arrow down

بمناسبة حلول شهر الله المحرم الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع


بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

ركن مواسم الخير مقالات 0 الأمين الحاج محمد أحمد مايو 8, 2016
بمناسبة حلول شهر الله المحرم الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع

الحمد لله الذي عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة ، حيث لا تزال طائفة منها قائمة على الحق، مظهرة له، دافعة عن هذا الدين، تنفي عنه تحريف الغالين، وزيغ المبطلين، وكيد الكائدين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة وهم على ذلك؛ وقد كانوا في القرون الأولى الفاضلة كثيرين، ثم لم يزالوا ينقصون حتى صاروا أقل من القليل.
وقد كانوا إذا عدّوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
والعبرة ليست بالكثرة والوفرة، وإنما هي باتباع الحق، فالجماعة الحقة هي ما كانت على الحق ولو كان فقيهاً على ظهر جبل، ولو كنت وحدك، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه؛ فقد مدح الله القلة وأثنىعليها، فقال: “وقليل من عبادي الشكور” [سبأ: 13]، وقال: “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين” [يوسف: 103]، وقال: “وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون” [يوسف: 106]، وقال على لسان الطاغية فرعون عن موسى وقومه: “وإنهم لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون” [الشعراء: 54].
وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد القائل: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”.
لقد أحدثت في هذا الشهر العظيم بدع ومخالفات لم يعرفها سلف هذه الأمة، يجب التنبيه عليها والتحذير منها، يجهل حقيقتها كثير من المسلمين، بل يظنونها من السنن المستحبات، وذلك لتقصير أهل العلم في بيان مخالفتها لما جاء به صاحب الشريعة، إن رغبة، أورهبة، أوجهلاً؛ وقد أوجب الله على حملة الشريعة عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا أحببت أن أذكر نفسي وإخواني المسلمين في هذا البلد الحبيب والوطن العزيز بخطورة التمادي فيها والغفلة عن بيان مخالفتها للشريعة، راجياً من الله أن تجد هذه الكلمات أذناً صاغية، وقلوباً واعية، ونفوساً زاكية، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وأهم ما أحدث في هذا الشهر ما يأتي:
 الاحتفال بأول السنة الهجرية، واتخاذ ذلك عيداً وعطلة.
 الفرح، والسرور، والتوسعة على الأهل والعيال في يوم عاشوراء.
 اتخاذ يوم عاشوراء يوم مأتم، وحزن، وعويل.
وسنتحدث بشيءٍ من الإيجاز عن كل واحدة من ذلك.
الاحتفال بأول السنة الهجرية، واتخاذه عيداً وعطلة
ورد في فضل المحرم عامة، وعاشره وتاسعه خاصة، عدد من الأحاديث والآثار، تحث على الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم خاصة، ويومي تاسوعاء وعاشوراء، أي التاسع والعاشر، أوالعاشر والحادي عشر؛ من ذلك:
 قوله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل” [مسلم].
 وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان” [متفق عليه].
 وعن أبي قتادة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء، فقال: “أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله” [صحيح مسلم].
 وصح عنه أنه قال: “لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر”.
هذا كل ما صح في هذا الشهر، أما الاحتفال في أوله بالهجرة، واتخاذ ذلك عيداً وعطلة، فهذا لم يرد فيه حديث صحيح، ولم يُؤثر عمل ذلك عن أحد ممن يقتدى بهم، من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ إذ لو صحَّ في ذلك حديث، أو أثر، أو فعل، لنقل إلينا، كما نقل إلينا الحث على إكثار الصيام فيه، سيما يومي عاشوراء وتاسوعاء، فإن الهمم متوفرة لنقل ذلك وحفظه والعمل به؛ وحيث لم يصلنا في ذلك خبر صحيح، ولا فعل موصول بالقرون الفاضلة، دل ذلك على عدم مشروعية الاحتفال في أول المحرم بالهجرة واتخاذ ذلك عيداً وعطلة عامة، لأن ما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً.
روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تتخذوا شهراً عيداً ولا يوماً عيداً “، يعني غير أعياد المسلمين الثلاثة المعلومة: الجمعة من كل أسبوع، وعيد الفطر وأيام التشريق، وعيد الأضحى.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيداً إلا ما جاءت به الشريعة باتخاذه عيداً وهو يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، وهي أعياد العام؛ ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع؛ وما عدا ذلك فاتخاذه عيداً وموسماً بدعة لا أصل له في الشريعة) [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من اللطائف للحافظ ابن رجب الحنبلي، الطبعة الأولى 1409ﻫ، دار الكتب العلمية، بيروت].
