشقة وجلب التيسير.

كما رسمت للمجتمع المسلم خطط السلوك، ووضعت له الأحكام والحدود، وصانت بذلك الحقوق، وبينت الواجبات في العبادات والمعاملات والجنايات وشؤون الأسرة، وحددت قواعد العمل في الاقتصاد، ووضعت الخطوط العريضة لنهج السياسة الشرعية مما يضمن للمجتمع استقراره وأمنه ورخاءه.

على أن ما يميز الأحزاب والحركات الإسلامية في أي مكان هو سعيها لإعادة المجتمعات الإسلامية لوضعها الطبيعي، أي عودة الإسلام سلطة عليا لا يعلوه شيء. فهذا هو الهدف من وجودها، وهذا سبب التفاف جماهير المسلمين حولها. وحين تتنازل بعض الأحزاب والحركات الإسلامية عن هذا المطلب الرئيس، وتسعى فقط لتأمين الحريات والحقوق الديمقراطية والمساواة والعدالة بمفاهيمها الغربية السائدة المجافية لروح الإسلام وشريعته - وهي دعوى تتفق جميع التيارات العَلمانية: الليبرالية واليسارية والقومية عليها - فإنها تفقد مبرر الوجود، وتسحب عن نفسها مقوم البقاء.

إن الأحزاب الإسلام يجب أن تعي دورها الحقيقي، وهو قيادة المجتمعات المسلمة نحو التحكيم الحقيقي للشريعة، كما يريده الله عز وجل ويريده النبي r، وأن تهيئ الأسباب الشرعية لذلك، ولا يجوز أن يكون دورهم هو شرعنة ما هو موجود تحت ضغط الواقع، حيث أصبحت مفاهيم الحريات المطلقة والحكم للشعب ومساواة المسلم بغيره فيما يطلق عليه حقوق المواطنة تقرر في أدبيات هذه الأحزاب. ففي الإسلام إن الحرية مقيدة بضوابط الشريعة وكلياتها وقواعدها، والحكم والسيادة للشرع وليس للشعب، وجميع الناس متساوون أمام قانون الشريعة حكاما ومحكومين، أغنياء وفقراء، والعقيدة هي التي تجمع المسلمين على مفهوم الأمة في منطلقاتها وأهدافها، وهي التي تجمع أو تفرق بين الناس.       

وأي محاولة أو سعي لتحويل الأحكام الشرعية وتغيير الصورة الصحيحة للشريعة كما نرى في الواقع المعاش لهذه الأحزاب، ما هي إلا عامل إضعاف لإعادة المجتمعات المسلمة إلى حكم الشريعة ونظام الإسلام. فالمطلوب هو السير بهذه المجتمعات نحو الشريعة وليس توجيه الشريعة وتأويلها نحو ما عليه المجتمعات المعاصرة.

وإذا كان كثير من الناس في المغرب في الانتخابات الأخيرة قد أدلوا بأصواتهم في صناديق الاقتراع لصالح حزب العدالة والتنمية، إنما فعلوا ذلك أملا في أن يقوم هذا الحزب بإخراج المغرب من الأزمات المختلفة التي يتخبط فيها. ولن يكون ذلك إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية على كافة الصعد، وإقامة دولة المؤسسات؛ لأن الشريعة هي الضمان الحقيقي لوحدة المغرب أولا، إذ الأغلبية الساحقة من المغاربة مسلمون. وهي الضمان الحقيقي لحفظ حقوق الناس وحرياتهم وقيمهم؛ فالمقصد العام لنزول الشريعة هو حفظ الإنسان في دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه.

كما أنها تمنع أي تعد على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم؛ لأنها مناط العدل. بل إنها مصدر الأمن في المجتمع بتطبيق حدودها، ومصدر الرفاهية والرخاء حين تطبق أحكامها: )وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا( [الجن:16] والطريقة هنا هي الشريعة، فتطبيق الشريعة يساوي وفرة الإنتاج.

إنكم تتحملون مسؤولة جسيمة أمام الله تعالى ثم أمام شعبكم، لأنكم في موقع صنع القرار، والواجب عليكم السعي الحثيث لتطبيق أحكام الشريعة في واقع المغاربة، وتنحية القوانين الوضعية التي عم وطم بها الفساد في كل صعيد وميدان.

إن من الحقوق التي يطلبها المسلم الحق في هذا العصر هي الحكم بشريعة الإسلام، لأن هذا لازم إيمانه: )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم( [الأحزاب:36]، وهو قول كل مؤمن )إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا( [النور:53].

إنني أجزم بأن لديكم رغبة صادقة في إنقاذ البلاد وفي الإصلاح، ولكن الحلول الترقيعية لا تجدي؛ لأن أحكام الشريعة كل لا يتجزأ، فلا تأتي ثمارها إلا حين تطبق في جميع مجالات الحياة. ولذلك يجب عليكم المبادرة لإصلاح الأوضاع المتردية بتطبيق أحكام الشريعة، فهي الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل الهيكلية التي تعاني منها الدولة والمجتمع معا. كما ينبغي أن تبلغوا الجهة النافذة في هذا البلد بأن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الضمان الفعلي للاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والكفيل بجلب الأمن والرخاء للمجتمع، لتنطلق التنمية إلى آفاق واعدة. وتبلغوها أيضا بأن الدولة العلوية قامت على أمر الدين، فهو مبرر وجودها واستمرارها، وأن إمرة المؤمنين تقوم على البيعة، والبيعة شرطها تطبيق أحكام الشرع الواردة في الكتاب والسنة.

إن الغالبية الساحقة من الشعب المغربي تحب الإسلام، لأنه دين الفطرة والاعتدال والمصلحة، فلا تخيفنكم فلول العَلمانيين اللادينيين الذين يعادون هذا الدين، فهؤلاء أقلية كارهة ورافضة للشريعة الإسلامية، ولا يمكن للأقلية شرعا وعقلا أن تتحكم في مصير الأغلبية. إنكم إذا ضيعتم هذه الفرصة الثمينة التي منحها الشعب المغربي لحزبكم للإصلاح والتجديد، فتأكدوا بأنكم لن تفوزوا مرة أخرى بثقته، كما حصل من الأحزاب الليبرالية واليسارية التي وعدته بوعود لم تحقق منها شيئا، فكان نتيجتها الفشل وخسارة أصوات الجماهير المتعطشة للإصلاح في صناديق الاقتراع.

على أن الإصلاح الحقيقي – كما تعلمون – مناطه الشريعة الإسلامية المبنية على مصالح العباد، والضامنة لحقوق الإنسان الأساسية، والمؤدية بنظامها الشوري وعدلها إلى النهضة وبناء الحضارة وتحقيق الإنتاج والتنمية.

أيها الإخوة والأخوات، إن تحكيم الشريعة الإسلامية في شؤون الحياة كلها عروة من عرى الإيمان وأصل من أصول الاعتقاد؛ فقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة مؤكدة بأن الحكم بما أنزل الله تعالى من صفات المؤمنين، كقوله تعالى: )فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما( [النساء:65] وقوله تقدست أسماؤه: )وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله( [الشورى:8]. ولا عبرة بموقف المفسدين منها، فهم أقلية في الشعب تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلـَبُ بصاحبه: )ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون( [الجاثية: 18].

وفي الختام، إن الشريعة الإسلامية هي هوية المغاربة جميعا ودستور حياتهم، وأن مبادئها وأحكامها ينبغي أن تكون منهاج تعاملهم فيما بينهم، ومع غيرهم من الأمم والدول. كما أنها مصدر عزتهم وقوتهم وكرامتهم، وأن أي مساس بسلطانها وسيادتها خيانة في حق هذا الدين.

وعندما غاب التحاكم إليها في حياة المغاربة، ملئت القوانين العلمانية والمناهج الغربية المستوردة الفراغ الرهيب في حياتهم، فنشأت أجيال ضائعة تحتاج من يأخذ بيدها إلى بر الأمان. فكونوا النخبة المصلحة الداعية إلى الخير، الأنبل غاية، الأسمى هدفا، واسعوا بكل ما أوتيتم من قوة لإنقاذ البلاد من الفساد السياسي والمالي والإعلامي، حيث نرى القيم والأخلاق والحرام تداس، ويأكل القوي الضعيف، ولا يأمن الناس على دينهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سببا في عدم الأمن وعدم الاستقرار، وانتشار الخوف والبطالة والغلاء، واختلال حياة الناس، كما لا يخفى عليكم.

ومما لا ريب فيه، أن سعيكم لتطبيق الشريعة الغراء في كل مناحي الحياة سينقذ المغاربة من الحيرة والتخبط وعدم الوثوق بالمستقبل، وسيضفي الأمن والأمان على مجتمعنا، ويجلب للناس الرخاء والرفاهية، وما بالكم بآجل ثواب الله العظيم في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وفي الآخرة الجزاء الأوفى لمن اتقى وكان وقـّافا عند حدود الله لا يتعداها.      

والله ولي التوفيق      

   

أ.د. محمـد أمحـزون