أول من سن التأريخ بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة من الهجرة في خلافته، وقد عمل ذلك بمشورة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماعهم؛ ولو كان الاحتفال بالهجرة مشروعاً من قبلُ لما غفل عنه عمر، ولو كان سنة لفعله هو، إذ عمل الخلفاء الراشدين سنة؛ فلو كان خيراً لما غفل عنه هؤلاء الأخيار وانتبه إليه الخلوف من الأمة في القرون المتأخرة، ولو كان مشروعاً لما سبق إليه المتأخرون وتركه الأولون، فدلّ ذلك على أن الاحتفال بالهجرة واتخاذ ذلك عيداً وعطلة لا أصل له في الدين، ومن ثم فهو بدعة ومحدث، وقد أعلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن كل بدعة ضلالة، وأن من أحدث في الدين ما ليس منه فعمله مردود عليه، لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً، بل سيؤاخذ بابتداعه هذا، وبتقليد الناس له، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً”.
اعلم أخي المسلم أن هذا العلم دين فانظر ممن تتلقى دينك، ولا تكن إمعة تقول: إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وطِّن نفسك على اتباع الحق، فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع؛ اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.
الفرح والسرور والتوسعة على العيال في يوم عاشوراء
كذلك من البدع التي أحدثها بعض المتأخرين من المسلمين: الفرح، والسرور، والتوسعة على العيال، والاختضاب، والاكتحال، والاغتسال في يوم عاشوراء؛ إذ لم يصح في ذلك كله حديث صحيح ولا ضعيف، ولم يؤثر في ذلك عمل من أحد ممن يقتدى به، فيجب علينا الانتهاء عن جميع ذلك، وأن نكتفي بصيامه كما صامه أسلافنا، وصيام التاسع معه مخالفة لأعداء الملة والدين، اليهود الملعونين على ألسنة الأنبياء والمرسلين والصالحين.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح.
وقال: وأما التوسعة فيه على العيال، فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: “من وسَّع على أهله يوم عاشوراء”، فلم يره شيئاً؛ قال: وقول حرب أن أحمد لم يره شيئاً إنما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصح إسناده، وقد روي من وجوه متعددة لا يصح منها شيء، وممن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال العقيلي: هو غير محفوظ، وقد روي عن عمر من قوله، وفي إسناده مجهول لا يُعرف.
إلى أن قـال عن الأثـر: “من وسَّع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته”: رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد المنتشر، وكان من أفضل أهل زمانه، أنه بلغه أنه من وسَّع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته.
قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين، فما رأينا إلا خيراً) [لطائف المعارف ﺻ 64 ـ 65].
قلت: التجارب لا يحكم بها، وهي ليست مصدراً من مصادر التشريع، وإنما تثبت العبادات والأحكام الشرعية بالدليل: بالقرآن، والسنة، والإجماع؛ وقد يكون جرَّب ذلك الكثير من الناس ولم يروا الذي رآه ابن عيينة رحمه الله، فكيف تكون التجربة دليلاً لإثبات عبادة وقربى من القربات؟!
اتخاذ يوم عاشوراء يوم مأتم وعويل وحزن
من البدع المنكرة والعادات الذميمة مايفعله الشيعة ـ الرافضة ـ في هذا اليوم من البكاء والعويل، وضرب الخدود، وشق الجيوب، تغطية لخذلان أسلافهم للحسين بن علي رضي الله عنهما، وتخليهم عن الدفاع عنه، بعد أن كاتبوه ووعدوه بالنصرة، كما فعلوا مع أبيه وأخيه الحسن رضي الله عنهما من قبل، بل منهم من حمل السلاح عليه وقاتله.
قال ابن رجب الحنبلي: (وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، فهو من عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف بن دونهم؟) [المصدر السابق.].
قلت : لقد أمرنا الله عند وقوع المصائب أن نحمد الله ونسترجع: “الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون” [البقرة: 156.].
أيُّ مصيبة حلت بالحسين؟ لقد أكرمه الله بالشهادة، وهو في أعلى الجنان، بل هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ابتلاه الله عز وجل بذلك ليرفع درجته، ويكرم نزله، ويعلي شأنه، كما أعلى شأن أبيه وأخيه.
فالحمد لله الذي عافى أهل السنة من هذا الصنيع القبيح، ومن هذا الفعل المشين، ونسأل الله أن يديم على الرافضة الأحزان والأتراح، وأن يجعل أيامهم كلها مآتم، بسبب خذلانهم لآل البيت، وسبهم وانتقاصهم لخيار الصحابة، وما جرّوه على المسلمين من نكبات ومصائب بتعاونهم مع الكفرة والملحدين.